ركيزتهم أن كل شهيد يسقط يهز عرش الرئيس صالح: إعلان حُـسن النية (!!)

بقلم: سام عبدالله الغباري

يصرخ "بقية" معتصمي الساحات في وجه "بقايا" الحكم: ارحلوا أو تندموا.!!، رغم الفترة الطويلة لمطلب إسقاط النظام إلا أن مرددي هذا الشعار لم يكفوا وعيدهم بمحاكمة خصومهم السياسيين، وقد تجاوز حلمهم بإسقاط "الغائب" إلى تهديد موظفي الدولة العاديين.. بينما صدحت نداءات مسيراتهم الأسبوعية بتبني ما لم يفعلوه (!!)، وحُـقّ عليهم وصف المثل الشعبي "عزب الويل يفرح بالتهمة"!!، ويلهم هذا لم يزل مستمراً، فصحيفة صديق عزيز افتتحت رأس صفحتها الأولى بإيصال صور ضحايا جُـدد كتبت بجوارهم "الثورة تنتعش"!!، في هذا العنوان الأحمر مأساة من يعتقد أن الدماء أساس صيرورة الثورة، وسبيل إنعاشها من غيبوبة الموت السريري.!.

رؤية الجثث المتناثرة للمعتصمين ستظل المحفز الاستراتيجي لكسب تعاطف الداخل والخارج مع مطالب الإسقاط والتغيير، وهذه الرؤية تجسدت كثيراً في عديد من الأخبار التي حملت رائحة الدماء المزيفة، أبرزها ما أشيع عن إحراق معاقي مدينة "تعـز" في خيام الاعتصام، وهو ما نفاه بثقة مدير أمن المحافظة عبدالله قيران المتهم بها وبهم. وموتى آخرون روج آلاف لمقتلهم برصاص أنصار الرئيس الذين خرجوا فرحاً لظهوره الأول وأشعلوا المحافظات ألعاباً وبارود.. فقال د. محمد الظاهري أن ساحة اعتصام صنعاء تتكوم بجثث 20 شهيداً ومئات الجرحى، فيما أفادت قناة "سهيل" بعشرين قتيل في كل المحافظات.!!.. بعد ساعات وصل النبأ اليقين: لا أحد (!!).

هذه الأخبار المزعجة عكست أمنيات قادة الانقلاب الثوري المنحسر بمزيد من الدماء التي تخففت في الساحات لتنتقل إلى مواجهات أخرى مع القبائل المتمردين أو الإرهاب الديني، فيما واجه البقية عنصر الاختراع الذي برع فيه الزنداني، فمن براءة الاعتصام إلى اختراع الإمارة الإسلامية (!!).

ما تم الإفصاح عنه بجذوة فرح أكثر من أمارات حزن في عنوان الصحيفة الأسبوعية أكد أن برامج وآليات التغيير التي يجب أن تُـحرك مبادئها عزيمة أصحابها، فيصحبون معهم جيش المحايدين إلى ساحاتهم لم تكن ركيزة ثورتهم الصاخبة، بقدر ما كان الدم أمضى تأثيراً من أهداف ما خُـبئ تحته.. وركيزتهم أن كل شهيد يسقط يهتز عرش النظام.. هم يحسبون ذلك لكن الفرق واضح أوله المبدأ والهدف والأمل، واستثناءه الضحايا والدماء.. أما أن يصير الاستثناء أمنية ومطلباً لأجل بلوغ الغاية.. فهذه فداحة لا يعظمها أمر سوى دفاع الأبرياء عنها وتبريرها في سياق حلم الوصول إلى هدف التغيير.!!

لست أدري من أين يستقي القاعدون على رصيف الاعتصام المتهاوي أمنية تحقيق "إسقاط النظام" الذي ظل متماسكاً بصورة لافتة عقب استهداف "مسجد النهدين" بتداعياته المؤدية إلى "إسقاط الأماني" وإعراض المعارضين لسوءات الفساد الحكومي عن واحدية الهدف الثوري واكتشاف العنف الذي تحاول القوى القبلية العتيقة صبغه بالإرادة السلمية رغم أنها لم تعد تعني شيئاً قدر ما هي استمرار مفرط لإهلاك البلد وتدمير قواه وسحق اقتصاده البسيط وترجمة التفرد بالقضية الثورية على مستوى حزب وحيد لم يعد شركاؤه بمأمن عن مكره واستخدامه لهم كأوراق مزيفة في لعبة نرد عبثية.

