جداريَّات الإسكندرية

نص وتصوير: رجب سعد السيد
للصورة على الجدران وقع أعمق بالنفس البشرية

أتى على الإسكندرية حينٌ من الدهـر، أهملها القائمون على أمرها، ولم يأبهوا لمشاكلها وأسقامها، التي لم تلبث أن تفاقمـت، فغـادر الحسـنُ وجهَ المدينة، التي استحقت – في سنوات خلت – لقب "عروس البحر المتوسط"؛ وهجرها محبوها الذين كانوا يلتقيونها صيفـاً، إلى الجنوب الأوربي، بعد أن فقدت الإسكندرية جاذبيتها، وصار صيفها خانقاً، لاختناق الحركة في طرقها، وضياع رونق كورنيشها، وتبدُّل حال مياه شواطئها التي أفسدها التلوث. ومجمل القول، إن تشققات الزمن أخذت تغزو وجه المدينة ابنة الإسكندر، التي كانت – فيما مضى – قادرة على أن تتجمل لتزيل آثـار الشيخوخة، وعلى أن تتجدد، كأمواج البحر التي لم تكـف – منذ الأزل – عن التقاطر، ملامِسَــةً تعرجات خــط شاطئها.

وقد تزامن ذلك مع – أو ربما كان هو أحد نتائج – اهتزازات شديدة الوقع، اجتاحت كيان الوطن عامةً، فتبدلت ملامح، وسادت قيم مغايرة باغتت من لم يستطع قراءة الدلائل والإشارات، وتقدمت – كموجة حائطية – تدكُّ الشـاطئ دكَّـاً؛ فأصبح الهـمُّ فـرديـاً: ليبحـث كـلٌ عن ســـبيل للنجــاة!؛ فـلاذ البعـضُ بالفـرار، وطفـا من طفـا؛ أما الذين افتقدوا قدرات الفرار ومهارات الطفو – وهم السواد الأعظم من بني وطننا – فكان عليهم أن يتلقوا ضربة الموجة القاسية!

ولا يهتمُّ هذا الحديث بالخسائر، فالمجـال لا يتسـع؛ غير أن ما يعنينا، هو: صرخـات الوجع وصيحـات الاسـتغاثة. وحتى هذه الأصوات، ليس بمقدورنا أن نتعرَّض في هذا الحيِّـز المحدود لجميع صور وأحوال تجلياتها، في إبداعات الأدباء والسينمائيين والمسرحيين، وإنما نكتفي بالتوقف عند ظاهرة "الصيـاح بالطــلاء المُـرَذَّذ"!

كان سكان المدينة يخرجون إلى أعمالهم في صباحات أيام منتصف الثمانينيات، فيجدون الكتابات بالطلاء المرذذ (سبراي) تغطي جدران بعض البنايات. وجدت تلك الكتابات استجابات متفاوتة، بين متحفظ ومتعاطف. وكانت – في معظم الأحيان – تبعث على الابتسام. كانت تعبر عن العجز والحيرة وانقطاع الرجاء.

كنت أشاهد – يومياً – وأنا في عربة "ترام الرمل"، بطريقي إلى مقر عملي، لوحة خطية تحتل ما يقارب العشرين متراً من امتداد سور نادي "سبورتنج"؛ يقول كاتبها: "باحبك – باحبك – باحبك – يا مروة – مايكل سعيد"! لقد استبد الوجد واليأس بمايكل – والمؤكد أنه مسيحي – وتأكد أنه لا سبيل إلى مروة، وهو اسم لمسلمة، فاختار أن "يجـأر" بما يعانيه على مرأى عشرات الآلاف من ركاب الترام اليوميين، وأن يوثق مكابدته حظه العاثر في حبه المستحيل، على جدار ذلك النادي، قلعة أرستقراطيي المدينة وأغنيائها المحدثين. ولم تلبث "جدارية مايكل سعيد" أن حفزت آخرين لشراء عبوات الطلاء المرذذ، فامتلأ سور النادي بـ "أصوات" أخرى، متداخلة، لا تكاد تفصح عن شيء، مفتقدة بلاغة وتأثير جدارية مايكل!

