مصراتة: صحافة مزدهرة .. وتنوع ثقافي

كتب ـ محمد الأصفر
الإعلاميون الشباب يقاتلون إلكترونيا في موقع مصراتة الحرة

تزدهر صنعة الصحافة في مدينة مصراتة بعد 42 سنة من قمع الحريات وطمس الحقائق وتزييف التاريخ ليجد شبابها متنفسا خصبا وفرته لهم ثورة صنعوها بأنفسهم ودفعوا ثمنا غاليا لها، وهو الدم الطاهر الشريف الشهيد الذي تواصل نزفه من 17 فبراير وحتى الآن، وتنوعت كما وكيفا، حيث نجد الجرائد الورقية والمجلات الإلكترونية والقنوات المرئية والمسموعة من إذاعات وتلفزة يوتوب وغيرها. وعلى الرغم من أن المدينة محاصرة من قبل كتائب القذافي، إلا أنها نجحت مؤخرا في فك الحصار بنجاح وأبعدت هذه الكتائب عن المدينة مسافات واسعة، بل مازالت تدحرها ناحية الغرب والجنوب والشرق وتسهم في تحرير بقية المدن.

لم تقتصر الصحافة في مصراتة على إصدار الصحف والمجلات وإطلاق المواقع الالكترونية وتأسيس الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر واليوتيوب إنما تجاوز بعض كتابها وباحثيها هذا الأمر إلى إصدار الكتب التي تؤرخ لصمود هذه المدينة وثورتها وبطولاتها من أجل حريتها فصدر منذ أيام كتاب جديد بعنوان "معركة مصراتة .. الهولوكست من جديد". هذا الكتاب وفي ظل التنوع الفكري والآراء المتباينة والمختلفة لم يسلم من الانتقاد من قبل العديد من مثقفي المدينة حيث اعتبره البعض أنه جاء متسرعا والغرض من إصداره هو الحصول على السبق ليس إلا.

رضا عيسى رئيس تحرير موقع مصراتة الحرة
وعلى الرغم من الكم الهائل من المطبوعات الصادرة والتي بعضها كما صرح بعض المتابعين لها والقريبين منها لا يرتقى إلى المستوى الفني والمهني المطلوب إلا أن الكثير من المثقفين اعتبروا أن هذا الأمر ظاهرة صحية، ومن شأنه أن يؤسس لصحافة حرة ذات قيمة، وأن هذه الجرائد تعتبر ساحة تدريب للكثير من الصحفيين الشباب الذين سيتطور مستواهم مع الأيام ومع التدريب واكتساب الخبرة.

التقينا بالصحفي الشاب رضا عيسى – الذي يترأس تحرير موقع "مصراتة الحرة" ليعطينا لمحة عن هذا الموقع الجديد الذي ولد بعد شهر ونيف من ثورة 17 فبراير فقال:

"جاءت ولادة موقع مصراتة الحرة مطلع أبريل/نيسان 2011، في وقت كانت تتعرض فيه مدينة مصراتة لهجوم مدمر اثر اقتحامها من كتائب القذافي، لا لشيء إلا لأنها انتفضت كغيرها من المدن خلال انتفاضة فبراير/شباط للعام2011. وبدأ الموقع كواجهة بث لإذاعة مصراتة المحلية على الإنترنت، و صفحة تنشر أخبار المدينة للخارج في محاولة للبحث عن قناة تنقل ما يحدث داخل المدينة، والموقع في عمومه مجهود ذاتي ولا يتلقى أي دعم من أي جهة كانت".

وأصبح موقع مصراتة الحرة على الإنترنت وجهة الكثيرين ممن هم خارجها للحصول على تفاصيل أكثر للموضوعات والتقارير والصور التي ترصد ما حدث ويحدث للمدينة، كما يعد موقع "مصراتة الحرة" هو الموقع الرسمي لأخبار مصراتة والمعتمد من قبل المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، وبمرور الأيام، وتزامناً مع عمليات تحرير المدينة على أيدي ثوارها الشباب، شهد الموقع تكاملاً نقله إلى موقع متلفز لما يقدمه من لقاءات وأخبار عن الأوضاع الميدانية والانسانية في المدينة، مضافاً إليها إمكانيات النشر من التوسع في التفاصيل والخلفيات والصور والفيديوهات، مما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في زيارات الموقع، ويقارب عدد الزوار النصف مليون زائر.

الكاتب والصحفي المخضرم عبدالله الكبير

ويعتمد الموقع في موضوعاته الخاصة على ما يمده به شبكة مراسلين واسعة في المدينة، وللموقع صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي: الفيس بوك، واليوتيوب، والتويتر.

