في مدنيّة الدولة... علمانية الدولة

بقلم: رشيد قويدر

"الدولة المدنية"... أحد أبرز شعارات ثورة 25 يناير في مصر.

يتفاوت هنا تناول مبادئها الأساسية للدولة والحقوق الأساسية للمواطنين، والتي ينبغي أن يتناولها الدستور الجديد، باعتبار الدولة تقوم على مبدأ المواطنة وتحقيق المساواة بين المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، وعدم التفرقة بينهم بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو العقيدة أو المذهب أو الانتماء السياسي، والأهم فصل السياسة عن الدين، أي وجود نص صريح على "مدنيّة الدولة"، لاحقاً وفي مصر تضاف المادة الثانية من دستور 1971 والتي تقول: "الإسلام دين الدولة... ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، بما تنطوي على تمييز ضد غير المسلمين، فضلاً عن كونها ثغرة تمتد منها رؤوس الفتنة، وفي سياق تناقضها مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومع المواثيق الدولية والحريات العامة التي تشكل حقوقاً طبيعية للإنسان تعيش معه وبه.

بدلاً من أن يعكس الدستور الروافد المتنوعة للهوية الوطنية، تعزيزاً للوحدة الوطنية وعدم فرض تشريعات تتناقض مع معتقدات فئات اجتماعية، وتنسجم مع ضمانات حقوق الإنسان والحريات العامة، وبما يتعارض مع "دولة مدنية ديمقراطية حديثة".

في العراق تنمو الظاهرة "المدنية" وبغياب المقايسة الواحدة لهذا المفهوم، فهي بمثابة حالة من التوصيف الثقافي، بعيداً عن الجدوى التفاعلية، وتغدو ربطاً مموهاً لأزمة الهوية وأزمة النخب عبر المحاصصة، بما فيها لعنة الاصطراعات الطائفية والمذهبية نحو المحاصصة، فهي بعيدة عن استقراءات الحقوق والحريات والهويات في التمدن ومفاهيم الدولة المدنية والسلطة الديمقراطية والمواطنة، وهذا ليس في العراق وحده... بقدر ما يعبر عن أزمات غرائبية مثيرة للجدل في الحالة البنيوية العربية عموماً. حين لا يوجد مقياس يقوم على أسئلة الحداثة والدولة الحديثة، فالحداثة العربية في جزيرة العرب تتلخص في بضعة ناطحات سحاب على الصعيد العمراني، مع أشكال مولِّدة للسلفية السياسية والثقافية، تفضي إلى الكثير من المواقف والاصطفافات والتقاطعات السياسية للهيمنة الأميركية والدولية الغربية، التي تكشف عن عمق الأزمة، وعن هشاشة النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي، بما فيه الاقتصادي الريعي النفطي.

كما تبرز ملاحظات كثيرة، حيث يجري وضع "التغيير العربي" بمجمله في سلة واحدة، فضلاً عن تدقيق مفهوم "الدولة المدنية الديمقراطية"؛ وعبر مراجعة واستقراء معنية بالكشف عن المعنى القياسي، ربطاً بالدروس والعبر التاريخية، للخروج من إعادة إنتاج وتكرار الماضي، الذي ابتدأ منذ نهاية القرن الأول الهجري، كما استباقاً للسقوط المضاد نحو إيجاد فضاء أكثر إنسانية وعدالة وأخلاقية، في قوانين دستورية للخلاص من المحمول التاريخي، حين لا يوجد في القاموس السياسي "دولة مدنية" و"متسامحة"...، بما تعني كلمة "متسامحة" من كرم طرف على آخر...

فالمطلوب أن تجري "القوننة" في سياق "سلطة زمنية" محددة لضرورات المعالجة، وفي مراجعة عامة أقرب إلى الاستبيان، يفسر البعض بأن "مدنية هي غير عسكرية"، وآخر "مدنية ضد التريّف"، وبعد التنصيص بأن "مرجعية الدستور هو الإسلام"، يتقدم معها خطاب معزز "للإنشائية والاستسهال" بعيداً عن الربط القانوني؛ وذلك بكلمة "متسامحة"، هي مرفوضة كنتاج لفقه اللامعقول، في مناحي "فقه الاستبداد والصنمية"، بما تعني من إعادة إنتاج معضلات هذا التاريخ، البعيدة عن دروس وقوننة الحداثة...

