ليبيا: عيد الفطر القادم بألوان الثورة

كتب ـ محمد الأصفر
بيض صنائعنا سود وقائعنا ** خضر مرابعنا حمر مواضينا

بعد استحواذ وطغيان اللون الواحد، وهو الأخضر سياسيا على المشهد الليبي في جميع المجالات، حيث تجده في كل مكان وأينما يممت ووجهك، المحلات التجارية أبوابها خضراء، ومن لا يطلي بابه بالأخضر يتم قفل محله من قبل الحرس المحلي وإن احتج يُقاد للتحقيق، وتوجه له تهمة معاداة الثورة وأطروحاتها الخالدة الواردة في "الكتاب الأخضر". ها هي الثورة تعيد ليبيا إلى طبيعتها من حيث التعددية اللونية والثقافية والسياسية ضاربة بمفهوم النظام الشمولي الديكتاتوري إلى عرض الحائط.

ليبيا ليست خضراء فقط فهي صفراء وحمراء وسوداء وبرتقالية وزرقاء. وليبيا ليست قبيلة واحد أو طائفة واحدة أو مكان واحد، فهى بلاد متنوعة تتضافر فيها الإنسانية جميعها عبر عدة قبائل عربية وأمازيغية بيضاء كقبائل جبل نفوسة وسمراء كالطوارق وتباوية ويهودية وزنجية ومالطية ويونانية وبلقانية وغيرها. ومن هنا لو تتبعنا مهرجاناتها الفلوكلورية ورقصاتها وأغانيها وملابسها وأكليماتها وعباءاتها وخردواتها ومقتنياتها القديمة المحبوكة من سعف النخيل ومنحوتاتها على الصخور الصحراوية لرأينا ثراء لونيا مبهجا جميلا. لا لون غائب في تاريخها القديم والذي حاول النظام الديكتاتوري طمسه عبر بث ثقافة اللون الواحد وإقصاء كافة الألوان الأخرى المعبرة عن تاريخ الشعب الليبي وأساطيره القديمة.

بفضل الثورة عادت رايتنا ذات الألوان الأربعة لترفرف من جديد ولتضفي على الفضاء البصري تشكيلات جميلة لا تمل العين من رؤيتها. هذه الألوان تحولت إلى حناء على الأكف وعلى رسومات على الخدود والجباه. وصارت الملابس الآن خاصة ملابس الأطفال تتكون قطعها من أقمشة بألوان علم الاستقلال. عادت إلى ليبيا هويتها المفقودة. وصار شعبها في الغرب والشرق والجنوب والشمال يلتف حول هذه الألوان ويعتز بها ويتخذها ملابسَ يستر بها جسده الحر الذي حاولت الدكتاتورية أن تعريه عبر جعله عبدا لها وعبر جعله يعيش فقيرا خائفا جاهلا مريضا متخلفا. عاد بفضل ثورتها وعلمها ذي الألوان الأربعة: أبيض أسود أخضر أحمر. الألوان المعبرة عن بيت الشاعر القديم الذي قال:

عرس أمازيغي ليبي .. ألوان مبهجة وأجواء مرحة

بيض صنائعنا سود وقائعنا ** خضر مرابعنا حمر مواضينا

التاجر الشاب أشرف بن حريز، وهو تاجر ملابس وأحذية في شارع عشرين بسيدي حسين، يقول الثورة نشطت لنا التجارة قليلا. فتحت لنا خيارات جديدة كي نجدد في تصميمات الأزياء التي نستوردها من الصين ومن تركيا. في عيد الفطر لهذا العام ستظهر هذه الألوان الثورية الأحمر والأسود والأخضر والأبيض في معظم الأزياء التي سنبيعها للناس في العيد، خاصة أزياء الأطفال، لكن في الأحذية لا يمكننا استخدام هذه الألوان إلا بدرجة طفيفة جدا تجعل الحذاء ملائما للزي المحاك من أقمشة بها ألوان الثورة.

ويذكر أن التجار الكبار وخاصة في الصين وتركيا استثمروا حدث ثورة 17 فبراير سريعا فسارعوا بإنتاج العديد من المقتنيات مثل الأعلام والقبعات والأساور والبروشات، ومع نجاح الثورة واعتراف العالم بها وتحقيقها للانتصارات واصلوا عملهم في إنتاج ملابس للرجال والنساء والأطفال تحمل ألوان الثورة، وها هو ميناء بنغازي البحري منذ أسابيع يستقبل البواخر الجالبة للسلع المختلفة والتى من ضمنها ملابس العيد، هذا العيد المبارك الذي سيسر به كل الناس كونه أول عيد من دون الطاغية القذافي.

حناء القماش وحناء الكف

في شارع الشريف ببنغازي نلتقي تاجر القماش كبلان الذي يستورد أقمشته من دبي. يقول الآن هناك تغيير في طلبيات الأقمشة. في عهد القذافي دائما اللون الأخضر مطلوب كثيرا من أجل أعلام الاحتفالات الكثيرة التي ينظمها النظام، ويضيف بمكر وبمزح وكذلك اللون الأبيض الذي يطلبه الناس من أجل تكفين الموتى.

الآن اللون الأحمر والأسود عليهما طلب. هما لونان من ألوان علم الاستقلال. الآن علينا أن نستورد الألوان بكمية متساوية مع جعل طلبية اللون الأسود أقل. لأنه في علم الاستقلال مساحته نصف مساحة اللون الأبيض والأخضر.

وعموما الآن عادت لنا الحرية في عدم استيراد أي لون لا نريد. وما عاد أحد يفرض علينا توفير لون معين. كل الكميات المخزنة في المخازن لدى معظم تجار الأقمشة تم استهلاكها في الأعلام. المواطن الليبي لا يحبذ العلم الورقي أو البلاستيكي الذي توفره له المطابع والقرطاسيات، يريد علما من قماش يرفرف بقوة مثل الثورة.

راية الثوار تعانق عمارة مسجد المرج

هذا العيد نتوقع أن نرى ثراء لونيا هائلا، تتجسد فيه كل ألوان ليبيا الحرة. ستكون الفرحة أكبر لو تحقق النصر النهائي على الطاغية وتحررت العاصمة وصارت ليبيا كلها موحدة.