ترتيب 'شنغهاي' للجامعات المائة الأوائل في العالم: أين جامعاتنا العربية؟

بقلم: د.توفيق قريرة

نشرت جل الصحف العالمية تقرير شنغهاي السنوي (2010ـ 2011) وهو تقرير يعده باحثو جامعة شياو تونغ وفيه ترتيب للجامعات المائة الأوائل في العالم التي تميزت بإشعاعها العلمي. ويتنافس علي المراتب المائة 500 جامعة في العالم تميزت بتقاليدها العريقة في البحث العلمي.

ويقاس الإشعاع بعدد الجوائز العالمية التي تحصلت عليها (نوبل في الفيزياء والكيمياء والاقتصاد وميدالية فيلدز في الرياضيات) وبنوعية باحثيها وما أصدروه من مقالات عالمية محكَّمَة وتواتر الاستشهاد بهم في البحوث العلمية العالمية..

ولقد احتلت الجامعات الأميركية أغلب المراتب المائة فالمراتب الأربعة الأولى كانت من نصيب جامعات أميركية؛ حيث كانت جامعة هارفارد في طليعة الترتيب. ويهمنا أن نقدم للقارئ بعض المعطيات عن هذه الجامعة حتى يعلم بعض أسرار الفوز وحتى يقارن إن أراد بين جامعاتنا العربية وغيرها من الجامعات.

جامعة هارفارد هي جامعة خاصة تحتفل هذا العام بعيد ميلادها الـ 375 (تأسست عام 1636) وهي مؤسسة التعليم العالي الأقدم في الولايات المتحدة. مداخيل الجامعة 3,8 مليار دولار؛ يؤمها ما يقرب من الـ25 ألف طالب من 132 جنسية حسب إحصائية قديمة (2004)؛ تكلفة كل طالب تقريبا 51 ألف دولار سنويا.

بهذه الجامعة شبكة من المكتبات عددها 90 مكتبة وبها أكثر من 15 مليون كتاب وهي رابعة أضخم مكتبة في العالم؛ وتضم المكتبات أندر المخطوطات وأنفس الوثائق والأرشيف بلغات كثيرة؛ فهي على سبيل المثال تضم ما يقرب من 660 ألفا من الوثائق المكتوبة بالصينية و269 ألفا كتبت باليابانية. وفي الجامعة متاحف قديمة للفنون منها ما يعود أول عرض فيه إلى سنة 1895. تشغل الجامعة 14 ألف موظف منهم ألفان من الأساتذة. شغل منصب رئاسة الجامعة 29 رئيسا أبرزهم لورانس سامرز الذي شغل في حكومة كلينتون منصب سكرتير الخزينة الأميركية وهو يشغل في حكومة أوباما منصب رئيس المجلس الاقتصادي القومي. ورئيستها منذ 2007 هي درو جلبين فوست وهي بحسب بعض الدوريات المرأة الـ 47 الأقوى في العالم. تخرج من هذه الجامعة 8 رؤساء للولايات المتحدة منهم روزفلت وكندي وبوش الإبن والرئيس الحالي أوباما. حصل المنتمون إليها على 45 جائزة نوبل.

وبالإضافة إلى الجامعات الأميركية التي حصدت أغلب الرتب المائة نجد أقدم جامعتين بريطانيّين ففي المرتبة الخامسة نجد جامعة كامبريدج (ثاني أقدم جامعة في بريطانيا: 1209) وفي المرتبة العاشرة جامعة أكسفورد (أقدم جامعة في بريطانيا حوالي 1116).

أما جامعة طوكيو اليابانية فاحتلت الرتبة العشرين وكانت الرتبة 39 أفضل رتبة تحصلت عليها جامعة فرنسية وافتكت خمس جامعات ألمانية خمسا من المراتب المائة في حين اختطفت إسرائيل مرتبة من المراتب المائة فحصلت الجامعة العبرية بالقدس على الرتبة 72.

ليس من الغريب أن لا نجد جامعة عربية واحدة في الرتب المائة الأولى وسوف ينتظر العالم كثيرا حتى نظهر جامعة عربية في هذه الرتب المتقدمة.

ما يزال التعليم عموما والعالي منه خصوصا يُنظر إليه على أنه يثقل كواهل الحكومات العربية التي تحتفي بما تبيع ولا تستنكف مما تنفق؛ وتهش للثروة الآنية من نفط وغاز وصناعات ثقيلة ولكنها تكشر في وجه الثروات الأصلية ثروة العقول الأفكار.. هذه الثروات ما تزال تعامل على أنها عدوّ للاستقرار السياسي في الوطن العربي: فماذا يجني السياسي الذي يريد أن يدوم له الحال مع عقل يتعلم الجدل وينفتح على معرفة الحقوق ويزينها للناس غير وجع الدماغ وزعزعة شرعية الوجود؟ وهل يقتنع من يكره العلم والعلماء بأنّ الثروة العقلية هي أصل بقية الثروات؟

لقد عانى التعليم العالي في بلادنا العربية مّما عانت منه بقية قطاعات الحياة الأخرى فهو قد عانى من الحرمان من الموارد المالية المشجعة على بعث المشاريع العلمية الكبرى وعانى من التفقير الذهني إذ يحتاج الباحث اليوم أضعاف معاشة حتى يتابع آخر المستجدات في الاختصاصات المختلفة في العالم المتقدم سواء أكان ذلك من خلال اقتناء ما ينشر أو المشاركة في المؤتمرات العلمية الجادة. يضاف إلى ذلك أنّ الجامعات قد عرفت في البلاد العربية أكبر سياسة تدجين لم يعرف لها مثيل وذلك بأن وجهت شيئا فشيئا جهود الجامعات إلى التدريس وجعلت البحث العلمي شيئا ثانويا؛ ولولا أنّ المدرسين مطالبون بالبحث العلمي للارتقاء المهني لطلق كثير منهم البحث العلمي ثلاثا.

