انخفاض أسعار النفط يضع الاقتصاد الإيراني في مأزق

طهرن
السياسة الاقتصادية لنجاد تؤكد فشلها..

تحظى ايران باشادات نادرة من صندوق النقد الدولي باعتبارها أول مصدر رئيسي للنفط يقدم على خفض الدعم الحكومي للطاقة والغذاء لكن مكاسب الاقتصاد الذي يعاني من آثار العقوبات الدولية قد تكون مهددة بسبب الاعانات الحكومية الباهظة واحتمال خروج التضخم عن السيطرة.

وفي ظل ارتفاع حاد في أسعار الخبز والكهرباء والبنزين بعد أن قلصت السياسة الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس محمود أحمدي نجاد أموال الدعم بمقدار 60 مليار دولار يقول الكثير من الخبراء ان الصندوق رسم صورة وردية أكثر من اللازم لبلد سيكون من بين أكثر البلدان تضررا اذا انخفضت أسعار النفط أكثر من ذلك مع تباطؤ الاقتصاد العالمي.

وقال صندوق النقد الدولي في تقرير "قليلون هم من قد يشككون في أن هناك حاجة الى إصلاح أسعار الطاقة المحلية في ايران."

ووصف التقرير سعر البنزين المدعم عند 0.10 دولار للتر حين كانت الاسعار العالمية نحو دولارين بأنه "لا يمت للواقع بصلة ولا يمكن استمراره أو تبريره بأي نظرية اقتصادية."

وعلى مدى سنوات اتفق الساسة الايرانيون على أن الدعم -وهو ارث سياسة ثورية تهيمن فيها الدولة على الاقتصاد لتوزيع عائدات الثروة النفطية الايرانية الهائلة- اسراف وشطط لكن الرئيس أحمدي نجاد المناوئ للغرب وهو في فترته الرئاسية الثانية قرر التصدي لذلك.

وقال صندوق النقد في تقرير أصدره في يوليو تموز بعنوان (ايران- التسلسل الزمني لاصلاح نظام الدعم) "في 18 ديسمبر 2010 رفعت ايران أسعار الطاقة والمنتجات الزراعية المحلية نحو 20 مرة مما يجعلها أول دولة رئيسية مصدرة للنفط تخفض الدعم غير المباشر لاسعار الطاقة بنسبة كبيرة."

وبالرغم من ارتفاع مفاجئ في سعر البنزين بنحو سبعة أضعاف وارتفاع أسعار الخبز الى مثليها لم تحدث أعمال الشغب التي توقعها بعض المحللين. وربما تتذمر الطبقة المتوسطة الايرانية لكن اعانات شهرية قيمتها 455 ألف ريال (نحو 43 دولارا) لكل رجل وامرأة وطفل تقدموا بطلب للحصول عليها خففت من وطأة الامر لاسيما بالنسبة للاسر محدودة الدخل كبيرة العدد.

وأشار التقرير الى أن "التطبيق الناجح للزيادات الحادة في الاسعار أتاح لايران فرصة نادرة لاصلاح اقتصادها وتسريع النمو الاقتصادي والتنمية."

لكن يرى كثير من الاقتصاديين أن مخاطر اصلاح الدعم تسبب تضخما مدمرا وأن الحكومة قد لا تتمكن من المحافظة على مستوى الاعانات النقدية اللازمة للحفاظ على القوة الشرائية خاصة اذا حدث تراجع في أسعار النفط.

ولم يتجنب صندوق النقد هذه المسألة وقال في تقرير منفصل عن الاقتصاد الايراني ان التضخم يشكل خطورة كبيرة.

وأضاف في التقرير الذي نشر هذا الشهر "... سيؤدي التضخم الهائل الى تاكل سريع في أسعار الطاقة المحلية والدعم الموجه بالقيمة الحقيقية وخفض الحوافز المقدمة للشركات لاعادة الهيكلة وهو ما سيبطل فعليا المكاسب الاولية لاصلاح نظام الدعم."

وقال محافظ البنك المركزي محمود بهماني في 27 يوليو تموز ان التضخم في ايران قفز الى 15.4 في المئة في شهر حتى 21 يونيو حزيران ليسجل ارتفاعا مطردا منذ أن بلغ أدنى مستوى في 25 عاما عند 8.8 في المئة في أغسطس اب 2010.

