القاهرة تترجم 'النظام القديم والثورة الفرنسية'

كتب ـ محمد الحمامصي
يستحيل التنبؤ بالثورات

صدر هذا الكتاب "النظام القديم والثورة الفرنسية" للكاتب الفرنسي أليكسي توكفيل، والتي أنجزها المترجم المعروف خليل كلفت، عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، قبيل الثورة الشعبية السياسية في مصر منذ 25 يناير 2011. ولهذا تخلو المقدمة التي وضعها كلفت للكتاب من أي إشارة إلى الثورة التي جعلت الكتاب مع ذلك كتابا يأتي في وقته، حيث تثور في سياق ثورتنا أسئلة ملحة عن الثورة ومفهومها وسياقاتها والنتائج الكبرى للثورات بوجه عام.

ووضع توكڤيل كتابه هذا بعد ثورة 1789 الفرنسية الكبرى، بقرابة ستين سنة كذلك. ولم يكن من الممكن أن يتنبأ أحد بهذه الثورة أو تلك، حيث يستحيل التنبؤ بالثورات بوجه عام مهما قال قائل أو آخر إن حالة اجتماعية سياسية ما تتجه بأمة أو دولة إلى ثورة لا يعرف موعدها أحد.

وحسب مترجم الكتاب خليل كلفت "كما كان على توكڤيل أن يدرس ويحلل ثورة بلاده بعد ستين سنة، علينا أن ندرس ونحلل ثورتنا الآن، والفرق هو أنه كان يقوم بتشريح جثة مهما قال إن تلك الثورة كانت ما تزال مستمرة على حين أن علينا أن نقوم هنا والآن بدراسة ثورتنا في خضم تطوراتها لكي نسير بها إلى الأمام في مواجهة أخطار كبرى تتهددها، وربما كان الخطر الأكبر يتمثل في سياقها التاريخي ذاته وفي طبيعتها وفي نتائج الثورات في العالم الثالث بوجه عام".

ويرى كلفت أن كتاب توكڤيل يقدِّم لنا عونا كبيرا في هذا المجال رغم أن السياق التاريخي لثورته يختلف جذريا عن السياق التاريخي لثورتنا.

ويحدد توكڤيل منذ الجملة الأولى في مقدمته لكتابه طبيعة هذا الكتاب قائلا: "الكتاب الذي أقدمه الآن ليس أبدًا تاريخا للثورة الفرنسية، فذلك التاريخ مكتوب بصورة أروع من أنْ أفكر في إعادة كتابته؛ إنه بالأحرى دراسة عن هذه الثورة".

والحقيقة أن الكتاب دراسة للنظام القديم وليس دراسة للثورة، ويتألف الكتاب من ثلاثة أقسام: يتناول القسم الأول طبيعة الثورة، ويدرس القسم الثاني بفصوله الاثنى عشر الوقائع "المادية" لهذا "النظام القديم"، على حين يبحث القسم الثالث مسألة لماذا حدثت الثورة في فرنسا دون غيرها من بلدان أوروبا الغربية.

ويطرح توكڤيل أسئلة ملحَّة متكررة متواصلة تناولها في القسم الأول من الكتاب بفصوله القصيرة الخمسة، وهذه الأسئلة هي: "ماذا كان الموضوع الحقيقي للثورة؟ وما هي طبيعتها الخاصة في نهاية المطاف؟ ولماذا على وجه التحديد تم القيام بها؟ وماذا حققتْ؟". وهو يفنِّد الأحكام المتناقضة عن الثورة مُبَيِّنًا أن موضوعها لم يكن تدمير السلطة الدينية المسيحية ولا إضعاف السلطة السياسية وأنها كانت ثورة سياسية وإنما اتخذتْ مظهر الثورات الدينية بحكم طابعها الفكري العالمي وتبشيرها بمبادئ تنسجم مع روح العصر، أما ما حققتْه الثورة الفرنسية بالفعل فقد تمثل في كونها تكملة لعمل طويل سابق عليها وبدونها كان يمكن أنْ يتحقق هذا العمل ذاته بصورة تراكمية تدريجية طويلة لاحقة لما كان النظام القديم قد أنجزه بالفعل.

ويدرس القسم الثاني من الأقسام الثلاثة لهذا الكتاب، وهو القسم الأكبر بفصوله الاثنى عشر وهو بالذات المخصَّص لدراسة الوقائع "المادية" لهذا "النظام القديم"، وسيجد القارئ في تلك الفصول شرحا معمَّقا لطبيعة "النظام القديم" الذي تمثلتْ الرسالة التاريخية للثورة في تحريره من القيود والأغلال المَلَكِيَّة والإقطاعية والقروسطية لكي يندفع كمجتمع رأسمالي، بلا نعوت أخرى، كما يُقال، إلى الأمام. ويركز توكڤيل في هذا الجزء على المجتمع الفرنسي الأقدم في سبيل استكشاف الاختلاف بين الأحداث في فرنسا والتطور العام لأوروبا، ويبحث أصول الثورة الفرنسية خاصة في أوربا.

