حنون .. المعلم الذي كاد أن يكون رسولا

بقلم: زاهر الزبيدي
الذكرى الحلوة

في بداية سبعينيات القرن الماضي، مدينة البصرة، مدرسة الفتوة الابتدائية للبنين، كان فصل الشتاء للتو يغادر المدينة ببطء، ولكن البرد الذي كنا نعانيه قاسياً، حتى ليخيل لك أن أصابع يديك تتجمد ولا من وسيلة لتدفئتها، شبابيك الصفوف بلا زجاج حيث تأتي إليك الرياح الباردة مباشرة من أحد قطبي الأرض محملة برذاذ المطر، وأنا أدخل إلى صفي لا أستطيع أن أتخيل كيف ستكون أصابعي إذا ما عاقبني المعلم على تقصير ما. الويل لمن يعاقبه المعلم. الغريب أني اكتشفت أن تلك الضربات من عصا الخيزران تدفئ الأصابع على رقتها وقوة العصا بل أنها حتى تشعلها ناراً ترى شرره يتطاير من بين أظافرك.

وعندما نعرف أنها حصة الأستاذ "حنون" تنتابنا سعادة بالغة أكبر حتى من قلوبنا الصغيرة، ولكن عقولنا الهشة تستدرك من هو الأستاذ حنون، مدرس اللغة العربية والرياضيات، في ذلك الوقت، كون لهذا الأستاذ قلب كبير يسع العراق وأطفال العراق على حجم الحنان الذي يتلاطم في ذلك القلب، وما قرّبنا منه كثيراً هو شعورنا بذلك الحنان يطفق كحمامة بيضاء فوق كل شيء يقوله وعلى طريقة تعاونه معنا. فعندما ينتهي الدرس يسألنا: من منكم كتابه ممزق أو بلا غلاف يحميه. فينهض أغلب الطلاب يتسارعون لتسليمه كتبهم الممزقة القديمة فحينها لم يكن الطالب يستلم كتباً جديدة كل عام، بل تتداور الكتب عاماً بعد عام، حينها يجلب المعلم مسماراً رفيعاً ومطرقة ليبدأ بعمل أربعة ثقوب عند حافة الكتاب ليدخل بعدها إبرة كبيرة بخيط متين، ويبدأ بخياطة الكتاب وعندما يكمل تلك العملية يبدأ بتغليف الكتاب بما تيسر له من الورق، حينها لم يكن الورق الملون متيسراً وإنما كان ورق الأكياس الورقية التي كانت تستخدم في ذلك الوقت، ويلصقه ثم يغلفه بقطعة من ورق النايلون ويلصقه بإحكام وتبدأ يده بخط اسم الطالب وصفه وشعبته ثم ينادي باسمه ويناوله الكتاب مع بسمة عذبة لشعوره بأنه قد قدم شيئاً في زمن اللاشيء.

ونتناوب الوقوف أمامه كلما انتهى من تغليف كتاب ثم ينتابنا الفضول ونجتمع بحلقة حوله لنرى تلك اليد التي أتحفها العمر وشرايين يده البارزة الملونة كانت أمراً مستغرباً لدينا لأن أيدينا كانت غضة جداً، أما التجاعيد التي ترسم خطوط عمره فكانت مثار دهشة لأحد الطلاب من ذوي السحنة السوداء في صفنا ويدعى نجم، كان يناديه المعلم بـ "أبو سهيل" ولم نكن نعلم في حينه معنى سهيل فكنا نغرق بالضحك، وهو كان يحزن لذلك لأن أحدا منا أخبره أن أبو سهيل مثل "أبو بريص"!

كان زمناً أغرقنا أنفسنا بالضحك واللهو حتى لطغت علينا روح الفكاهة التي ننثرها على طريق عودتنا من المدرسة، على الرغم من كون بيتنا بعيداً جداً عنها وتفصله مساحة مفتوحة من الأرض تقارب الكيلومترين، وفي الشتاء تمتلي ببرك مياه الأمطار والأطيان فنرى صعوبة كبيرة في اجتيازها بأحذيتنا ذات المقاسات الأكبر من مقاسات أقدامنا، فكل أحذيتنا كان أهلنا يشتروها لنا أكبر من المقاس لتبقى معنا زمن أطول أو أن يكون قد أتتك هبة من أخيك الأكبر، فتراه أجرداً أملحاً وكأنه قد خاض به كأس العالم، فتعافه النفس ولكنك ستكون مجبوراً على لبسه لأن قوانين العائلة كانت صارمة جداً والوضع المعاشي لعموم العوائل كان منخفضاً بشدة، ناهيك عن كون العوائل كبيرة نسبياً وتحتاج الى ميزانية كبيرة لأدارتها لا يمكن سدادها بالأجور المدفوعة فهي لا تسد سوى الرمق لكثرة الأفواه.