وكنت، وقتها، مع كثيرين من المتحفظين الذين لم يروا في تلك الظاهرة أكثر من أنها ترف و"لعب عيال"، لا يقدر عليه إلا أبناء الأغنياء الذين يملكون أن يهدروا ثمن عبوة الطلاء المرذذ ليبوحوا بمكنونات صدورهم على جدران أبنية المدينة، حتى فوجئت بخطوط الطلاء المرذذ تغزو جدران المنطقة التي أقيم بها، وأهلها – في غالبيتهم – من الفقراء. لقد باغتتني خطوط حمراء معوجة تفترش جداراً أبيض عند نهاية درج البناية التي أسكن بها: "يا رب .. كلية الشرطة .. يا رب! – حسام". كان الشاب يحلم بالالتحاق بالكلية التي تعد بالنفوذ والسلطة؛ وكان يدرك أن دونه وذلك الحلم عقبات فرضتها المواضعات السائدة، تعجز عن قهرها قدرات أسرته الاجتماعية والمالية، فلخَّـصَ كل آماله، وتخوفاته، في شكوى إلى الله، ضمَّنهـا دعاءه، لا تزال مثبتة في مدخل البناية، حتى هذه اللحظة، وأحالها الاعتياد إلى جزء من المشهد العام للمدخل. أما حسام، فقد حصل على درجة البكالوريوس في الكيمياء، وانضمَّ إلى جيش من العاطلين!

غير أن أهم المحتجين بالطلاءات المرذذة بالإسكندرية، في العقد الأخير من القرن العشرين، هو شـاب من منطقة "باكوس" الشعبية؛ وقد اتهـم بالخبـل، وهو من غـلاة المتشيعين لفريق كرة قدم بالمدينة، وقد بدأت احتجاجاته تظهر على جدران النادي الذي يظاهره، بمنطقة الشـاطبي، وكانت موجهة ضد إدارة النادي؛ ثم لم يلبث ذلك الشاب، الذي كان يوقع بياناته الجدارية باسم "جمال الدولي"، أن تحول إلى السياسة، فانتقد نزاهة انتخابات مجلس الشعب، وأعلن أنه لن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية؛ وطالبت "جدارياته" على أسوار مسارات ترام الرمل بعودة "زمن عبد الحليم حافظ وزبيدة ثروت"!؛ كما "باح"، في واحدة من هذه الجداريات، برغبته في أن يتزوج من ليلى علوي! وقد ذاع صيت جمال الدولي، ولا يزال مشهوراً في المجتمع السكندري، وأن كان نشاطه توقف، أو كاد، نتيجة مطاردة الشرطة له!

يذكر أن ظاهرة استخدام الطلاءات المرذذة لم تكن قاصرة على الإسكندرية، إذ كانت منتشرة، بأوقات متقاربة، في عدة مدن، بدول كثيرة؛ وقد رأى كاتب هذه السطور في المنامة، عاصمة مملكة البحرين، جداريات تناهض سياسة استقدام العمالة الأجنبية، بينما يتزايد عدد الوطنيين المتعطلين. أمّا في "أصيلة" المغربية، فتنتشر الجداريات في أزقتها وواجهاتها البحرية، لتحيل المدينة إلى مهرجان دائم للألوان والحب.

