خليل المياح: ثمة خفة في النظر إلى التاريخ الحديث

بقلم: عدنان طعمة الشطري
ازددت حياة واتساعا ونبوغا في موتك

بدءا وكما يقول القاص والمفكر الراحل خليل المياح نستعير من – دانتون – فكرته, لكنها على المستوى الفكري هذه المرة: الجرأة ثم الجرأة والجرأة!

ويسترسل المياح قائلا: اللافت إن ثمة خفة في النظر إلى التاريخ الحديث, يشهدها المرء ويسمعها تنطلق هنا وهناك في أواخر القرن العشرين, فبعد كل بحار الدم التي أريقت في ساحات المعارك بالضد من الكولونيالية, يأتي رجال دين من هذا الزمان ليدمغوا المعارك الطاحنة منذ تأميم مصدق للنفط وتأميم قناة السويس وحرب الجزائر وانتفاضات الأكراد, وقبل ذلك النزوع القومي ضد العسف العثماني, أقول إن بعض الرساليين كانوا يدمغون ذلك النزوع القومي بأنه من زرع "الكولونيالية"! وكان برهان الجماعات الرسالية الوحيد هو المصادرة, أي طرح فرضيات لا علمية ولا تاريخية, وحصل أن جماعة الأصوليين قد سقطوا في فخ التصور الازدواجي منذ بدايات تفتحهم على الدنيا, حينما رسموا الإنسان الحالي وكأنه كائن منشطر بين مدينة الله ومدينة الدنيا!

وبدءا أخرى, تضاف للبدء الأولى التي استهل بها مقاله الرصين – مدن الله الأموية والعباسية ذبحت الصالحين من البشر – يختصر الفقيد – المياح - إلى إن الدفاع عن التوحيد بالطريقة القديمة لم يعد مفيدا, فكلنا موحدون منزهون, لكن راهنية الزمن باتت تتطلب طرح فكرة التوحيد مرتبطة بتحرير الأرض والإنسان من كل الأصفاد.

بهذا الوعي المفارق – البصيرة – يخاطب – المياح - الآخر برفض السائد من الموروثات الفكرية القائمة ويقفز بعناصره الثقافية المتنورة دليلا تنويريا مزعزعا للماء الثقافي الراكد في أوردة الشريان الثقافي العراقي العام، ومحركا إياه تحت فرضيته الإنسانية "عسى أن يجد المرء شيئا نافعا في سطوره.

وكما جاء في كلمته الموجزة التي أهدى بها كتابه لي الموسوم "استقالة العقل أم استقالته" – والإهداء المقتضب هو "الكاتب القدير الأستاذ عدنان طعمة, أرجو قبول هديتي إليك راجيا إن تجدوا فيها شيئا نافعا لزمننا هذا مع حبي .. خليل المياح, الشطرة في 25/10/2010", وهذه المنفعة الثقافية المغايرة والكفاح التاريخي الفكري من أجل استجلاء الحقيقة في مدينة البشر, يثبت من خلالها صديقي وأخي الأكبر – المياح – أنه أستاذ ومعلم.

كان المياح "كشريعتي" و"الشهيد مطهري" مع اختلاف المدرسة الأيديولوجية التي ينتمي إليها, يواجه قوى طاغوتية محصورة في نطاق محلي ضيق, برهنت ومن خلال انحطاطها في التفكير والتحليل والطرح الشعبوي الساذج, على إن – المياح يتعامل مع عناصر فكرية حية وفعالة سيما وان رفض – المياح – للاستبداد الديني وقراءة التاريخ من زاوية ناقدة كانت تاريخيته تضرب عند المعصومين من آل بيت النبوة مثلما تثبت هذه الرواية:

جاء رجل إلى الإمام الصادق "عليه السلام" وهو مضطرب, فخاطب الإمام: يا ابن رسول الله هلكت. فسأله الإمام: وماذا حدث؟ فأجاب: إني شككت بوجود الله, فهدأ الإمام من روعه, وبدلا من تكفيره أو طرده قال له: الله اكبر هذا أول اليقين, فالله الذي عرفته وعبدته من قبل كان صنيعة خيالك وأوهامك, كان صنما صنعته أنت, ليكون آلة بيدك تستخدمها لصالحك. الآن شككت بذلك وحطمت ذلك الصنم, وقد بقي عليك أن تواصل طريق اليقين لتصل إلى الإيمان الصحيح.