في يوم الأيام كان الأستاذ "حنون" يعلمنا كيف نصبر على الحياة مهما كانت صعبة وكان يحدّثنا، على حداثة سننا، عن المستقبل على الرغم من أننا لا نعلم ما معنى المستقبل حينما سألته يوماً عنه أجابني بدعاء عريض أن يوفقنا الله لحب الوطن وخدمة والدينا وحينما أنهى دعاءه، أكمل قصته مع والديه وكيف أنهم كانوا يأكلون "الخبز والبصل"، وكم كان لذيذاً لأنه كان من مال حلال، وليس كما تأكلون اليوم "التمن والمرق".

لا أخفي عليكم كم أستهوتني قصة "الخبز والبصل" تلك وعندما عدت الى البيت في ذلك المساء الشتائي دعتني والدتي لأتناول طعامي فأبيت حينها إلا أن أكل "خبز وبصل" فرفضت خوفاً عليّ من حرارة البصل ففي حينها لم يكن هناك بصل بارد، بل كان ذلك الفحل الأحمر الذي تصعد نار حرارته الى الدماغ مباشرة، ومع إصراري رضخت أمي وأعطتني نصف قرص من الخبز ملفوفَة بداخله قِطعْ من البصل الأحمر، فأخذت تلك "اللفة" وانطلقت الى بركة من الماء الآسن خارج البيت وجلست أراقب الضفادع الخضراء وهي تتقافز فيه، ومع أول قضمة من تلك الوجبة أحسست أن لهباً من نار يصّعد إلى أُمّ رأسي ليخرج من أنفي وأذنيَّ ويصل الى عينيَّ حتى بدأت لا أميز طريقي إلى البيت محاولاً الوصول إلى أقرب صنبور ماء لأضع فمي فيه وأطفي الحريق الذي نشب في لساني. لا أدري أين تركت وجبتي، ولكني لم أعد بها للبيت لقد كادت تفقدني وعيي.

في صباح أحد الأيام الدراسية، وفي وقت الفرصة أقترب أحد الطلبة الصغار من الخِزانة الخشبية ذات الأبواب الزجاجية بفضول جياش لينظر للأشياء التي يحتفظ بها المعلم بداخلها، وحاول جاهداً الوصول إلى الرّف العلوي من الخِزانة الخشبية ولكن دون جدوى، فقام بجلب أحد المقاعد الدراسية وقربها من الخزانة ليصعد عليه وينظر الى تلك العلبة الزجاجية التي يحتوي على سائل داكن وفجأة صرخ صرخة مدوية أطاحت بأدمغتنا الصغيرة، وفررنا معه هاربين من الصف، لا نعلم لماذا فرَّ راكضاً، وقادتنا تلك التظاهرة الصبيانية الى غرفة المدير ونحن نصرخ حتى أخرجنا جميع المعلمين الذين حاولوا أن يفهموا ما حدث فكانت كل دلائل الصراخ تشير إلى أن أمرأَ خطيراً قد حصل في المدرسة وهي المدرسة الهادئة حد السكون.

كان المعلمون يحاولون أن يستبينوا من الطلاب ما الذي حدث، ولكننا جميعاً لا نعلم لماذا عصفت بنا تلك الصرخة لهذا الحد وجعلتنا ننجرف وراء ذلك الطالب بتلك الطفولية البريئة، حتى الخوف من المجهول الذي قد ينتصب أمام جبنك البريء لم يكن كما الآن، وعجزوا حتى وصلوا الى ذلك الطالب، قائد تلك المظاهرة، واستشفوا من الأمر أنه شاهد أفعى ملتوية داخل الإناء في الصف فأخذه الخوف منها حتى الموت، عندها كان الهدوء يبدل ملامح الفزع على وجه معلمنا، ليمسكه ويقبل رأسه ويقول له لا تخف يا ولدي أنها أفعى ميتة وهي محنطة لكي تروها وتتعلموا منها وأخذه إلى دورة المياه ليغسل وجهه ولكن ذلك لم ينفعه بشي لأن ذلك الطالب كان قد بلل سرواله من شدة الخوف.

أه .. كَمٌّ هائل من الذكريات لا يذيب نشوتها الزمن وهي التي تبعد عنا بعشرات السنين لقد كانت أياماً مميزةً مع ذلك المعلم الذي تجاوز كل حدود الإنسانية في التعامل معنا وألفناه مثلما نألف آباءنا وأخوتنا الكبار. شعورنا معه كان فرصة كبيرة لبناء الذات والشخصية وكبرنا بضع سنين على ذلك الحنان، وفوق كل ذلك كان أباً.