هنا نسأل عن معايير "الدولة المدنية"؛ ونستشف الإجابة بـ "دولة المواطنة"، والمقصود بها "آلية ديمقراطية تحكم العلاقة بين الأفراد أنفسهم بالاستناد إلى القانون"، فالمعنى يرتبط بالسياق الذي يستخدم به مفهوم المواطنة، وتتعدد الأطروحات والتفسيرات وأبرزها: "ألا تتعرض شخصيتهم أو وطنيتهم للشك أبداً بنتيجة معتقدهم أو أصلهم أو دينهم وثقافتهم"، بينما المطلوب من "المواطنة" أن تتدخل "في صياغة القرار بمجمله عبر المؤسسات الديمقراطية، وفي تدبير وتسيير عموم الشأن"، كما تختلط كلمة مواطنة بـ "الجنسية" و"الرعايا"، ويطول النقاش هنا بين الاقطاع وبقايا الإقطاع العربي وما بعد القوانين الإنسانية للثورة الفرنسية 1789، ومن الممكن تفادي التفسيرات والألغام وإعادة إنتاج المعضلات التاريخية بثلاث كلمات هي: "ديمقراطية، دستورية، علمانية"...

فالعلمانية محددة واضحة، طاردة للإنشائية؛ وهي نتاج تطور تاريخي نشأ في الغرب في مواجهة "الحق الإلهي للحاكم على الأرض"، وتعبر عن فصل واضح بين السياسة والدين، في مواجهة الدول الدينية الثيوقراطية، بعد أن أوجبت بعض الأفكار إضفاء القداسة السماوية على السلطة الدنيوية بوصفها واجباً، على الرغم من قول السيد المسيح: "أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فالسلطة التي تستغل الدين ـ أي دين ـ؛ تحيط ذاتها بهالة من المقدس وكسلطات ثيوقراطية، ففي الغرب قامت سلطة الكهنوت باستغلال رسالة "بولس الرسول" إلى أهل روما: "لتخضع كل نفس للسلطات العليا، فما السلطان إلا لله، وسلطات الأرض إنما هي من أمره، فَمَنْ يَعْصِ السلطات الشرعية فهو يعصي الرب ومَنْ يعصيه حلّت عليه اللعنة"... الخ.

ونلاحظ هنا كيف أن ذات طبقة وسلطة الكهنوت وفي أي دين، خاصةً راهناً عربياً كيف استمدت مبدأ "التكفير" و"الطاعة العمياء" لأولي الأمر، نحو "الحق الإلهي بالحكم"...

لقد جاء ظهور الدولة المدنية نتيجة للخروج على الدولة الثيوقراطية، والتخلص من طبقة الكهنوت الذين استمدوا امتيازاتهم وصلاحياتهم السياسية من الكنيسة، فَصلتْ الدولة المدنية بين "الدين والسياسة"، برفض تدخل الكنيسة بالسياسة وهيمنتها. علمانية تفصل الدين عن الدولة، فالحكم لجميع فئات الشعب دونما تمييز، ليحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه، ليختار من يحكمه حين هو يكون مصدر السلطات في الحكم (الإدارة والتنفيذ)، والتشريع، والقضاء...

إن الدولة المدنية هي الضامنة لعدم تحويل السياسة إلى صراع حول العقائد ـ عربياً المذاهب والطوائف والإثنيات ـ، بل تبقيها صراعاً سلمياً ديمقراطياً، قوامه رؤى وأفكار وبرامج ومؤسسات تصطفي الأفضل للمجتمع.

على مذبح الدولة الثيوقراطية وهولها سالت أنهار من الدماء الأوروبية على امتداد قرون، بيد أن النخب الثقافية الأوروبية قد استبقت في رؤيتها وأفكارها هذا الواقع بقرون أيضاً، بدءاً من دانتي و"الكوميديا الإلهية" وصولاً إلى أفكار مارثن لوثر (1483 ـ 1546)، ويوحنا كالفن (1509 ـ 1564)، بهدف التحرر من الاستبداد باسم "المقدس والحكم الإلهي"...

الثيوقراطية الإسلاموية هي لا تاريخية، طالما أنها تفتقد للزمن؛ والأزمنة التي تتداول على الناس، فالزمن متوقف بعد أن استنفذت مدى غاياتها في التاريخ، ووصلت نهاياتها في الانحطاط والنقصان ـ راجع رسائل "إخوان الصفا، ومقدمة ابن خلدون" ـ فالفتنة تنام وتستيقظ بحسب "ولاة الحكم الإلهي"، في تكرار إعادات إنتاج معضلات الماضي، بالشاردة والواردة في أمر المذاهب والفرق الدينية، فهي "تُفتي بالقتل والتدمير" في فقه التمترس الخطير، ترى به المجتمع خارج الزمن الكوني، حين لا يمكن معرفة أزماته إلا بالصيرورة التاريخية، فالسقوط والتمزق هي ثمرة سامة تشكلت عبر قرون، ولا بد من الغوص في بطن التاريخ لملاحقة "الإسقاطات" وارتباطاتها، باستهداف إنجازات العقلانية في تقرير المصير، وفي هذا فجوة معرفية تُستبعد المعاصرة تماماً، وينتج "فقدان توازن" أمام إعصار الحداثة الذي دخل منزلها وأدخل معه الفوضى، وأسقط طمأنينتها...