والنظام القديم، عند توكڤيل، لا يعنى حالة اجتماعية بل أزمة حالة اجتماعية، ليس المجتمع الإقطاعي أو الأريستقراطي القديم بل فترة متأخرة لهذا المجتمع عندما صار ممزَّقا بالمبادئ المتناقضة، وانفصال النظام المدني عن النظام السياسي، واللامساواة المدنية (بقايا الإقطاع أو ما أعادت الأريستقراطية اختراعه)، والمساواة السياسية (تَساوِى الجميع في الخضوع للملك). وعلى هذا الأساس كانت فرنسا هي التي اندلعتْ فيها الثورة لأنها كانت قد بدأتْ فيها بالفعل، مختفية وراء اسم "النظام القديم"، أي أن "النظام القديم" كان يمثل الثورة الأولى قبل الثورة، ويطبق توكڤيل تسمية "النظام القديم" على فترة الحكم المطلق أي المركزة الإدارية، ويعنى هذا أن الصيغة الثورية كان لها واقع تاريخي على مدى فترة قصيرة نسبيا فقط، تمتدّ من عهد لويس الثالث عشر (ملك فرنسا: 1610-1643) إلى عهد لويس السادس عشر (ملك فرنسا: 1774-1791)، أي على مدى أكثر من قرن.

وكما يقول كلفت فإن الثورة الاجتماعية إذن هي العمليات التراكمية الطويلة التي يتحقق من خلالها الانتقال من نظام اجتماعي إلى نظام اجتماعي آخر وقد تحتاج في فترة من فترات تطوُّرها إلى ثورة سياسية عنيفة بطبعها في مواجهة المقاومة الداخلية (الحروب الأهلية) والخارجية (الحروب الدفاعية والهجومية)، ويجب أنْ يكون واضحا أن الحديث عن عنف الثورات لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أن ثورات التطورات التدريجية لا تجهل العنف فهي بدورها وربما بصورة أكبر ثورات دامية من خلال أشكال وأنواع من الحروب الداخلية والخارجية قد تجلبها تطورات بنيوية وظرفية، داخلية وخارجية، عسكرية واقتصادية، قانونية وپوليسية، ويكفى التوقف قليلا عند بعض التراكمات البدائية لنرى مدى وحشيتها داخل وخارج الحدود بل إن الحرب تكاد تكون شكلا نموذجيا كشرط من الشروط الموضوعية للانتقال مثلا من العبودية إلى الإقطاع وهل يمكن فصل الغزوات الشمالية البربرية للإمپراطورية الرومانية كشرط حاسم من الشروط الموضوعية لانتقال أوروپا من العبودية إلى الإقطاع جنبا إلى جنب مع عناصر للمجتمع الإقطاعي الجديد كانت قد نمتْ في قلب المجتمع العبودىّ وخلال عمليات تفسُّخه؟ وهل كانت الفتوحات المتواصلة في شرقنا بعيدة عن الانتقال من النظم القديمة إلى الإقطاع (مثلا في مصر)؟ وناهيك بالتراكم البدائي للرأسمالية في إنجلترا أو روسيا السوڤييتية! والعنف ضروري بنفس القدر للنظام الاجتماعي الراسخ المستقرّ: أليست حوليات تاريخ العالم مكتوبة بالدم والحديد والنار وفقا لقول شهير؟!

ويتساءل توكڤيل في القسم الثالث من كتابه: لماذا إذن سارت فرنسا في طريق الثورة العنيفة؟ ولماذا حدثت الثورة في فرنسا دون غيرها من بلدان أوروبا الغربية التي كانت تشترك معها في نفس مسيرة الحضارة الرأسمالية الحديثة، من جهة، والتي كانت شعوب بلدان منها (ألمانيا بالذات) تعانى معوقات الامتيازات والحقوق الإقطاعية والمَلَكِيَّة وبقايا القرون الوسطى بصورة أشدّ وطأة بما لا يُقاس؟

