أدونيس وأغاني إرم ذات العماد

بقلم: فاطمه فائزي
إنّها أرضنا وميراثنا الوحيد

"بما أنّ الحياة هي الوجه الآخر للموت، والأمل هو توأم اليأس وغريمه، فإن حبّ أدونيس الأكبر هو دمشق الذي وُلد فيها الشاعر. وحتى بعد رحيله إلى بيروت وإلى اليوم، لا يزال أدونيس الإنسان المتحفف من شعره والعابر السبيل في دمشق. ويصنّف المدينة وينظر إليها كمدينة النهايات أو المدينة المكتملة والمنتهية التي تبقى في جوهرها. هي: لا يزول؛ مدينة ما هي إلا تنويع على أساسين هما السياسة والتجارب".

"نعم، كلام أدونيس التجربة المعيشة، أدونيس الذاكرة والجرح المفتوح، يضحّ ألماً ويأساً، إلى درجة تجعله يعلن موت دمشق ـ المدينة بأكملها وإنتهائها وعلى نفسها في هوية مطمئنة لا خروج عنها، وفي زمن دائري لا خلاص منه. كأنّه هنا يعلن موتها في الحياة لا في الشعر، مسقطاً عنها تنوّع ناسها، بحياتهم وآمالهم ويأسهم، رافضاً أن يراها مجتمعاً مركباً، لا تحدّه رموز ولا تختصره تصوّرات".

وإذا كانت هذه حال دمشق في خطاب أدونيس فما حالها في شعره؟ وماذا لو كان أدونيس الشاعر أول من يفكك حكم القيمة الذي يصدره أدونيس الإنسان في حق دمشق؟

وليس غريباً أن يردّ هذا المقطع الشعري من ديوان "أغاني مهيار الدمشقي" داخل الفصل المعنون بـ "إرم ذات العماد" - هذه المدينة القرآنية التي يعتقد الكثير من الدمشقيين أن الله خصّ بها مدينتهم والتي يستخدمها أدونيس في شعره كمجاز لتلمّس معالم المدينة". "وما هي إلا صفحات قليلة في الفصل نفسه حتى يظهر اسم دمشق للمرة الأولي، ليس فقط في هذا الديوان ولكن في مجمل شعر أدونيس. وتردُ دمشق كهوية مضادّة، بمعني النبذ والرفض، ولكن هذه المرة بكلمات شاعر يحاول أن يعيد تشكيل المكان ـ الوطن على معان ذاتية طالما تناستها خطاباتها الوطنية".

يقول أدونيس على لسان مهيار الدمشقي:

"للوجوه التي تتيبّس تحت قناع الكآبة

أنحني، لدروب، نسيت عليها دموعي

لأب مات أخضر كالسحابة

وعلى وجهي شراع

أنحني . ولطفل يباع

كي يصلي وكي يمسح الأحذية

ولصخر نُقشت عليه بجوعي

أنّه مطر يتدحرج تحت جفوني وبرقٌ

وليت نقلت معي في ضياعي ترابه

أنحني ـ هذه كلّها وطني، لا دمشق"

"إن إخراج أدونيس الشاعر العباسي البغدادي مهيار الديلمي من سياقه المكاني والزماني، وإدخإله في سياق رؤيته الخاصة، سمح لهذه الرؤية بأن تتحرك بين فضاءات الأمكنة والأزمنة والشخوص التاريخية أو الأسطورية، ومكنها من خلق فضائها الشعري الخاص، حيث تتداخل هذه الفضاءات كلها في فعل الكتابة وتنصهر في حركة النص اللاهث أبداً وراء نبض العالم الهارب إلى المجهول".

"لكنّ مهيار في (الهوية المتحرّكة المسافرة) وهو مع ذلك، مهيار (الدمشقي) في شعر أدونيس. كأن الشاعر ـ بالنّضاد مع ما يمكن أن يكون هوية دمشقية ثابتة، مغلقة، أنانية، مكتفية بذاتها فيحاول عبر مهيار، أن يخرج هذه الهوية من قوقعتها إلى عوالم الصيرورة و النمو والإنفتاح على (الآخر)".

