بارادايم الحب والموت في ديوان 'فقدان المناعة'

كتب ـ محمد العناز
تفاصيل شائكة

يسعى الشاعر عبدالسلام دخان في ديوانه الجديد المعنون بـ "فقدان المناعة" الصادر عن مطبعة الخليج العربي بتطوان 2011 إلى كشف بارادايم الحب والموت، عبر رؤية جمالية لشاعر ينتمي إلى حساسية شعرية تشكلت بالمغرب في نهاية القرن العشرين.

وأسهمت اللوحة الفنية التي أنجزها الفنان المقتدر عبدالخالق قرمادي في تحقق هذه الدلالة التي يروم صاحب "محارب بلا جبهة" إنجازها على امتداد صفحات الديوان الـ 86.

فديوان "فقدان المناعة" يعد أول تجربة نشر ورقي للشاعر يبتعد عن المقولات الشمولية، وعن استعادة الماضي، مادام رهانه مرتبطا بالمضي قدما بالقصيدة من الحاضر إلى المستقبل؛ لذلك فوظيفة اللغة فضلا عن رغبتها في تحقق الوجود، ترتبط بتأسيس عالم بجلبته وتناقضاته، وإحباطاته.

اللغة تستشرف أحاسيس دقيقة لحالات إنسانية مختلفة، فصاحب "ضد الجاذبية" يجعلنا نرى العالم بعيون العاشق، والمسافر، والمغترب. لكن أهم ما يميز هذا الديوان هو القول الشعري الذي ينصت لآهات المريض المصاب بفقدان المناعة، وتقديم هذه الحالة الإنسانية التي باتت تشغل حيزا مهما من المجتمع المعاصر رافقها انشغال جمالي بالقصيدة التي تتطور بتنامي الصور الشعرية، وبالموسيقى المصاحبة لهذه الصور، يمكن نعتها بالموسيقى التصويرية لقصائد قد تبدو مغلقة كما هو الحال في قصيدة "عزلة وارفة"، أو مفتوحة كما هو الحال في قصيدة "ملوحة الحجر".

ينقسم هذا الديوان إلى مجموعتين: الأولى معنونة بـ "صور مختلة" وتضم القصائد التالية: فلسفة، متسول، شاعر، دعوة، هدية، نزوة، شوق، مرايا، كميليا، فراق، بورتريه. أما المجموعة الثانية فقد عنونها الشاعر بـ "تفاصيل شائكة" وتضم القصائد التالية: فقدان المناعة، عزلة وارفة، برج الأسد، صرخة البياض، قلب الشمال، سوناتا حامل التابوت، بوابة الضوء، الليل والعربة، احتضار، أطياف الكاهنة، ترانيم جسد عليل، ترقب على عتبة باب البحر، ملوحة الحجر، شهادة الوفاة.

وإذا كانت المجموعة الأولى تتسم بهيمنة الصور الجزئية، فإن المجموعة الثانية تتسم بهيمنة الصور الكلية.

وديوان "فقدان المناعة" يعكس الصيغ الأسلوبية والبلاغية التي يوظفها الشاعر عبدالسلام دخان لتحقيق جمالية نصوصه التي تزاوج بين الإنصات لأحاسيس الأعماق، والتأمل في الزمن والمكان وتحولات الذات.

نقرأ من قصيدته "شهادة الوفاة":

يَمُرُّ الزَّمَنُ شَاحِباً

يَرَى فِي الأَزِقَّةِ دَمْعَةَ التَّائِهِينَ

وَشَهْقَة العِشْقِ الدَّفِينِ

يَرَى فُرْسَانَ أبِيدُوم نُوفُوم القُدَامَى

وَيرَى البَحْرَ مُجَفَّفاً بِالقُبَلِ

أَنَا العَابِرُ بَيْنَ جُزُرِ الـمَاءِ

أُحِبُّ الوَطَنَ فِي عُيُونِ الأَطْفَالِ

أُحِبُّ الوَرْدَ الـمُيَبَّسَ بَيْنَ أَوْرَاقِ الكُتُبِ

أُحِبُّ الـجَارَةَ الَّتِي تُطْلِي

جُدْرَانَ بَيْتِهَا لَيْلَةَ العِيدِ

أُحِبُّ التِّلْمِيذَةَ وَهِيَ تَحْمِل

عِبْءَ السَّاسَةِ عَلَى كَتِفَيْهَا النَّاعِمَتَيْنِ

أُحِبُّ الـمُعَلِّمَةَ الـمَنْفِيَّة فِي أَقْصَى الـجَبَلِ

وَأُحِبُّ فِينُوسَ الشُّعَرَاءِ.