أول اليقين هذا يعد حافزا واعيا ومحرضا للتحلي بروح البحث والاستقصاء والتمعن في التفكير.

ومعلمنا – المياح – اقتفى هذا الأثر في "الشك الاستقصائي وقال في مقاله وكما ذكرت سلفا "إن الدفاع عن التوحيد بالطريقة القديمة لم يعد مفيدا, فكلنا موحدون منزهون, لكن راهنية الزمن باتت تتطلب طرح فكرة التوحيد مرتبطة بتحرير الأرض والإنسان من كل الأصفاد". أو في دعوته لليساريين والليبراليين لاكتشاف أقاليم جديدة للمعنى, وزحزحة المعاني العتيقة عن مركزيتها وتفكيك مفردات عزيزة على اللاهوت, مثل الكفر والكافرين, والتنبيه بأن العرب القدامى أطلقوا مفردة الكافر على الزارع لأنه يغطي الحبوب بالتراب وعلى الليل الذي يغطي على الكون بالظلام.

وقبل أيام قلائل قرأت سلسلة دراسات بحثية باللغة الانكليزية لـ Stansberry & Associates Investment Research انطوت ديباجتها على الشؤون الخطرة لمضامين هذه الدراسات والتي ربما تمثل عامل خطر على القراء لناقوس الخطر الذي تدقه بأن العالم على كف عفريت بظهور الصين كقوة عظمى في مواجهة المعسكر الغربي الأميركي, وأوربا لم تعد دول آمنة في المدى القصير, أي لان أميركا وسائر المعسكر الغربي قد طبع تريليونات الورق من الدولارات تفوق الذهب ودون تغطية من الذهب, والآن قد انكشفت اللعبة, والصين التي لها ديون بذمة أميركا أوقفت الأخيرة عند حدها وطالبتها باسترداد الديون بعملة الذهب, وهذا ما سأسلط عليه الضوء في دراستي القادمة عن الرعب العالمي.

أقول عن قراءتي الاستقصائية لهذا الموقع البحثي الإستراتيجي الخطير تذكرت إشارة أستاذنا – المياح – في مقاله المعنون "العولمة تقرع نواقيس الخطر, قراءة في كتاب وحدة وصراع النقيضين" عن الأستاذ الخطير في "هارفارد" الذي يتنبأ بقيام عالم من الصراع العنصري والصدام الحضاري, ويخطط لحرب عالمية قد تنشب بين الولايات المتحدة والصين, تؤدي إلى دمار نووي, وقيادة إسبانية, برتغالية جديدة غير محسوب حسابها, تتهم بالمسؤولية عن هذا الدمار والخيال العدائي لدى الكاتب يجعله يصور اندفاعه (حشود) من الأفارقة إلى حطام السفينة الأوربية الغارقة, ثم يطلق صيحات التحذير من الخضوع للأمم الإسلامية والآسيوية, إنه يقرع ناقوس الخطر كما أشار المياح، مثلما يقرع الآن الموقع البحثي الخطير ناقوس الخطر واحتمالية التصادم والنزاع النووي بين الصين والولايات المتحدة أو ظهور الصين وروسيا والهند كقوى عظمى في العالم الجديد.

هذا هو خليل المياح, ولي ناصح من أولياء "البصيرة العلمانية" الناقدة, يأمر بالوعي والقراءة المغايرة والبحث الجاد والاستقراء المفارق والموقف النقدي, وينهى عن إسقاط الخرافة على التفكير وعدم الوقوع في فخ التصور الازدواجي ورسم الإنسان كائنا منشطرا بين مدينة الله ومدينة الدنيا.

وفي أكثر العهود ديكتاتورية وسوادا وإرهابا, وفي سنوات الحصار الدولي – الصدامي على العراق, كنت والأستاذ المياح والصديق القاص محمد خضير سلطان والشاعر عبد الواحد ناصر نقضي ساعات وساعات في الحوار الواعي والنقاش الدؤوب, فينبري المياح بتواضعه الجم ودماثة أخلاقه ونزوعه الثقافي الناضج, يثير التساؤل هنا, ويدلي بدلو مغاير هناك, ويرسخ فكرة عميقة بالجمع بين جمالية المفردة الفلسفية ومتانة الطرح الرصين وقدرته الثقافية الفائقة في إعادة إنتاج التفكير على أساس أيديولوجي يساري وتقدمي اعتنقه منذ طفولته الفكرية الأولى وحتى وفاته وهو في عنفوان بدنه الشبابي وحركته الجسمانية الرشيقة, ذهابا وإيابا إلى المقهى ومقر الحزب الذي ينتمي إليه, بالرغم من إن عمره قد ناهز الثمانين عاما.