وتساور الشكوك الايرانيين الذين وجدوا فواتير الطاقة وتكلفة الغذاء ترتفع بشدة بعد خفض الدعم.

وكتب الاقتصادي الايراني سعيد ليلاز في صحيفة روزيجار ذات التوجهات الاصلاحية في 25 يوليو "لم تعد الاحصاءات تخدم أي غرض لانه لا أحد يصدقها."

وأبلغت ايران صندوق النقد انها تتوقع أن يؤدي خفض الدعم الى ارتفاع التضخم الى 22 في المئة قبل تراجعه الى سبعة في المئة "في الاجل المتوسط." ويقول الصندوق ان التضخم سيرتفع الى 22.5 في المئة هذا العام من 12.4 في المئة في السنة الفارسية 2010-2011 ثم يتراجع الى 12 في المئة في 2012-2013.

وقال جواد صالحي اصفهاني استاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة لرويترز "أسلم بان التضخم المرتفع خطر حقيقي. سيبدد أثر اصلاح نظام الدعم ويفعل أكثر من ذلك." لكه أضاف "لا يشكل خطرا كبيرا في المرحلة الحالية لان الحكومة تدرك فيما يبدو ان عليها خفض التوقعات التضخمية."

وقال باتريك كلوسون رئيس المبادرة الامنية لايران في معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى ان طهران تعي تماما خطورة التضخم وستبذل جهودا كبيرة لابقائه منخفضا لكن عن طريق سياسات ستخنق فرص النمو الاقتصادي.

وأضاف "اذ ظلت أسعار النفط مرتفعة فسيكون من الممكن استمرار اغراق البلاد بالسلع المستوردة وهو ما سيكون قيدا قويا على التضخم في أسعار السلع لكن ثمنه سيكون اضعاف القدرات التنافسية للمنتجات الايرانية وبالتالي تسريح الناس من أعمالهم.

"ما استشفه من سياسات الحكومة الحالية هي انها غير مهتمة بشكل خاص بالاقتصاد المنتج لذا ربما تخفض التضخم بالفعل."

وجاءت الاجراءات الاقتصادية التي اتخذها أحمدي نجاد بينما كانت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي يشددان عقوباتهما على ايران بسبب برنامجها النووي.

وقالت ايران مرارا ان العقوبات ليس لها تأثير يذكر لكنها أثنت الشركات الغربية عن الاستثمار في حقول النفط والغاز الايرانية الحيوية وتسببت القيود المالية في منع ايران من الحصول على مليارات الدولارات مقابل صادراتها النفطية الى الهند وكوريا الجنوبية وهما من كبار عملائها.

وأشار صندوق النقد الى أن "العقوبات الدولية الجديدة في 2010 رفعت بالفعل تكلفة تشغيل الاعمال وقلصت الاستثمار الاجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا وأضرت بالتجارة الدولية والتعاملات المالية."

وفي تعليقاته في ختام تقرير الصندوق أوضح جعفر مجرد المدير التنفيذي المختص بايران في صندوق النقد مدى الجدية التي تتعامل بها طهران مع تهديد العقوبات.

وكتب قائلا "في حال استمرار هذه العقوبات لن يكون امام ايران أي خيار سوى قطع امدادات النفط والغاز عن الاطراف المهتمة بها وهو ما قد يمتد تأثيره الى أسواق الطاقة."

وقال صالحي اصفهاني انه لا يمكن تحميل العقوبات مسؤولية المتاعب الاقتصادية التي تعانيها ايران الا جزئيا.

وتابع "أصبحت العقوبات جزءا كبيرا من المشكلة لكن في الماضي كانت سياسات الحكومة مشكلة أكبر. تضررت القدرات التنافسية لايران بشدة بارتفاع التضخم المحلي مقارنة ببقية دول العالم. والان بزيادة أسعار الطاقة."

وتوقع صندوق النقد الدولي أن يبطئ اصلاح الدعم وتيرة النمو الاقتصادي الى 2.5 في المئة هذا العام من 3.2 في المئة في 2010-2011. لكنه أضاف أن الاعانات النقدية ستساعد على دفع الاقتصاد وبالتالي سيرتفع النمو بشكل مطردة الى 4.5 في المئة بحلول 2014-2015. وتتمسك ايران بمستوى النمو المستهدف عند ثمانية في المئة في الفترة من 2010 الى 2015.