وفي الولايات المتحدة الأميركية، انتشرت الرسومات الجدارية في ولاية كاليفورنيا، بأواخر الستينيات من القرن الماضي، متأثرةً بفن الجداريات المكسيكي، وبالثقافة الشعبية؛ وكانت تعكس الأحوال السياسية والاجتماعية، وتعبر عن متاعب قطاع العمالة الزراعية، وتسلط الضوء على جوانب من التاريخ الأميركي/المكسيكي يهملها المؤرخون وواضعو الكتب المدرسية؛ كما كانت الجداريات وسيلة احتجاج لفئة من الفنانين الشباب – معظمهم من السود – ضـد التمييـز والإجحـاف وحرمانهم من وصول فنهم إلى المتاحف والمعارض الرسـمية. كما ظهر في مدينة "فيلادلفيا" من وصفتهم الإدارات الرسمية بـ "عصابات الرسومات"، وقالت عنهم إنهم مجموعة من الشباب العاطلين ومثيري الشغب، ينتمون – في الغالب – إلى أقليات عرقية وإثنية. اتخذ هؤلاء الشباب من جدران بنايات المدينة لوحـاً مفتوحـاً، يدونون عليه شعاراتهم وصرخاتهم "تماماً مثل مايكل سعيد وجمال الدولي وحسام!"؛ وكانوا يخرجون تحت ســتر الليل ليسجلوا سخطهم على الجدران، وليحولوا واجهات الأبنية ونواصي الطرق إلى وثيقة ســوداء، تدين المجتمع الأميركي. فما كان من عمدة المدينة إلاَّ أن أسس شبكة لمكافحة هؤلاء "الجداريين" الساخطين، واستدعى "فنانة موظفة"، قامت بتأسيس ما سـمي ببرنامج فن الجداريات، لاستقطاب الشباب المحبط الساخط، وترويض أفكارهم المتطرفة و"توظيفها" في خدمة قضايا عامة، تحت شـعار تنمية الحـس الجمالي ونزعة التعبير، من خلال الفن!

أما في مدينة أتلانتـا، عاصمة ولاية جورجيا الأميركية، فقد فضَّـلَ المسـئولون أسـلوب مواجهة عصابات الرسومات بالإجـراءات العنيفة (غرامات مالية، وأحكام بالحبس)، وإن كانت تلك الإجراءات موجهة لأصحـاب العقـارات الذين يتهاونون في إزالة هذه الرسومات عن جدران أبنيتهم.

وشهدت الإسكندرية ظروفاً مشابهة، ففي حالة صحوة طارئة، ارتبطت بمقدم محافظ جديد مجتهد للمدينة، تصدت الإدارات الرسمية لما يمكن تسميته بظاهرة الجداريات الشعبية العفوية، فنظمت حملات أزالت كل صيحات الطلاء المرذذ، وفرضت على بنايات بعض الطرق والشوارع الرئيسية لون طلاء موحداً؛ وحفزت عدداً من أساتذة الفنون الجميلة، فأنشـأوا جدارياتهم.

إن للصورة على الجدران وقعاً أعمق بالنفس البشرية؛ ولها أيضاً روح القصص، حيث يطالع المشاهد حكاية مسلسلة في عدة لوحات أو أطر متتالية. وفضلاً عن وظيفتها التزيينية، فإنها تمثل شكلاً من أشكال التربية البصرية، فلها تأثير الكتب والمجلات المصوَّرَة التي تؤدي الوظيفة التعليمية من خلال ما تقدمه للقارئ من صور مصاحبة للنص المكتوب.

والرســم الجداري هو رسم على سطح جدار تم إعداده وتجهيزه مسبقاً. وهو يتطلب بذل جهد كبير؛ فإنشاء جدارية عمل يتسم بالمشقة، يتحملها فنان الجداريات الذي يتضمن جهده القيام بمهام عامل إنشاءات. ثم إنه فنان ذو موقف سياسي، إذا أخذنا في الاعتبار محتوى جداريته؛ ومن أبرز الأمثلة في هذا الصدد فنان الجداريات المكسيكي "دييجو ريفيرا" (1886 – 1957) الذي تأثر بقيام الثورة الروسية، والتفت إلى أهمية دور الفن في خدمة المجتمع؛ وشارك في الثورة المكسيكية، ومجدت أعماله تاريخ بلاده وشعبها، وأججت الروح الثورية.