وفي أكثر العهود طغيانا ومصادرة للحريات, استولى "بعثي" على مقال من مقالات أحد كتاب المعارضة للنظام السابق, وفيها عبارة "الحرب العراقية الإيرانية المجنونة" فعاش المياح محنة التفكير وهاجس الخوف من ردة فعل منظمة الحزب الفاشية آنذاك, وعشت وإياه المحنة في التفكير وكيفية إيجاد تخريجه من هذا الامتحان القاسي في دولة الأمن السرية, فأسديت له نصيحة الهجرة والسفر الفوري إلى شمال العراق, إلا أن دخول شخصية مؤثرة في هذا الإشكال المدمر حالت دون تطويره وترحيل هذا المقال إلى دائرة الأمن.

في السنتين الأخيرتين من حياته, شكا لي "أبو ممدوح" من حملة ظالمة شنها عليه مدعي مدعوم من قوى طاغوتية اجتماعية مبتذلة, والذي يقوم باقتطاع جملة أو فقرة مبتورة من كتابه "استقلالية العقل أم استقالته" لتشويه سمعة خليل المياح والإساءة إلى فكره في الأوساط الشطرية العامة، ومحاولة طحن صيته الاجتماعي بعبارات الزندقة والهرطقة والإلحاد والتمرد على مدينة الله.

إلا إن الأب والمفكر والمعلم "أبو ممدوح" غير قابل للهزيمة إزاء الجهلة والسذج والخرافيين والمبتذلين والمنحطين, فمكث فكره وعلمه وما دبجت يراعه في الأرض الصالحة وازداد حياة في موته وذهبت مع الريح ادعاءات المدعين و"تقولات المتقولين وفبركات المفبركين, جفاء إلى مزبلة التاريخ.

قال لي مرة إن شذاذ الآفاق من منحرفي الوسط الثقافي الشطري والمحسوبين عليه قد اجتمعوا وانفروا واخرجوا عليك خفافا وثقالا لتسقيطك اجتماعيا والحط من قدر شخصيتك, فازداد إعجابي بك لأنك لم ترد, ولم تطرف لك طرفة عين وتركتهم يأتون ويطحنون ذاتهم ويعضون على نواجذهم حسرة على عدم سماعهم كلمة "آه" منك.

وقبل أسبوع ونيف من انتقاله إلى العالم الآخر كتب لي مادحا أيما مدحا, ومثنيا أيما ثناء على أحد مشاريع مؤلفاتي, مشيرا فيها إلى انه كتب للشاعر الكبير فاضل عزاوي, بأن الشطرة تستحق أن أعيش فيها لأنها مدينة عدنان طعمة.

أذكر ذلك ليس مدحا لذاتي أو أريد ان أعطي انطباعا نرجسيا عن نفسي, ولكن أتشرف وابتهج وافرح لشهادة مبدع مثل خليل المياح عني, وذات مضمون هذا الرأي والشهادة قد أخبر به صديقنا الحبيب شاكر حسين دمدوم, كما ابتشر وتتهلل أساريري طربا وتنتفخ أوداجي فرحا, لما أقرا الشهادات القصار التي أرسلها لي شيخنا الجليل طالب السنجري, والنائبة شذى الموسوي, ودكتور هادي المالكي الأمين العام للحزب الليبرالي العراقي وغيرهم وسواهم وعشرات الأسماء من أهالي الشطرة الشرفاء والعراق التي هزت ضميري هزا والذين تركوا تعليقاتهم وعلى مختلف مواقع النت.

ومؤكدا يا أستاذي المبجل أنك فرحت في قبرك لما دونه المبدع قاسم عمران بشهادة قصيرة عني, عنوانها "هكذا تكلم عدنان طعمة" ذكر فيها خلال زيارته إلى "يزد الإيرانية" ووقوفه على قبر زرادشت, قائلا "هكذا تكلم زرادشت" و"وهكذا تكلم عدنان طعمة".

نعم أخي الأكبر خليل المياح, لقد ازددت حياة واتساعا ونبوغا في موتك.

Adnan.tumma@yahoo.com