وأضاف صالحي اصفهاني أن هذه التوقعات مفرطة في التفاؤل ما لم تحدث قفزة كبيرة في أسعار النفط تسمح بزيادة ضخمة في الانفاق العام.

وتابع قائلا "نظرا لان الحكومة توقفت عن نشر بيانات الناتج المحلي الاجمالي فمن الصعب القول ما الذي سيحدث. لكن نموا في نطاق واحد الى اثنين بالمئة أمر وارد نظرا للانشطة الاستثمارية التي تنفذها الحكومة نفسها."

ويرى كثير من الاقتصاديين ان سياسة ايران في ربط عملتها بالدولار تمثل أحد أكبر كوابح النمو.

وبالرغم من خفض قيمة الريال بنحو 11.5 في المئة في الثامن من يونيو -في محاولة لتقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر الذي يدفعه معظم الايرانيين بالفعل لشراء العملة الصعبة- فان سياسة طهران المعلنة هي الابقاء على الريال مستقرا.

وبينما قد يساعد هذا في كبح التضخم يتوقع اقتصاديون أن يكون له اثار مدمرة على الصناعة الايرانية التي تكافح لمنافسة الواردات الرخيصة ولبيع السلع الايرانية في الخارج.

وكتب الاقتصادي الايراني ليلاز في مقال في صحيفة أرمان ذات التوجهات الاصلاحية يوم 18 يوليو "الكم الهائل من السلع المستوردة يقلص القدرات التنافسية للانتاج المحلي بما بين 10 و12 في المئة سنويا."

ويقول صالحي اصفهاني ان سياسة الصرف الايرانية "تستغل أموال النفط لتمويل الاستهلاك الخاص ثم تتوقع من الناس أن ينافسوا الصينيين."

وبينما أشاد صندوق النقد باصلاح نظام الدعم باعتباره وسيلة لادخال اليات السوق الحر الى الاقتصاد الايراني عبر العديد من الساسة عن قلقهم بشأن حالة الشركات الخاصة.

ونقلت صحيفة القدس ذات التوجهات المحافظة عن شهريار طاهربور العضو في لجنة الصناعة بالبرلمان قوله في الثامن من أغسطس "بحسب بعض المعلومات .. نحو 50 بالمئة من طاقة الصناعات التحويلية في القطاع الخاص معطلة."

وفي اطار خطة اصلاح الدعم يمكن للشركات شأنها في ذلك شأن الاسر أن تتلقى اعانات نقدية حكومية لمساعدتها على مواجهة الارتفاع المفاجئ في التكاليف لكن ليس من الواضح مدى انتشار أو فاعلية هذه الاعانات.

ويقول العديد من الاقتصاديين ان هناك سقفا للمساعدات النقدية التي يمكن أن تتحملها طهران. وقال كلوسون انه مع وجود 73 مليون ايراني يحصلون على 455 ألف ريال اعانات شهرية فان تكلفة النظام الجديد تقدر بنحو 36 مليار دولار سنويا.

وهذا يشكل 35 في المئة من 103 مليارات دولار هي عائدات صادرات النفط والغاز الايرانية التي يتوقع صندوق النقد أن تحققها ايران. وهي نسبة سترتفع بسرعة اذ واصلت أسعار النفط انخفاضها مع عودة الركود العالمي من جديد.

وقال الخبير الاقتصادي موسى غني نجاد في مقابلة مع صحيفة اعتماد الاصلاحية في الرابع من يوليو "لا أظن أن هذه الاعانات الشاملة ستستمر.

"يقول الناس لبعضهم البعض ان هذه المدفوعات ستستمر للابد. هذا أمر سلبي على اقتصادنا ومستحيل بالنسبة للدولة."

ويتفق صالحي اصفهاني مع هذا الرأي ويقول "يجب على الدولة ألا تسمح باستخدام عائدات النفط بشكل مباشر في تمويل الاستهلاك كما في حالة المساعدات النقدية بل أن تنفقها على البنية التحتية والتعليم لكي تكون أموال النفط سببا في تقدم القدرات التنافسية للايرانيين لا تراجعها.

"يحتاج هذا الى تغيير كاسح في عقلية الايرانيين وليس فقط حكومتهم.. لكي يدركوا أنه ليس من حقهم أن يتمتعوا بمستويات معيشة كتلك التي في دبي لمجرد أنهم يمتلكون النفط. يجب أولا أن يكونوا منتجين."