اختبار صيام رمضان: العراق، سلطة واحدة ام سلطات؟

بقلم: موفق الرفاعي

من وجهة نظر دينية فان صيام رمضان واجب شرعي نص عليه القرآن وأكدته السنة النبوية وتواترت الأخبار عنه وحفظته لنا الأجيال جيلا عن جيل حتى لم يعد فيه مجال لنقاش او اختلاف.

في كل عام حين يحل شهر رمضان تعيد الدول ذات الاكثرية الإسلامية اصدار بيانات منع المجاهرة بالإفطار (الإفطار العلني) تذكيرا به وتحذيرا من عقوبات قانونية للمخالفين.

لا نعلم على وجه التحديد تاريخيا متى سن اول قانون يمنع المجاهرة بالإفطار ولا من اول من اقره فأضحى سنة متبعة. فكتب الفقه لم تحفظ لنا عقوبة لمن يجاهر بالافطار وكذلك النصوص المقدسة.

في العراق حلّ رمضان هذا العام وسط ارتفاع حاد بدرجات الحرارة بلغ عشرة درجات فوق معدلاتها الاعتيادية مع تراجع كبير في الطاقة الكهربائية.

الحكومة العراقية وكما جرت العادة في كل عام أصدرت بيانها التذكيري التحذيري بمعاقبة المجاهرين بالافطار وحذت حذوها في ذلك المجالس المحلية في المحافظات لكن اجهزة الداخلية قد تكون تغاضت عن ذلك وتساهلت في تنفيذ القرار ربما تقديرا منها لظروف المناخ والبلاد.. شدة الحرارة وطول ساعات النهار واستمرار انقطاع التيار الكهربائي.

غير ان هذا التغاضي لم يعجب بعض التيارات الدينية وبخاصة تلك التي لها وجود في الشارع العراقي مثل التيار الصدري، حيث حذر الجهات المسؤولة من عدم تطبيقها للقرار وبأنه سيقوم بتطبيقه وعلى طريقته الخاصة و"تشكيل مجاميع من الشباب" في حال استمرت السلطات المعنية في تغاضيها عن ذلك وتوعد المجاهرين بالافطار باشد العقوبات ومنها ربطهم على "أعمدة الشوارع".

هذا ما صرح به مدير مكتب الشهيد الصدر في مدينة الناصرية نصير الموسوي. (اصوات العراق: 8/8/2011)

***

العراق دولة مدنية والناس فيها احرار في خياراتهم. هذا ما يقره الدستور الذي صاغته ووافقت عليه جميع اطراف العملية السياسية ومن بينها التيار الصدري، وتقاعس او تساهل الجهات الأمنية او غيرها في تطبيق وتنفيذ القوانين لا يعني في كل الأحوال ان تقوم اطراف او مجموعات او اية جهة اخرى بتنفيذه، لان ذلك سيفتح الباب واسعا امام اي طرف اخر ليتبنى ذات الطرح في قضايا اخرى.

هناك من يرى عكس ما يراه التيار الصدري وغيره من التيارات الدينية والمؤسسات الفقهية، ويعتبر الافطار في رمضان او المجاهرة فيه حرية شخصية ومنعه من ذلك يمس جوهر الدستور ويقيد الحريات. فهل سيكون مقبولا مثلا ان تشكل تلك الاطراف مجاميع هي الاخرى ايضا لتمنع الناس من الصيام لانها تراه تحديا لمشاعرها وتسفيها لرؤاها فتربط الصائمين على اعمدة الشوارع؟

فتطبيق القوانين وتنفيذها منوط بجهات حددها الدستور والقانون وتواضع عليها الناس فاصبحت عرفا حتى في غياب اية مادة دستورية او قانونية تخولها تلك الصلاحيات وليس من حق اية جهة اخرى تحت اي ظرف ان تطرح نفسها بديلا عن تلك الاجهزة.

ثم ان الناس احرار في التعبد والتدين وهي علاقة ما بين الانسان وخالقه وليس لبشر او مؤسسة الحق في التدخل بهذه العلاقة او تنصيب نفسه محاميا عن الله ولا يتحمل اي منا وزر الاخر ان هو اخل بتلك العلاقة.

في الشارع والأماكن العامة كما ان هناك الصائم والمفطر "عصيانا" فهناك ايضا المريض والمسافر والشيخ الذي لا يطيق الصيام وكذلك المرأة الحامل والطفل الذي لم يبلغ وقد رخصت النصوص لهم ذلك، والطقس شديد الحرارة بما لا يمكن للجميع تحملها.

هناك ايضا عمال البناء وغيرهم منن يعملون تحت اشعة الشمس المباشرة في هذا الصيف اللاهب، هؤلاء الا يحق لهم الافطار في رمضان؟

ولنتصور ان احد اولئك المشمولون برخصة الإفطار احتاج الى شربة ماء او بلغة من طعام ينقذ بها نفسه التي تشارف على الهلاك وهو في شارع او في مكان عام، هل يا ترى يجيز الشارع اهلاك النفس؟ الم يقل: "ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة"؟ (سورة البقرة: آية 195)

لست مع الذين يجاهرون بالافطار تعمدا او تحديا لمشاعر الصائمين او يدعون اليه فان ذلك عمل غير اخلاقي في مجتمع غالبيته مسلمة، والكثرة فيه صائمة، لكني ضد ان تنوب جهات ينحصر دورها في الوعظ والارشاد ودعوة الناس بالتي هي احسن فتنوب عن الجهات المخولة بتطبيق القوانين، لاننا بهذا نفتح المجال واسعا امام فوضى لا تحمد عواقبها.

حتى اذا اخذنا الموضوع على اساس القول السائر.. "الأجر على قدر المشقة" فان الافطار العلني بقدر ما يشكل تحديا لمشاعر الصائمين فهو ايضا يشكل تحديا للنفس امام المغريات وبذلك يكسب الصائم ثواب ذلك مضاعفا حين يصمد أمامها.

على الجهات المسؤولة في الدولة ان تواجه مثل هذه الدعوات بشيء من الحزم وان تحذر الداعين اليها من العقوبة تحت طائلة القانون فلسنا في غابة لكي يأكل فينا القوي الضعيف.

ولا مسوغ ابدا لأحد ان يقول ان ذلك حماية للدين فالدين هو دين الله وهو من تكفل في حمايته.

ان تعدد الاراء في قضايا الدين وتفسير النصوص امر شائع منذ القدم وهو ليس جديدا ولذلك كانت المدارس الفقهية المتعددة والكثيرة حتى داخل المذهب الواحد في الدين الواحد.

ان التيار الصدري الذي استحق الثناء من الناس حين شكل مجاميع لتنظيف الشوارع في بعض المناطق لا يليق به ان يشكل مجاميع تربط الناس على اعمدة الكهرباء في الشوارع.

ارجو ان تكون هذه الدعوة هي رأي شخصي يخص الذي دعا اليها يتحمل وحده وزرها ومسؤوليتها القانونية والاخلاقية وان لا تكون رأيا لقيادة التيار لانه سيضر ذلك به كثيرا وسيثبت الاشاعات والاقاويل التي يتناقلها الناس عن ممارسات بعض مجاميعه غير المنضبطة.

نرجو ان نسمع من قيادة التيار الصدري ما يطمئن الناس على حيواتهم وحرياتهم ويبدد ظنونهم فيه.

موفق الرفاعي