إن هدف الجداريات، كما يقول "دوجلاس كوبر"، الفنان التشكيلي وأستاذ فن العمارة بجامعة كارينجي ميلون، بولاية بنسلفانيا الأميركية، هو تحويل المرافق العامة إلى مساحات تشكيلية ولونية تحمل أحلام سكان المدينة وتعكس قضاياهم؛ فقد كان هذا اللون من التعبير الفني – في حقيقته وأصله – لصيقاً بهموم الإنسان العادي، ومجسداً لرؤاه وتطلعاته؛ وهو فن يجب أن تغلب عليه البساطة، ليفهمه رجل الشارع العادي، دون حاجة إلى تفسير وتأويل. فأين جداريات الإسكندرية من هذا؟

سنكتفي هنا بالتوقف أمام أبرز ثلاثة نماذج من الجداريات السكندرية، لنفتش فيها عن أحلام وتطلعات الناس العاديين، الذين استيقظوا ذات صباح ليجدوا بعض الفنانين قد اختصوا أنفسهم بمساحات ضخمة من جدران المدينة، التي هي جزء من الفراغ الحيوي العام الذي يشترك في ملكيته كل السكان، فغطوها بالألوان والسيراميك.

فهذه، أولاً، جدارية سور النادي الأوليمبي، في ميدان أحمد زويل، وهي للفنان الدكتور محمد سالم، ويبلغ امتدادها ثمانين متراً، بارتفاع أربعة أمتار، وتنقسم إلى 13 وحدة، وموضوعها "تاريخ محاولات قياس الزمن"، منذ المزولة إلى الفمتو/ثانية. وتم تنفيذ الجدارية بالفسيفساء، باستخدام مواد متنوعة، كالرخام الملون والسيراميك والزجاج الملون المعتم، مع تقنيات أخرى، كالرسم بالألوان المثبتة حرارياً، والنحت البارز والغائر.

أما الجدارية الثانية، فهي للدكتور حسين جمعه، وأقامها على سور مجمع مساكن الضباط في منطقة مصطفى كامل، واختار لها أن تحكي على لسان عرائس البحر، حكاية نشأة الإسكندرية على مر العصور، فتضمنت لوحات من العصر اليوناني، تجد فيها وحداته التشكيلية المميزة: النافورات والمباخر، والمكتبة القديمة والفنار. ثم العصر البطلمي، ورمزه المتعارف عليه "كليوباتره"، وصديقها أنطونيو، وسفنها، ومعركة أكتيوم التي انتهت بهزيمتها والاحتلال الروماني لمصر، ثم نهايتها المأساوية بالانتحار. وقد تخطت الجدارية العصر الروماني، لا ندري لماذا، لتصل إلى العصر المسيحي بوحداته: الأديرة والكنائس والصوامع، مع نماذج من وجوه قبطية. وتحتفي جدارية حسين جمعة بالعصر الإسلامي الذي يحتل مساحة كبيرة منها، لتعدد نماذجه وزخارفه وتشكيلاته المعمارية الواردة من الشرق والغرب الإسلاميين؛ فتجد فيه: الأندلسي المغربي، والأيوبي المملوكي، والتركي. ومن الرموز التي اختارها الفنان للتعبير عن الإسكندرية في العصر الحديث، مكتبة الإسكندرية الجديدة وقصر المنتزه بألوانه الشفافة الراقية، بالإضافة إلى لوحات تجريدية تتكرر فيها الأشرعة ومراكب الصيادين.

