بعد نزيف الكوادر العلمية العراقية جراء الاغتيال والهجرة، مساعٍ لاجتثاث 700 تدريسي جامعي

بقلم: إسراء كاظم طعمة

تعرضت الكوادر العلمية العراقية منذ الأيام الأولى للغزو الأميركي للعراق في الـ2003 وحتى ألان، إلى حرب ضروس تنوعت فيها السياسات والأساليب بين التصفية الجسدية والاعتقالات والهجرة القسرية في مرحلة رواج قوائم الموت، وتوحدت الغاية والنتيجة وهي إخلاء العراق من طاقاته المتجددة التي كان من الممكن أن يكون لها النصيب الوفير في نهوض العراق وتنميته.. وأن كانت لهذه الحرب وجه العنف القبيح فيما بعد الـ2003 فهي ألان تأخذ وجه القانون الصريح مع قرب تطبيق إجراءات ما يسمى بـ"اجتثاث البعث" في الجامعات العراقية تحت ذرائع منها تخليص الجامعات من فكر البعث وأخرى تتعلق بخلق التوازنات الكبيرة!..

وصل قطار الاجتثاث إلى الجامعات

أنشئت هيئة اجتثاث البعث في العراق في الـ2003 وتعرض بسبب قرارات هذه الهيئة الآلاف من أعضاء حزب البعث المحظور لخسارة وظائفهم، ولم تنل حينها تلك الإجراءات من أساتذة الجامعات. وفي الـ2006 سعت الهيئة لإصدار قانون جديد يتيح لعودة بعض المجتثين لوظائفهم أو الحصول على راتب تقاعدي،.. وجاءت حينها تلك الخطوات في مسعى تحقيق وتطبيق مشروع المصالحة الوطنية الذي بوشر العمل به منذ الـ2006 حتى أن أسم الهيئة تحول في الـ2008 إلى هيئة المساءلة والعدالة.

والآن وبعد كل تلك السنوات ورغم رواج مشاريع قوانين تصب في فكرة العفو والتسامح واحد منها مشروع قانون العفو العام المحال لمجلس النواب، تعتزم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية تطبيق إجراءات قانون المساءلة والعدالة "اجتثاث البعث" هذه المرة في الجامعات العراقية، إذ تم أعداد ملف بحق 700 تدريسي جامعي لفصلهم من الوظيفة بتهمة الانتماء لحزب البعث وتلطخ أيديهم بدماء العراقيين حين ذاك رغم عدم التأكد من وجود أدلة على ذلك كما أشار مصدر حكومي. وتوضح الوزارة خيوط القصة كاشفة عن أن الملف الذي أعد بحق التدريسيين الذين أكملوا الدراسات العليا بعد الـ2003 وهم من انتقل من مؤسسات منحلة مثل هيئة التصنيع العسكري ووزارة الدفاع وبعضهم من قادة الجيش العراقي السابق مما يشير بالضرورة إلى أن أولئك التدريسيين هم في الأغلب من أصحاب الاختصاصات العلمية.

وتثار هنا تساؤلات لماذا وبعد كل تلك السنوات يعود العمل بهذا القانون وبحق أساتذة الجامعات في ظل السياق الحالي لأوضاع العراق. أليس العراق بحاجة إلى تمتين بناء المصالحة الوطنية الرخو؟ ما الخطر الذي يشكله أولئك التدريسيين على بلادهم؟ أليسوا كفاءات من الأولى استثمارها بدلاً من التخلي عنها وإقصائها؟ لماذا يعمد البعض ممن يدير شؤون الدولة في العراق على خلق جبهات خلاف جديدة بدلاً من جسر الهوة ورأب التصدعات الكثيرة في طريق نهوض العراق؟ إلا يكفي العراق خسارة لكوادره العلمية التي تعرضت ولا زالت تتعرض للاغتيال والتهجير هرباً تارة ورغبة في إيجاد فرصة أفضل تارة أخرى؟ إلا تؤدي مثل هكذا خطوة إلى تراكم الضغائن؟ هل من العدالة محو كوادر علمية رغم حاجة العراق إليها وهو في أدق المراحل حرجاً؟ أليس هذا الأجراء يتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان؟ وإلى متى يستمر تبديد الثروة الفكرية العراقية والتي هي جزء من الثروة الوطنية العراقية في الوقت الذي تكشفت فيه الحقائق عن حاجة العراق إلى الكوادر العلمية وفي مثال بسيط على ذلك استقدام وزارة الصحة العراقية لـ150 طبيب مخدر من خارج العراق بسبب الحاجة إليهم. ما الفائدة المرجوة من فصل 700 تدريسي في الوقت الذي يحتاج فيه العراق إلى كل أبنائه للنهوض؟