عندما نعود الى منازلنا الغارقة في الظلمة والتي يعمدها الفقر ونجلس عند موقد الفحم ذلك، نسترجع مع دفئه دفء ذالك القلب لمعلمنا ونستذكر قصصه أمام أهلنا حتى ملوا منها أو قد بدأت الغيرة تدب بهم من ذلك الصنف المبجل من البشر.

وفي يوم من أيام الشتاء حضرنا الى الدوام وبدأت مراسم البدء به والتجمع الصباحي في الساحة الكبيرة وبعد بعض التمارين الرياضية التي دأب مدرس الرياضة على أن نقوم بها لنتجاوز بها برد الصباح القارس، وقف مدير المدرسة لإلقاء الكلمة الصباحية. وفجأة لم تكن تلك الكلمة سوى وداعية لأستاذنا الكبير "حنون" لكونه قد بلغ السن القانونية وتمت أحالته على التقاعد. لم نفهم في باديء الأمر معنى التقاعد كنا نظنه أنه الموت. ثم سمح لأستاذنا أن يلقي كلمته الأخيرة أمام طلبته / أبنائه.

بدأ معلمنا الكلام بأنه أحب هذه المدرسة وأحب كل الطلاب حتى الكسالى منهم أملاً في أن يتفوقوا يوما، ونصحنا بأن نحترم جميع معلمينا وأنه سوف يكون قريباً منا وسيعودنا بين الفترة والأخرى. لقد كنا مصدومين جداً في هذا الصباح الرديء. ولكن واحدا من الطلبة في الصف الخلفي أشعل فتيل البكاء في داخلنا ويبدو أن حنجرته لم تستطيع خنق تلك العبرة التي أكتنز بها، مما أدى إلى بكائنا جميعاً حتى أن واحدا بدأ يصرخ وكأن أباه فارق الحياة! لم يستطع أحد أن يوقف بكاءنا غير أن يأمر مدير المدرسة بأن يبدأ طابور الطلبة بالدخول الى الصفوف الدراسية وآخر نظرة لي إلى الأستاذ "حنون" انه قد أخرج منديلاً بلون السماء وجعل يمسح الدموع عن عينيه، تلك العيون التي نظرتنا يوماً بعين الألفة والحب، سوف نفارقها ولا من أمل باللقاء، عندما دخلنا الى الصف وجلسنا الى مقاعدنا تفاجأ المعلم الذي أتى ليعطينا الدرس الأول بان الجميع يجهش بالبكاء متكأً برأسه على مقعده، تاركاً العنان لأنواع الأصوات التي يصدرها النشيج الذي يأذن ببدء الفراق. الفراق الذي لم نهيئ أنفسنا له لأننا كنا نعتقد أن كل الأشياء الحلوة في الحياة ستدوم لأنها حلوة، ولا شيء في أنفسنا أحلى من معلمنا!

تلك كانت نهاية التواعد اليومي مع ذلك الجبل من الحنان. ومرت الأيام وأصبح الصف مظلماً بعض الشيء وكنا نجلس في الحصة ننتظر انتهاءها بفارق الصبر لنغادرها مهرولين نحو الساحة الكبيرة. لنجلس في ظل إحدى البنايات ونستذكر ذلك الحلم الذي لم نعد نراه ولم نعد نسمع منه شيئاً بعد آخر سلام بعثه لنا مع معلمنا الجديد الذي كان لا يبهرنا منه شيء إلا بدلته الجميلة. وعادت كتبنا الى التمزق ولا من مخيط يخيطها ودخلنا في دوامة الطفولة، وتداركنا وضعنا أو تدارك النسيان ذلك الحزن الذي عصف بنا يوماً.

وفي آخر يوم من أيام المدرسة، وبالتحديد في يوم توزيع النتائج النهائية كنا ننظر إلى الشارع الطويل أن يأتي لنراه ونقبله كما كان يقبل رؤوسنا يوماً، ولكن اليوم شارف على النهاية ولا من خيال يعبر الشارع حتى ... وانتهى اليوم وبدأت العطلة. وما انتهت تلك الذكرى الحلوة عن "أستاذ حنون".

ومضت السنين وكبرنا وكبرت معنا دعواته التي استجاب الله لها ووفقنا بدعاء ذلك الرجل الطيب، وتزوجنا وأصبحنا آباءً، ودأبنا على محادثة أطفالنا عن ذلك الأستاذ الكبير ننقل تلك الذكريات بأمانة. وكم تمنينا أن نرسل له رسالة عندما ننتهي من كل مرحلة من مراحل الدراسة عسى أن يفرحه ذلك مثلما أفرحنا أياماً. أدعو الله أن يكون الأستاذ حنون، إن مات، يسير الآن مع الملائكة. ولم لا .. وهو من كاد أن يكون رسولا.

زاهر الزبيدي

zzubaidi@gmail.com