ولعلّ من الجلي أن التقاطع بين مجموعة من الشروط الموضوعية والذاتية هو الذي رشَّحَ فرنسا لذلك الحدث الكبير، لاندلاع ثورة 1789 منها: ضعف الإقطاع، ضعف القنانة، إفقار وتدهوُر النبلاء، تطوُّر المِلْكِيَّة العقارية الفلاحية، نموّ الصناعة والزراعة والعلاقات السلعية النقدية، تبلوُر طبقة برچوازية من رجال المال والأعمال، تبلوُر طبقة عمالية واسعة، الثورة الفكرية والأدبية وبروز الفلاسفة والمفكرين والأدباء كقيادة سياسية للشعب، ازدياد الشعور بوطأة الامتيازات والحقوق الإقطاعية والنفور الشديد منها ومن الإقطاع الديني بحكم هذه التطورات التقدمية ذاتها، التهاب كراهية اللامساواة والرغبة في الحرية، الاندفاع الثوري الناتج عن كل هذا.

وهناك مسألة دقيقة يطرحها توكڤيل ويعيد طرحها المرة تلو المرة: المفارقة المتمثلة في التناقض بين ما أراد الفرنسيون أنْ يحققوه عندما قاموا بثورة 1789 وما حققوه بالفعل، بين الهدف المنشود والمحصلة.

ومن الجلي أن طرح المسألة بهذه الطريقة يكشف عن تناقض عميق للغاية ومنطقي للغاية بين الحلم الذي يُلْهِب الشعوب إبان الثورات وفى فترات الإعداد لها وفى فترات أولى تالية لانتصارها، من ناحية، والإدراك الواعي للمحتوى الحقيقي لهذه الثورات، من الناحية الأخرى. وكانت ثورة 1789، كما رأينا، رأسمالية من حيث محتواها، وبالتالي رأسمالية من حيث قيادتها وأهدافها ورسالتها التاريخية وأداة كبرى لتحقيق النظام الاجتماعي الاقتصادي الرأسمالي، والمجتمع الرأسمالي، والاستغلال الرأسمالي، والاستبداد الرأسمالي، فلا عجب إذن في أنْ يعانى الفرنسيون في نهاية المطاف استغلاله وقهره بعيدا عن الحرية والمساواة والإخاء التي كانت شعارات تعبئة البشر الذين كانوا وقود الثورة، ولا عجب إذن في أنْ يصطدم الحلم القائم على الأوهام بالواقع العيني الوحشي الذي يتحقق بتراكم "طبيعي" في غاية "البراءة"! ولا يعنى هذا أبدا التقليل مما حققتْه الثورة بالفعل، فقد كانت من الأدوات التاريخية الكبرى لرفع الشعب الفرنسي إلى مستوى الحضارة الرأسمالية، فهذه الحضارة مرحلة كبرى للصيرورة التاريخية المتصاعدة إلى الأمام مهما بلغتْ وحشيتها ضدّ "مواطنينها" وضد "الآخرين" جميعا، فهي لا تملك بحكم طبيعتها إلا أنْ تكون وحشية، وهل يملك البشر طريقا آخر إلى تحقيق إنسانيتهم الكاملة سوى طريق الآلام والوحشية؟

وتوكڤيل، الذي يرثى بكل هذا الحنين زمن الثورة وأحلام وسخاء وتضحيات مَنْ قاموا بها، لا تساوره هو نفسه أي أوهام فهو يعلم جيدا (بل هو المكتشف لواقع) أن الفرنسيِّين إنما قاموا بتشييد صرح مجتمعهم الجديد باستخدام أنقاض "الثورة الأولى" أي "النظام القديم"، وإذا كانت ثورة 1789 ما تزال مستمرة في زمنه، كما يقول، فإن تلك "الثورة الأولى" (أي "النظام القديم") هي التي كانت مستمرة إذن.

يشار إلى أن خليل كلفت خليل كلفت مثقف وناشط يساري وناقد أدبي وكاتب قصة قصيرة وكاتب ومؤلف ومفكر سياسي واقتصادي ولغوي ومعجمي ومترجم مصري، ولد في النوبة بأسوان في مصر في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1942.

تجمع ترجماته بين النصوص الإبداعية والإعمال الفكرية إذ سبق وترجم أعمال الكاتب البرازيلي الأول ما شادوده اسيس في رائعتيه "دون كازمورو"، و"السرايا الخضراء"، أو قصصه القصيرة ، كما ترجم نصوصا للكاتب الأرجنتيني بورخيس. وبالإضافة إلى اشتغاله بالترجمة لخليل كلفت دراسات أخرى عن أسلوب الإنتاج الآسيوي، والبورجوازية البيروقراطية، والقومية العربية. وفي عام 1982 صدر له كتاب "الكارثة الفلسطينية"، منتقدا بعض الأفكار السياسية التي رآها آنذاك مدمرة للقوة الباقية للمقاومة.