مساعٍ حكومية في اتجاهات عكسية

في الوقت الذي سعت فيه الحكومة العراقية من جانب ما إلى تشجيع عودة الكفاءات العراقية، عملت وتعمل جهات حكومية في الجانب الآخر إلى الأخذ بقرارات تأتي بطبيعة الحال بنتائج عكسية. فبعد سنوات من الاغتيالات والهجرة خارج العراق، تنبهت الحكومة العراقية إلى حجم خسارتها جراء نزيف العقول والكفاءات وجاء القرار 441 لسنة 2008 لمجلس الوزراء العراقي بخصوص الكفاءات العراقية، ليقدم تسهيل عودة ذوي الكفاءات وأصحاب الخبرات من الملاكات العلمية من الأساتذة والأطباء والمهندسين، والمشمولين هم من حملة الشهادات العليا (الماجستير والدكتوراه) وحملة شهادة الدبلوم العالي والأطباء والاختصاصين والمهندسين من حملة الشهادات العليا ممن هاجر إلى الخارج. وحين يجري ألان تطبيق إجراءات اجتثاث البعث في الجامعات العراقية إلا يتعارض هذا وبوضوح مع مساعي الحكومة العراقية في استرجاع الكفاءات العلمية العراقية من الخارج في الوقت الذي تعمل فيه مساعي حكومية أخرى على طرد بعض من هم في الداخل؟

أعذار... وذرائع

تحجج وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي في أن الغاية من تطبيق قانون اجتثاث البعث في الجامعات العراقية، الذي تحول إلى قانون المساءلة والعدالة، من دون أن تتغير مضامينه، بذريعتين الأولى بأن الجامعات مازالت تضم عددا كبيراً من الأساتذة المشمولين بالاجتثاث مما قد يؤثر على أفكار الأجيال الجديدة، داعياً إلى تبني مقاومة من طراز جديد أسماها مقاومة ثقافة الاسترخاء. وهنا نسأل هل يحق أن يعاقب المرء على قناعاته الشخصية لحد يصل لفصله من الوظيفة؟ لما يتم التعامل بهذا الخوف من حزب البعث رغم أنه بات حزباً منحلاً وكل التنظيمات التي تدعي انضمامها إليه تعمل على مبدأ استثمار شهرته سابقاً؟ وهل الثقافات هي فرض بنص قانوني أم هي محض واقع حال وتحصيل حاصل لمتغيرات طبيعية يعيشها المجتمع؟

أما الذريعة الثانية التي ذكرها الوزير فجاءت تحت مسمى خلق التوازنات الكبيرة داخل مؤسسات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ولم يجرِ توضيح معنى هذه المفردة بالتحديد فهل المقصود هنا بالتوازنات هو العمل بمبدأ المحاصصة الطائفية والسياسية في أهم مؤسسة للدولة العراقية مثل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مما يثير شبهات واتهامات تتعلق بتسييس الجامعات العراقية في الوقت الذي تعاني فيه تلك الجامعات من مشاكل جمة بحاجة حالياً إلى أعادة النظر ومنها ما يخص المناهج الدراسية وتحديداً العلمية منها والتي ما عادت تواكب مجريات العصر الحديث كما وان هنالك مشاكل أخرى تخص عملية تأهيل الجامعات وإتباع أساليب السيطرة النوعية لمخرجات التعليم وما إلى ذلك من مشاكل تواجه التعليم العالي والبحث العلمي.

عقاب بأثر رجعي وبقانون مجمد

تجاهلت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية أن إعلانها لقرب تطبيق قانون المساءلة والعدالة في الجامعات العراقية يتعارض من حكم القانون ذاته، وذلك لأن هذا القانون وبعض قراراته قد جمدت وفقاً لما نص عليه اتفاق أربيل في أيلول 2010 حين توافقت الكتل السياسية لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة آثر انتخابات آذار/مارس 2010... حيث تضمن اتفاق أربيل من ضمن ما تضمنه، تجميد قرارات هيئة المساءلة والعدالة ما عدا تمشية الأمور الروتينية، وتشكيل هيئة المساءلة والعدالة وفقا للقانون، وإعادة النظر بقانون المساءلة والعدالة من خلال إجراء التعديلات ويتم الاتفاق عليها لغرض عدم استخدام القانون بمعايير مزدوجة أو لإغراض سياسية ويتم التعامل مع الملف وفق القانون... وقد أصدر مجلس النواب المشكل آثر انتخابات 2010 حتى ألان 42 قانوناً لم يمس أي منها ما يخص قانون المساءلة والعدالة ولم يتم تناول مشروع يعنى بتشكيل هيئة المساءلة والعدالة وفقا للقانون كما جرى الاتفاق بين الكتل السياسية في اتفاقية أربيل... وبعد ذلك إلا يعتبر تطبيق هذا القانون حالياً في الجامعات العراقية هو عقاب بأثر رجعي وبقانون مجمد فاقد الصلاحيات؟

إسراء كاظم طعمة

باحثة في الشأن العراقي وإعلامية عراقية

http://bysarahaonline.blogspot.com