"كأنّ أدونيس يهيئ لفتحه الأكبر مع دمشق ـ وأعني قصيدته "إرم ذات العماد". ففي هذه القصيدة يعيد أدونيس للمادة الشامية روحها العاصية ويجلل المدينة ببخور الشعر وبهاء الكلمة. يسافر أدونيس في جغرافيا المدينة وتاريخها، بين أسواقها وأبوابها وأزقّتها وخلواتها وحماماتها، ليقطف زهر الكلمات وينثره في غابات المعاني والأزمنة»". ويتحدى هذا الذي اعتبره بعضهم خارج المدينة. يتحدى المدينة في أغنى ما تملك ويملك:

أعني لغة المدينة. فإذا نحن أمام أسطر لا تحدّها حدودٌ ومعان، عن أسماء الألوان وتماوجها، من الزبيب، إلى البرتقالي إلى الزعفراني إلى الأدبس والأفضح والأشهب إلى و إلى .... من دون أن ينتهي موج الألوان، تولد "إرم ذات العماد" في رحاب "دمشق" التي "لا تحيا إلا إذا أعادت بناء السماء"؛ فإذا بالسماء تلوّح هنا على مشارف القصيدة، فتحيا دمشق. نعم، "يتعذر وصف شهوة الكلام عند جدران دمشق "إرم ذات العماد" لكن هذه دمشق تنبسط كالجنة تحت قدمي قاسيون؛ وطرق أدونيس فيها وعرة، وحافياً يمشي هذا الذي قالوا مرّة في وصف قدميه":

ادونيس
"لست على سريري المفروش بالجنون

رمليّة النّعاس

لست معي قشّاً ولا يباس

يا امرأة الآلام والصوّان

يا أخت قاسيون"

وفي مقطع آخر من قصيدة "إرم ذات العماد" يقول فيه أدونيس:

"عاد شدّاد عاد

فارفعوا راية الحنين

واتركوا رفضكم إشارة

في طريق السنين

فوق هذي الحجارة

باسم ذات العماد

إنّها وطن الرّافضين

الذين يسوقون أعمارهم يائسين

كسروا حاتم القماقم

واستهزءوا بالوعيد

بجسور السلامة

إنّها أرضنا وميراثنا الوحيد

نحن أبناءها المنظرين ليوم القيامة"

"إن تصوّر الشاعر أدونيس للمدينة في صورة إمرأة ثمّ في صورة امرأة متعهدة ـ يكاد يكون قسطاً مشتركاً بين عدد كبير من الشعراء، وهي صورة ليست جديدة بل هي متوفرة في الأدب القديم والوسيط ويستوي عند الشاعر الحديث أن تكون المدينة قائمة تنتسب إلى العصر الحديث، أو ممثلة لحضارة قديمة. وأدونيس يحدّد المدينة التي يتحدث عنها باسمها غالباً ـ فهي دمشق"، "ولا يتحدث أدونيس عن (المدينة) بإطلاق إلا نادراً. في هذا ما يؤكد أن الصدمة الناجمة عن لقائه بها ليست ثورة الحضارة أو كرهاً لها، بل هي صدمة علاقة بين ذاتين. فدمشق أدونيس وإرم ذات العماد في الحقيقة امرأة، إلا أنّها كثيراً من صفات المجتمع العربي عامةً، تلك الصفات التي يحاول أدونيس أن يحطّمها وبذلك تختلف غايته من حديثه عن المدينة عن غايات الشعراء الآخرين":

"تزيّني بالرمل والذئاب

يا امرأة الريح الدّمشقيّة

لا قمر عندي ولا ثياب

لكنني جرؤت أن أنام

في وجهك الميت كالخليج

في وجهك المنذور للنّشيج

يا لغة ترسو بلا تحيّة

في مرفأ الكلام

يا امرأة الريح الدّمشقيّة"