وحين تكون التشوهات التاريخية مصادر ومراجع، في استقراءات هذه الثيوقراطية "الإلهية" لموضوع التمدن، ومعه طقم من المفاهيم والمقولات في الدولة والسلطة والديمقراطية والمواطنة، يجري استدعاء عمق المعضلات وعموم "التشوهات" ضد "الآخر"، بالموقف من الحقوق والحريات والهويات وأنماط العيش، فأزمة الثيوقراطية مثيرة للجدل، فهي أزمات محمولة تُضمر أحياناً، لكنها اليوم واضحة بالصوت والصورة، فهي أزمة السياسة وأزمة الثقافة، تجلس فوق ركام الأزمات البنيوية وأخطارها، بوصفها أزمة عقلية وبعمقها ثقافية، تستغل الدين والمذهب والطائفة في ميدان السياسة، وفي تقاطعات الموروث، وإدخاله في تقاطعات خطوط الحدث الكولونيالي والهيمنة الدولية وتشابكات مصالحها، وتقديمها كثقافات مغالية وباسم "الفقه"، وتجد لها خطوط دولية وإقليمية على خطوط أنابيب النفط، كما كانت على طرق الحرير؛ وخطوط تقاطعات بناء الإمبراطوريات تاريخياً، وبالذات في شرق المتوسط، منذ الإسكندر المكدوني، والإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية المغولية، وحملات الفرنجة، وصولاً إلى "إمبراطورية جورج بوش الابن والمحافظون الجدد"، وإقحامها هذه التطرفات مؤخراً في سؤال الهوية، كما أزمات مثيرة للجدل، في بنية العقل العربي، يمكن الوقوف عليها في تعداد المحطات الفضائية التكفيرية المُسخرة لهذا الغرض..

بعمق ألف وبضعة قرون، نكتشف اليوم مظاهرها العُنفية وهولها بـ "الفتوى والكلمة والدماء"، أنها أزمات موغلة في الحاكمية الثيوقراطية العربية البالية، تعبر عن حجم الخطر المستشري، وتكشف عن العورة العقلية في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية وغرائبية المنطق؛ في استكمال دعائم الحزن والدمار والتشظي العربي، بكل ما يحمله من قسوة وهول في عمقه السسيوسياسي الحاضن..

إن نتاجها التاريخي الراهن، هو استكمالاً لسلسلة فصامات لا تنتهي، فصام بين تحديث وتنوير على مستوى الخطاب والنصوص والمراجعة وتراجع المجتمعات؛ فصام بين أفكار الانتلجنسيا وأفكار المجتمعات، وفصام اللاتاريخية؛ أورثت هذه المجتمعات دماءً واهوالاً وتوترات وأسطرة ما تزال تتنفسها...

فضلاً عن أزمة الاقتصاد الريعي وتشوهاته الواسعة، حين تكون "الحداثة" بضعة ناطحات سحاب، فالوفرة النفطية ترافقاً مع الحدث الكولونيالي هي ذاتها أزمة حداثة مع اقتصادها الريعي، ومرشحة لمزيد من توليد الفقر واللامساواة في داخل مجتمعاتها ذاتها الغنية بالبترودولار، والأزمات السياسية والاخلاقية العاصفة، فضلاً عن تشوه مؤسساتها "الدولاتية" باسم الثيوقراطية و"الإسلام المذهبي"، و"تسييس الدين وتديين السياسة في خدمة السلطة والسلطان، الحاكم والحكام، على امتداد قرون وقرون"، واختلالات التنمية...

إن الخروج من هذه المعضلات المزمنة، لن يكون إلا بالدولة المدنية الدستورية الديمقراطية العلمانية، بما تعني من أبعاد معرفية، توازياً مع تحول اجتماعي وثقافي وفكري كامل، خروجاً من التلويح بالرعب والتغييب والإقصاء؛ والعلاقات الإشكالية المعقدة مع الآخر في المجتمع ذاته، وبتلمس علمي للرؤى والمفاهيم والأفكار، وهو ما يثير جدلاً واسعاً حول دور المثقف ذاته... ودور الثقافة ذاتها.

رشيد قويدر