لا بد من إعلان حُـسن النوايا والتخلص من أفكار "النسخ واللصق" على أماكن لا تتواءم بطبيعتها مع مناطق أخرى قد تشارك غيرها العروبة واللغة والدين، لكنها لا تنساق معها في الأفكار والواقع المناقض، ولا تساويها في الثقافات البنيوية والتاريخ والعوامل السياسية والسيكولوجية وتأثيراتها المتعددة على المجتمع ومنظماته وطوائفه.

ربما يكمن الانهيار الحاصل في آمال التغيير الحقيقي لسلطة دامت 33 عاماً أنها بنيت على أساس (النسخ واللصق) لما هو حاصل في "مصر" و"تونس" لكنها أغفلت ما يحدث في سوريا وليبيا فتمسك قادة النظامين الأخيرين بعروشهم جاء نتيجة لأفعال التصفية وقضبان المحاكمات و"إشفاء الغليل" الذي تلى رحيل النظامين التونسي والمصري بعد اشتباكات دامية لكنها قصيرة الأمد وعاجلة، ولنزعة إرث سلطوي تراكم عبر أعوام الحكم الطويل بحشد الأقارب في قيادة الأمن والجيش وحساب يوم كهذا الذي يمر عليهم.

محاولة إذلال الأنظمة الجمهورية العائلية لا يمكن أن يمر بلا ثمن باهظ وأعوام طويلة ترهق طرفي النزاع بين "خالع ومخلوع" وتودي في نهايتها إلى تمزيق الوئام المجتمعي وتفكيك عوامل الوحدة الجغرافية وقيام المناطقية والنزعات الضيقة محل البيئة العامة للدولة التي ستصبح حلماً لن يعود واقعاً في ظل تواجد قوى مركزية متنافرة فكراً وعقيدة وسلوكاً لها قوة السلاح وعددية الأفراد وسيلجؤون حين الصراع على منافذ السلطة إلى الحفاظ على أماكنهم الصغيرة ومجتمعهم المحدود ضد قوى مضادة تحمل رؤية السيطرة على العموم بلا شرعية شعبية أو دستور يحدد طبيعتهم وعلاقتهم ببعضهم، كأن ينسى وزير الداخلية همّ الأمن الداخلي للوطن ككل مع تفكك نظامه الأمني وتسريح جنوده وضباطه إلى اهتمامه بصد أي هجوم غوغائي لقبيلة أخرى مناوئة لقبيلته، وبالتالي فإن الوضع حينها سيؤكد أن الحرب الأهلية بدأت بالفعل مع انتفاء أو فقدان الشرعية الحاكمة بالدستور والمرجعية الإسلامية.

أكرر.. ليس ثمة حل سوى بخيارين إما تبديل الشرعية القائمة بشرعية بديلة يختارها الشعب وفق آلية انتخابية واضحة ومعترف بها داخلياً وخارجياً لا تحمل حدة الإقصاء وكارثيته، أو توسيع النظام الحاكم لكرسي عرشه وجلوس معارضين آخرين لاقتسام السلطة مؤقتاً حتى يتم التوافق على خارطة طريق واضحة المعالم تنهي الحالة الانتقالية وتدخل الطرف أو الأطراف الحائزة على ثقة الشعب لممارسة أعمالها الحكومية الإعتيادية.

الغريب أن الخيارين السابقين عرضتهما السلطة الحاكمة في صنعاء بل أوجدت بعض المحفزات كالقائمة النسبية ومنح مقعد رئاسة الحكومة للمعارضة، وضمان رحيل الرئيس وعدم التوريث أو التمديد لكن هذه المقبلات الشهية لأي حزب معارض أثبتت أن لا مكان لها في قاموس الطبخ الذي تنتجه المعارضة اليمنية رغم أن وحدتها كأحزاب منضوية في تكتل سياسي واحد أصبحت مهددة بالتفكك نتيجة اختلافها المؤسف على تحديد هوية رئيس الحكومة حزبياً، إضافة إلى تأثير قيادات عسكرية ودينية طاغية على مطامع السلطة القادمة، بما وضع تحدي الرئيس: صالح عن استحالة اتفاقهم على مصلحة الوطن عقب رحيله في مستوى الحقيقة التي أيدها الواقع كثيراً وأثبت أن وسطيته السياسية أرحم بكثير من مغالاة معارضيه المتطرفين سياسياً وإيديولوجيا.!!.