وحول الكتاب الجديد الذي صدر في مصراتة عن ما حدث فيها من جرائم وانتهاكات سألنا الصحفي والكاتب النشط أبوبكر البغدادي عن كتاب "معركة مصراتة الهولوكست من جديد" الذي تعرض للانتقادات من العديد من المثقفين والباحثين في المدينة فأجابنا:

"رغم أنني لم أطالع الكتاب، إلا أنني حظيت بمطالعة غلافه على لوحة دعائية، ورغم أنني لست متخصصا في النقد ولا التاريخ، إلا أن ثلاثة أخطاء واضحة في تقديري أظهرها الغلاف وحده، فهو يتحدث عن أحداث ثورة 17 فبراير، وهذا عنوان كبير، أزعم أن الكاتبين لن يوفياه حقه لأكثر من سبب، أهمها أن الأحداث لم تكتمل بعد، ولا يشفع لهما أن يشيرا إلى أنه الجزء الأول، فحتى ما مضى من الأحداث لم يرصد بشكل واف من أي كان، فليس من الممكن أن تعبر الشارع وتنظر في نفس الوقت إلى نفسك من نافذة منزلك، وكان بالإمكان إضافة تعبير يفيد التبعيض، فهذه واحدة.

أما تعبير (محرقة مصراتة) على ذات الغلاف فإنه قابل للتأويل على وجهين، أقربهما تشبيهنا باليهود، وأبعدهما تشبيهنا بالنازيين، وعندما يقول الكاتبان: الهولوكوست من جديد، ففي ذلك اعتراف صريح بالهولوكوست القديم الذي ترفضه ثقافتنا وتكذبه، إن لم يكن للمؤلفين رأي مخالف لن نملك مصادرته.

وكما ذكرت فأنا لم أطالع الكتاب بعد، ولست أسعى إلى – ولا أملك - الإقلال من قيمته، فأرجو أن تتسع الصدور للنقد، لكني أعتقد أن مهمتنا في هذه المرحلة ستكون توثيق الأحداث، من خلال الصحافة، وكتابة المذكرات، واليوميات، وجمع الوثائق والأرقام، وسيكون لنا متسع من الوقت لجمعها وتنقيحها وتحليلها، والربط فيما بينها برابط موضوعي، وإخضاعها لمناهج الكتابة التاريخية، لنقدم للعالم تاريخا يليق بنا، يستسيغه المتلقي العادي، ويحترمه المؤرخ المتخصص، ويحفظ لنا حقنا في صفحات النضال".

أما الإعلامي مصطفى المجعي فسألناه عن واقع الإعلام بشكل عام في مدينته مصراتة وبقية المدن المحررة ومدى نجاحه في ظل السقف العالي من الحرية الآن وما أفرزت التجربة من سلبيات فقال:

"لا يمكننا وصف واقع الإعلام في المرحلة الراهنة بالحرية اللامحدودة، صحيح أنه أكثر موضوعية وانضباطية، لحرصنا على ثورتنا ووعينا التام بخطورة المرحلة التي تمر بها البلد، وهذا الوعي كان لزاماً علينا ترجمته في الإعلام بصورة واضحة تعطي رسائل ومؤشرات للجميع، وتحشد الهمم وتعطي تطمينات للمستقبل".

مصطفى المجعي

ربما الأحداث تداعت بطريقة لم تكن محسوبة أو مدروسة وبالتالي غير منضبطة، وبالتأكيد انعدام الخبرة الكافية في الاعلام كانت وراء بعض التصرفات.

الكاتب الصحفي المخضرم عبدالله الكبير والذي كانت له اتصالاته المباشرة مع وسائل الإعلام عندما كانت بعض أجزاء وشوارع المدينة محتلة من قبل كتائب القذافي حدثنا عن ملاحظاته حول صدور هذا العدد الهائل من الصحف فقال:

"صدور هذا الكم الكبير من الصحف في مصراتة بعد ثورة 17 فبراير أمر طبيعي جداً، ويعد فرصة للشباب للتعبير عن أنفسهم، إضافة إلى أنه يعكس التنوع الفكري والثقافي في المدينة، الأمر الذي يتيح للقارئ أن يتعرف على التيارات الثقافية والفكرية المتنوعة".

الكاتب الصحفي أبوبكر البغدادي

ولا يتوقع الكبير استمرار صدور الصحف بهذا الكم في ظل المنافسة، إلا أنه يؤكد أن هذه المرحلة ستكون بمثابة مدرسة لتدريب كتاب وصحفيين يمارسون المهنة مستقبلاً.