الانقسامات تحول مليونية 'حب مصر' إلى ألفية

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
ضد حكم العسكر والإسلاميين

بعد أسبوع من الانقسامات والانسحابات التي خضع بعضها لضغوط من المجلس العسكري تارة ومن الحكومة المصرية تارة، خرجت "مليونية" جمعة "في حب مصر" بمشاركة أعضاء في ثلاثة طرق صوفية "الطريقة العزمية والشبراوية والهاشمية والائتلاف العام للطرق الصوفية" و31 حركة وحزباً.

وبدا واضحاً أن المشاركة الصوفية لم تكن ذات شأن على مستوى العدد حيث لم يتجاوز عددهم العشرات بسبب قرار الصوفيين تأجيل تظاهراتهم إلى الجماعة المقبلة فيما كانت الحركات والأحزاب المشاركة أكثر حضوراً وقوة وحماسة عدداً وفعالية وحماساً.

وأفطر ممثلو القوى الشبابية للحركات والأحزاب وقوفاً في الميدان، ولم يتوقفوا عن الهتاف والمسيرات، وحين انطلق مدفع الإفطار أفطروا على الماء والتمر وبعض العصائر، ليعودوا أشد بأساً مما كانوا عليه أثناء صيامهم، حيث كانوا قد تواجدوا بعد صلاة عصر الجمعة بأعداد قليلة، لكنها كانت تزداد مع اقتراب اطلاق مدفع الإفطار، فما أن انطلق حتى أصبحت القلة تتجاوز 10 آلاف متظاهر.

التظاهرة التي كان من المقرر لها ـ وإن لم يصرح بذلك مباشرة ـ أن ترد على مطالبات القوى الإسلامية بـ"إسلامية الدولة المصرية" كرست مسيراتها وهتافاتها وأغانيها لمناهضة إقامة دولة دينية أو عسكرية، مؤكدة على مدنية الدولة المصرية وأن هناك استعداداً للتضحية بالروح والدم من أجل مدنية الدولة المصرية.

الحوارات والنقاشات التي تتاح هنا وهناك في الميدان كانت تحمل مرارة استمرار الحكم العسكري لمصر، "حكم العسكر مش حيعود"، في إشارة واضحة إلى أن مصر تحكم عسكرياً منذ ثورة 1952، وما آلت إليه من خراب وفساد طالا كل جوانب الحياة ما كان إلا جراء هذا الحكم، الإصرار كان واضحاً على أن هناك تلاعباً من أجل استمرار العسكر في الحكم، وأن خططه باتت واضحة، تعيين محافظين عسكريين وشرطة للقبض على زمام الأمور في مختلف محافظات الجمهورية، عودة الإعلام الحكومي صحفا وإذاعات وشاشات إلى سالف عهدها من تمجيد وتقديس وتأليه لقائد المجلس العسكري، والمجلس نفسه، وأيضا العمل على الوقيعة بين القوى الثورية والأحزاب والتحالفات، وحكومة باتت مع الوقت مجرد سكرتارية للمجلس العسكري، ومحاكمات فلكلورية لا ترقى إلا مستوى الجدية، وتخوينات تطال العديد من القوى التي قامت بالثورة.

الحوارات لم تخل من مناوشات بعض رجال الأمن في الزي المدني وأفراد من الإسلاميين الذين ربما أتوا بدافع الفرجة ومتابعة التظاهرة، الذين كانوا يدافعون عن إسلامية الدولة المصرية، رافضين إقامة دستور جديد للبلاد، أو إدانة المجلس العسكري، وكانت محاولات إقناعهم شاقة وغير مجدية.

المنصة التي أقيمت داخل الميدان واصطف عليها عدد من قيادات الصوفية والأحزاب والقوى المسيحية، بدأت متأخرة جداً، ففيما كان الميدان يغلي وترتفع في سمائه الهتافات والشعارات المناهضة للعسكر والمطالبة برحيل المشير محمد حسين طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان والمجلس العسكري برمته، وإقامة دولة مدنية، كانت المنصة ما تزال تحت الإعداد والتجهيز، وحين بدأت، بدأت بالأغاني الوطنية لشادية وغيرها من المطربين.