"ومن السهل أن نجد العلّة في استعمال هذه الصور، فالمدينة في اللغة مؤنثة، وفي معظم الأحيان كانت حركة التاريخ ضد المدن فتحاً واجتياحاً واغتصاباً لها ولنسائها ومواردها وهي لا تزال كذلك إلى اليوم، ثمّ أنّ الشاعر الحديث يألف الصور الجنسية، في زمن يشبع فيه الاغتصاب في المدن الكبرى، كما تشيع الدعوة إلى الانطلاق التام من القيود المتّصلة بالجنس"، "ولذلك يجد إرم ذات العماد صورة قريبة المنال والأداء، مع أنه ليس من الضروري دائماً (إلا حيث يفرض الجو الفني ذلك) ملاحظة مدينة من هذا المنظور، ذلك أن تكرار الصورة على هذا النحو يجعلها مبتذلة مع الزمن".

"إن النفور من المدينة والحنين إلى الريف نزعة رومانطيقية أصلية ومن نماذجها المشهورة (إرم ذات العماد) التي جعلها أدونيس هدف الوصول الصوفي"، "وجعلها رمزاً تعبيرياً أو إيحائياً يعبّر عن فوضوية الاجتماعي السياسي، هذه الفوضوية التي سوف تؤدي به إلى الدمار والخراب، تماماً كما حدث لبابل وسدوم، غير أن التعبير عن الفوضوية لا يأتي من خلال فوضوية النص الشعري، أو فوضوية التعامل الفني مع الرموز. فالقبح لا يتمّ التعبير عنه في الفن، بشكل قبيح، وإنّما بشكل يوحي بالجمال. وهذه هي ميزة خاصة يتّسم بهما الأسلوب والفن الأدبي الرمزي في إستخدام الرموز".

"إن (إرم ذات العماد) في شعر أدونيس رمز أسطوري وتاريخي وتشير الى مرحلة الطفولة والحب لدى الشاعر، سوء التكيّف مع البرهة الراهنة. كلّ ذلك يدفعه إلى التمّسك باللحظة الخامدة النائية في الوراء كبديل من مثل ذلك الرمز (إرم ذات العماد)". إنه تنويع على الماضي والطفولة والحب. أما الموضوعية الصوفية لرمز إرم ذات العماد وفي المقطع الذي ذكرناه سابقاً؛ "قل وسلّم جسدك ـ جسدك إليها..." والذي يعكسها أدونيس في شعره هي أن الموت حقيقة الوجود والولادة نوع من التمنّي يستحيل الوصول إليه. العماد في شعر أدونيس قد مزجت في هذا المقطع بالفكرة التموزية أو العشتارية طرحها أدونيس بكثير من الصراحة والتفصيل والحدّة. فعندما يقول الشاعر: "سلّم جسدك ـ جسدك إليها وأُدخلها. أُدخلها وتصالح معها وفيها، شعراً وحربةً ودموعاً"، فإنّه يتمنّی عودة عشتار، فهذه دلالة هامة على توقان المنهوم إلى بعث السنين الغائمة الغبارية ـ سنين الشباب والحب البريء والمفرح.

"خوف الشاعر وقلقه وتساؤله حول الحياة والموت جعله يستجدي الحب والحرية ويتسوله في هذا المقطع من القصيدة. وفيها مرارته وشعوره الحاد بالحاجة إلى الآخر. إنه يعاني من إنغلاق الآخر تجاه تساؤلاته الفلسفية حيث تتقوض عاطفته ويشعر الشاعر أنه يخفق في الوصول". إن أدونيس يضفي قلقه الذاتي على الأشياء. فهو شاعر القلق ـ قلق الحرية. قلق الحياة، قلق الإنسان المنخرط في عالم يتوجب عليه أن يهدمه ويخلقه باستمرار، وأن يتخطّاه دوماً. فالوجود ولادة أبدية لا تفتر عن التناسل، فقلق أدونيس ذهني لا يخلو من موضوعية الفيلسوف.

فاطمة فائزي ـ طهران