قبل أن نغرق!

بقلم: تركي الدخيل

يطرح الإصلاح في هذه السنة بشكلٍ مكثف. الثورات العربية والنيران الشعبية التي أشعلت العالم جعلت من الإصلاح حتمية تاريخية لا ترفاً يمكن أن يكون ضمن الخطابات اليومية. كل الحكومات المتحضرة تطرح مشاريع إصلاحية كل سنة. الولايات المتحدة وهي الامبراطورية التي تبسط سيطرتها ونفوذها في أنحاء متعددة من العالم يسعى المسؤولون فيها إلى تقديم مشاريع إصلاحية في الاقتصاد والتعليم والصحة باستمرار، ومع ذلك لم يقل الناس إن أميركا ضعيفة، لأن رؤساءها سواء أثناء حملاتهم الانتخابية، أو حتى بعد فوزهم وأثناء إدارتهم السياسية يقدمون معنى الإصلاح. الإصلاح آلية تقنية تعالج الثغرات، التي قد تطرأ على هذه المؤسسة أو تلك. صحيح أن بعض التيارات استغلت مفهوم الإصلاح لصالح أجندتها السياسية سواء من تيارات "اليمين" أو "اليسار" أو بينهما. غير أن هذا لا يلغي المطلب بل يدعمه.

التعامي عن الخلل يعطّل آلية الإدارة. هذا ما حدث مع الأنظمة التي سقطت. سواء في مصر أو تونس أو التي سقطت رمزياً كما في ليبيا أو سوريا أو اليمن. كل شيء يحتاج إلى إصلاح وترميم وعناية ورعاية. من البيوت التي نسكنها، إلى الأدوات التي نستخدمها. لهذا فإن الناس يحرصون على الحصول على "ضمان" للآلة التي يقتنونها لأنها تمنحهم الأمان، بأن هذه الآلة لو تعثرت يمكن إصلاحها.

ملك المغرب قام بإصلاحات جعلت المتابعين يكبرون هذا الأمر، إصلاحه لم يكن انهزاماً، وإنما لأن العصر والزمن تغير، إن لم يطوّر أداته في إدارة البلد والشعب، فإنها ستتعثر كما تعثرت الحكومات الأخرى. كان ابن خلدون في "المقدمة"، يماثل بين الأشخاص والدول، لأن هناك مراحل طفولة ثم شباب ثم كهولة، يمكن للإصلاح أن يبقي الدولة شابةً في ريعانها، إذا كانت الإدارة تعتني بكل ما يهم الإنسان.

لهذا فإن وصف أوروبا بـ"القارة العجوز" لم يأتِ إلا بعد أن صعدت القوة الأميركية التي تفيض شباباً حتى اليوم مع كل الأزمات التي تحيط بها. غير أن المشكلات التي تعاني منها أميركا ليست سراً، بل هي موجودة لدى الشعب من خلال الإعلام قدم أوباما التأمين الصحي، ثم ها هو الآن يكافح من أجل خطة "الديون" التي يريد إرساءها.

ثم إننا نجد "التقويم" له حضوره في صدر الإسلام، حين خطب أبو بكر طالباً من الناس أن "يقوّموه" هذا، وهو شريك النبي في الغار، وهو "الصدّيق" الذي كان ذراعاً أميناً صادقاً للنبي عليه الصلاة والسلام. إن التشويه الذي شاب معاني "الإصلاح" بعد نشوء تيارات معارضة للحكومات على أسسٍ أيديولوجية انتقامية، كان له سببه في تعثر برامج الإصلاح، غير أن المراحل الحساسة التي تمر بها المنطقة تحتم علينا أن نجرّد هذا المعنى الجميل من الإرث القديم ونجعله أكثر بهاءً وبياضاً، حتى لا نرفض الحل فقط، لأن الآخرين حاولوا اختطافه أو توظيفه لمصالحهم الخاصة.

الخليج يعيش نمواً كبيراً، والذين يأتون إلى عواصمها ويتجولون في شوارعها المضيئة والمشاريع القائمة، والتي ستنهض والخطط المستقبلية يشعرون بالدهشة، لأن الخليج لم يدخل في معترك الأيديولوجيات بشكلٍ كامل، بل جاءت الأسر الحاكمة ببيعة من المجتمع، فهي الدول التي حسمت مستقبلها السياسي. وهذه ميزة أن المجتمعات تريد لهؤلاء الحكام البقاء بدليل أن كل خطط الزعزعة فشلت، لهذا فإن الإصلاح الطبي والتعليمي والاقتصادي واستثمار الطفرات ضرورة ملحّة من أجل بناء هذا الخليج الفاره ليكون منارةً عربية.

إن الإصلاح أعظم وسائل التعبير عن النعمة، وأبلغ طرق الحمد لله على هذا الثراء، الإصلاح لا يعني سوى التنمية والرخاء وسد الثغرات في كافة المؤسسات، إن أعظم أساليب شكر النعمة الحرص على الحفاظ عليها، ولا شيء يحفظ النعم مثل الإصلاح الدائم عبر بوصلة التنمية المستدامة، وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار.

تركي الدخيل

www.turkid.net