الحديقة التي تتوسط الميدان والتي كانت حتى الأول من رمضان حيث نزل الجيش وأزال كل ما عليها من معتصمين وخيم، تم احتلالها بآلاف من قوات الجيش وجنود الأمن المركزي، وقد جرت محاولات لاقتحامها من قبل المتظاهرين باءت بالفشل، على الرغم من عمليات الكر والفر التي بدت واضحة على خطط قوات الجيش المسيطرة، فما أن يتجمهر المتظاهرون بكثافة في جهة يتم تكثيف أعداد قوات الجيش والأمن المركزي، حتى إذا حانت اللحظة هجمت قوات الجيش وتراجع المتظاهرون.

محاولة واحدة كادت تنجح في اقتحام قلب الميدان أو كعكته الخضراء، وسط هتافات "الشعب يريد تحرير الميدان"، وأغاني تندد بالمشير وحكم العسكر، وعندها نزلت قوات الجيش إلى الميدان وخرجت عن رباطة جأشها وثباتها الذي التزمت به، وبدأت في ضرب المتظاهرين، لكن المتظاهرين لم يرشقوا الحجارة على قوات الجيش بل جاءت الحجارة من خلف قوات الجيش حيث تتمركز قوات الأمن المركزي، مما اضطر المتظاهرين لرشقهم بزجاجات المياه الفارغة.

ولولا نجاح بعض القوى الشبابية للثوار في تهدئة الأجواء برفع شعار "سلمية سلمية"، ونهر من بدأوا يبادلون قوات الجيش بالحجارة، لأصبح الأمر دموياً، حيث أن قوات الجيش لم تكن مسلحة بالهراوات الخشبية الغليظة فقط بل كانت مسلحة بالأسلحة الرشاشة، لكن يبدو أن هناك تعليمات مشددة بضبط النفس على جانب قوات الجيش.

وانصبت الهتافات على المطالبة بدولة مدنية، لا دينية ولا عسكرية، وشددت على الوحدة الوطنية "أصل الثورة هلال وصليب"، "باسم الوحدة الوطنية مصر دولة مدنية"، "الدين لله والوطن للجميع" ونددت برفع أعلام بخلاف العلم المصري، في إشارة إلى العلم السعودي الذي رفع في جمعة لم الشمل التي استولى عليها السلفيون والإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية وأنصار السنة وغيرهم من القوى الإسلامية، بل إن بعض الهتافات حملت طالت المملكة العربية السعودية "يا مشير يا مشير قول للسلفيين هنا مصر مش السعودية"، "يا مشير يا مشير قول للسلفيين هاتوا اخواننا المعتقلين في السعودية"،"يا اللي بتاجروا باسم الدين مصر لكل المصريين"، "صور صور الشعب المصري مش حيبيع".

التواجد الأمني والعسكري المكثف الذي يذكرنا مشهده بمشاهد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، حيث أحيطت شوارع الميدان عشرات العربات تمتلئ بقوات الأمن المركزي، لم يحل دون ارتفاع الهتافات الرافضة لحكم العسكر "يا مشير قول لعنان عمر الثورة ما حتموت"، "البلطجي أبو درع وشومة قال ايه عامل حكومة"، "الشعب يريد إسقاط المشير"، "مصر دولة مدنية مش عاوزنها عسكرية"، "عسكر عسكر احنا في سجن ولا ايه"، "ارحل ارحل سبها للثوار ولا عوزها تصبح نار"، "اكتب على حيطان الزنازين حكم العسكر عار وخيانة".

وهاجمت بعض الأغاني قوات الجيش واتهمتها بالتواطئ مع المجلس العسكري ضد الثورة، وضرب الثوار في العباسية يوم توجهوا لمقر المجلس العسكري، وفي ميدان التحرير يوم فض الاعتصام، مصممة ومتوعدة للثأر من مرتكبي الواقعتين.

يذكر أن المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قام بزيارة مفاجئة لميدان التحرير عقب صلاة الجمعة، وذلك للاطمئنان على أفراد الشرطة العسكرية المتواجدين بالميدان، وبقي المشير داخل سيارته خلال تفقده، قبل أن ينزل لدقائق، إلا أن الجماهير هتفت فور نزوله: يا مشير قول الحق..أنت معاهم ولا لأ؟ مطالبينه بالقصاص للشهداء، فبادر بالحديث إلى بعض الجماهير، إلا أن الهتافات دفعته للعودة إلى السيارة لنتنهي الزيارة التي لم تتعد دقائق معدودة.