لم يعد البحث العلمي مطلبا لذاته إلا لدى فئة قليلة تعلقت همّتها بالعلم وبتطويره وبذلت فيه الغالي من الوقت والكثير من الجهد.. لكنّ ذلك لا يكفي وحده في ظل غياب سياسة وطنية للبحث العلمي تشرف عليها هيئة من الخبراء في المجالات العلمية المختلفة وتكون مهمتها تحديد أجندات بحثية على مدى قريب ومتوسط وطويل وتربط بين الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وما يستوجبه البحث العلمي من حلول وتضبط موقعنا العلمي بالنسبة إلى العالم المتقدم وتدرس إمكانية التعامل أخذا وعطاء. ولسوء الحظ فإنّ هذا الدور يقوم به في عالمنا العربي أفراد يجبرون على خوض غمار المغامرة وطرق أبواب العالم المتقدم والإقناع بالتعاون العلمي الذي غالبا ما يكون مثمرا وتسارع الدولة إلى غي الغالب إلى أن تتبنى ثمارا لجهود لم تبذرها وتراها تفاخر بما أنجز وهو ثمرة أفراد مغامرين.

لم تطبّق أية دولة من الدول العربية سياسة في التعليم العالي تطبّق في العالم الذي تحصد جامعاته الجوائز والمراتب الأولى في العلم: هذه السياسة تتمثل في ترتيب الطلبة بحسب الأجدر فالأجدر من دخول الجامعات إلى التخرج والتشغيل. ومن أهم نتائج الأجدرية أن تصنف الدولة المؤسسات الجامعية تصنيفا تفاضليا.. فالجامعات العامة يمكن أن تتلقى المتوسطين من الناجحين ولكن الطلبة المتميزين يوجهون إلى الجامعات المُثلى. وفي هذه الجامعات تصنع الصفوة وينتج الباحثون الممتازون ولا تقبل هذه الجامعات طلبتها إلا بعد اختبارات تستهدف القدرات الذهنية والمعارف المكتسبة.. بهذه الطريقة تعمل الجامعات الأميركية والبريطانية التي سابقت غيرها فسبقتها.

والأجدرية تطبق على حَمَلة الشهادات عند مطالبتهم بالعمل وما ما من تنافسية أشدّ وضوحا من هذه الأجدرية. غير أنّ أغلب الدول العربية تتهرب أنظمتها من الأجدرية وتخلق مقاييس ضبابية ليتسنى لها فرض سلطتها واستبدادها. لذلك لا يمكن للأجدرية أن تكون إلا في الأنظمة الديمقراطية ولا تقبلها إلا العقول المسلمة بوجود تفاضل ذهني وفكري هو أساس التفاضل. بيد أنّ هذا التسليم يظل ّمحل جدل بين المثقفين والجامعيين أنفسهم فمنهم من انخرط فكره في التسلط والدكتاتورية ورفض التنافسية النزيهة لأنها وببساطة طريق لم يسلكها رغم أنه وصل إلى حيث وصل المتنافسون بنزاهة ويصل في بعض الأحيان قبلهم.

إنّ المقاييس المعتمدة في تصنيف الجامعات تقتضي من جامعاتنا أن تجوّد إنتاج المعرفة لا أن تعيد معرفة مستهلكة وينبغي أن تفتح أفق التنافس على أبواب كبرى لا أن توقفه على لجان علمية تسميها في الغالب سلطة غير علمية لأسباب غير علمية. إنّه لا حل لبحثنا العلمي من أن ينخرط في سياق التنافس العالمي ولذلك فإنّ أولى الخطوات هي التشجيع على الأخذ بناصية اللغات العالمية التي تكتب بها العلوم اليوم وهي الانجليزية والألمانية ولم لا لغات الآسيويين من الصينيّين واليابانيين؛ وتدريب الطلبة على الكتابة بها أو ترجمة ما يكتب بالعربية إليها. إنّ تعلّم لغات العالم لا يمكن إلا أن يقوي لغتنا لأننا سنكون محاورا جيدا للآخر في أحوال علمنا وحضارتنا وثقافتنا.

ومن جهة أخرى فإنّ عقلية الباحثين العرب عليها أن تتخلص من كثير من العقالات التي تحول دون تطور البحث العلمي وقد تجمع كلمة المركزية كثيرا من هذه العقالات فالباحث العربي يسعى إلى أن يكون مبحثه هو المركز وشخصه هو المركز والبقية محيط بالنسبة إليه. وفي ظل تفكير كهذا ينفصل البحث العلمي إلى جزر لا روابط بينها وأن يستحيل الباحثون إلى ما يشبه الأقطاب بالمعنى الصوفي العبارة تجذب إليها مريديها ولا يُعلم عن مصادرها الملهمة إلا الراسخون في الحدس.

د. توفيق قريرة