وأما الجدارية الثالثة، فهي للدكتور عبدالسلام عيد، وتحتل جدار مستشفى مصطفى كامل العسكري، المطل على الكورنيش، وهي الأحدث بين أعماله، التي تشمل: جدارية قاعة الطلبة بالأكاديمية العربية للنقل البحري، وجدارية الصالة الرئيسية باستراحة القوات البحرية بسيدي بشر، وجدارية كلية الطب بمحطة الرمل، وجدارية كلية الفنون الجميلة في جليم. وكان عنوان الرسالة التي حصل بها الفنان على درجة الدكتوراة من أكاديمية "أوربينو" الإيطالية، عام 1982، هو "وحدة العلاقة بين النحت والتصوير والعمارة"، وهو عنوان يؤسس لفكره الجداري. وفي رأيه أن الجداريات فن لكل الناس، وهي تختلف في هذا عن الأعمال حبيسة المعارض والمتاحف. ويقول: أتجول في المدينة فيستفزني ما أجده بها من مساحات كبيرة من الجدران، هي بالنسبة لي فراغات أتمنى أن أحولها لأعمال فنية! وهو في أعماله بعامة، وفي هذه الجدارية على نحو خاص، يهتم بالقيم الزخرفية ويكررها، ليس فقط لمجرد التزيين، وإنما لتحقيق ما يسميه بالتناغم الموسيقي للجدارية؛ فتآلف هذه القيم وتكرارها هو نزوع نحو تحقيق ما يسميه بالترديد الموسيقي البصري، بالإضافة إلى إضفاء القيمة التاريخية والتراثية على الجدارية؛ وهو يحرص على ذلك حرصاً شديداً، حتى لو أدى به الأمر إلى إضافة تكوينات نحتية، أو أعمال خزفية مجسمة أو بارزة.

ويرى د. عبدالسلام عيد أن هذه الإضافات ترتفع بالعمل إلى مستويات تشكيلية أعلى. وتجمع جدارياته التي أقامها بمدينة الإسكندرية بين الحضارات المختلفة التي عاشتها المدينة منذ أنشأها الإسكندر المقدوني في العام 331 ق. م.

في حوار لنا مع الدكتور محمد سالم، صاحب جدارية سور النادي الأوليمبي، قرر أن الجداريات ليست تعبيرا فرديا عن الفنان، وإنما الفنان هو الأقرب إلى الحرفي الذي يكلف من قبل الهيئات الاجتماعية لإنشاء جدارية تؤدي وظيفة بعينها.

فما الوظيفة التي أنشئت من أجلها جداريات الإسكندرية؟ أم تراها – الجداريات – لم تكن أكثر من مغامرات فنية، بمباركة، وربما بإيعاز رسمي، قام بها هؤلاء الفنانون الأساتذة، حققوا فيها أبعاد دراساتهم النظرية وتطلعاتهم الشخصية؛ ولكنهم – قياساً على الهدف الرئيسي من فن الجداريات – لم يقدموا شيئا للناس؟

بعد أن تشاهد جدارية المستشفى العسكري، إنزل إلى النفق الذي يربط بين رصيفي الكورنيش، ستجد استخداماً مماثلا للسيراميك، وسيتهيأ لك أن اللوحة بأعلى لم تنتهي، فهي مستمرة في النفق، فالسيراميك لم ينقطع، بل إن السيراميك في النفق موظف جيدا، فهو يضيئ المكان، وينظم حرارة النفق صيفا وشتاء، ويسهل عملية تنظيفه.

إن "جدارية قياس الزمن" تستعصي على المشاهد غير المتخصص، ناهيك عن رجل الشارع العادي المار على الرصيف أمام الجدارية، الذي قد يشعر بالعداء تجاهها، فهي لغز يستعصى عليه، وهي تستفز بساطته ومحدودية قدراته الذهنية، لا عجب، إذن، في رأي من يقولون بأن ثمة انفصالاً بين الناس وجداريات المدينة، ويتجسد هذا الانفصال من خوف كامن في أعماق النفوس من ردود أفعال ضد هذه الأعمال "الغريبة" عن أعين الناس؛ لذلك فإنك لا تجد لوحة جدارية في متناول الأفراد إلا وبجوارها "كشــك حراسة"!

لقد كانت "جداريات جمال الدولي" الاحتجاجية أشد تأثيرا من جداريات التجميل التي فرضت على الناس حياديتها الباردة، فلم يتأثروا بها، اللهم إلا في اتخاذها كخلفية لتصوير عروسين ليلة زفافهما. لقد غاب عن هؤلاء الفنانين المعزولين في أبراج أفكارهم النظرية العاجية والإبنوسية والماسية أن الجداريات هي فن العامة، يخرج من الناس ويعود إليهم.