هي رسالة واحدة: إعلان حُـسن النية من قبل الأطراف المتصارعة سيضع أوزار الإعتصام ويُـخلي سبيل الأزمة ويدفع باليمن إلى حتمية التغيير الحقيقي الذي لا يجب أن يكون شاملاً وقاصماً وفورياً لتنازع المتصارعين بنصيب وافر من الجماهيرية الشعبية، وما يُـحكى عن حساب طرف شباب الثورة كقوة لا تعترف بما يتفق عليه السياسيين أصبح أمراً يثير السخرية ويؤكد في مضمونه أن التلكؤ في إنجاز الإتفاق الذي سيضح حداً لهموم الوطن الكبير والتصميم على عدم علاقة التجمع اليمني للإصلاح بالمعتصمين المرابطين في ساحاتهم سيجعل التبريرات الثورية ورقة الإحراق الأخيرة في سلسلة العنف المتشابك.

لا يهم الناس الآن معرفة أسماء الفاسدين وفي أي جهة يتخندقون. فقد تشابكت الأسماء واختلطت الأفعال والأقوال وانقسم الفاسدون بين متطهر وهارب من الذنب، وأنحسر اهتمام الملايين في توفير لقمة العيش الصعبة بعد تمدد أزمة التغيير وتهديد عيشهم بالفناء والضياع. فقد أثبتت أزمات الوقود المتكررة واحتكارية السلع المتصاعدة عن فساد لا يستثني أحداً، وبات من الطبيعي على أسباب الصراع الوصول إلى حل حقيقي يكفينا هجمات القبائل على معسكرات الجيش، واستمرار الاعتصام، وتقطيع أواصر الشبكات الكهربائية، وتقسيم "العاصمة" إلى خنادق ومتارس وتعزيزات واشتباكات وقلق وفوق كل ذلك نهر لا يجف من الدماء.

لقد صار زخم الحديث عن الفساد الحكومي هذراً من المعتاد وأثبتت وقائع الأرض أن قُـبح الأذية ولغة التخوين والسعي إلى تفكيك الوحدة وتحميل كل خطوات الصراع القذرة شماعة السلطة فسقاً أكثر خطورة من نهب المال العام واستغلال المنصب لأغراض ربحية. فما جاءنا من رياح الشهور الماضية أجلى كثيراً من الظن الآثم وأودع في غضبنا الجارح على نظام الدولة تسامحاً ما كان ليودع لو رأينا معاملة الحرص على الوطن وتغليب مصلحة أبناءه على مصالح الانقلاب الثوري الفج والسمو في الخطاب البديل وتحسين لغة الأمل وتوضيح مشاريع المستقبل، لكن ما حدث أوجد ممانعة جماهيرية عظمى ما توحدت قط في تفسيرها لخطوات جهة ما قدر ما هي الآن بكل السخط والألم ومطالب الوصول إلى حل آمن لا يلغي مكانة طرف لحساب طرف آخر.

أكثر ما افتقدته الأمة اليمنية الهدوء الشامل بعد شهور الضربات غير القاصمة، وحاجتها الملحة لهذا المطلب الرئيسي لاستقرار الأمم والشعوب يقع بيد رؤوس الأزمة. لكن نُـذر التصعيد المتواتر لا تريد لسفراء النوايا الحسنة الوصول إلى أعتاب المستقبل المأمول وإخراج الاحتقان من قوقعته الكريهة، فهناك من يتربص ويناور، وغيره يقاتل ويعاند.. وستذهب ريح الجميع.. وتسقط النوايا، ولن يبق سوى الإعلان فارغاً من إمضاء موكليه.

سام عبدالله الغباري

Samgh4u@yahoo.com