رغم ضآلته، النفط السوري يصب بقوة في مصلحة الأسد

بروكسل - من ديفيد برنستروم
إلا النفط!

رغم تفاقم اراقة الدماء في سوريا لا يبدو أن الدول الغربية ستمارس ضغوطا على الرئيس السوري بشار الاسد بفرض عقوبات على قطاع النفط الحيوي في أي وقت قريب.

وعلى الرغم من أن دولا مثل تركيا والسعودية زادت الضغوط السياسية على سوريا في الاونة الاخيرة فان معارضين ومحللين يقولون ان وجود انقسامات بين الدول الاوروبية وعدم الرغبة في التضحية بمصالح تجارية شجعا الاسد على المضي في حملة القمع التي يقول نشطاء انها أسفرت عن مقتل أكثر من 1600 شخص.

وتنتج سوريا نحو 400 ألف برميل نفط في اليوم وتصدر الجزء الاكبر من 150 ألف برميل يوميا الى دول أوروبية من بينها هولندا وايطاليا وفرنسا واسبانيا.

وعلى الرغم من ضآلة هذه الصادرات على المستوى العالمي يقول نشطون انها تجلب ملايين الدولارات يوميا لحكومة الاسد مما يمثل نحو 30 في المئة من دخلها.

واستمر الاتحاد الاوروبي في اتباع نهج فرض العقوبات على نطاق ضيق على الرغم من الزيادة اليومية في عدد القتلى بين المتظاهرين واستخدام الدبابات ضد المحتجين المناهضين لحكومة دمشق.

وفرض الاتحاد أربع جولات من العقوبات على سوريا منذ مارس/اذار وأخضع 35 شخصا بينهم الاسد الى تجميد أصول وحظر الحصول على تأشيرات واستهدف شركات لها صلة بالجيش السوري متورطة في قمع المعارضين.

لكن الدول الاوروبية لم تمس قطاع النفط السوري. وشركة رويال داتش شل الانكليزية الهولندية وشركة توتال الفرنسية من كبار المستثمرين في قطاع النفط في سوريا.

وعبر الاتحاد الاوروبي الاسبوع الماضي عن صدمته بسبب "المذبحة" التي تعرض لها مدنيون في مدينة حماة السورية واتفق سفراء الاتحاد بعد ذلك على توسيع قائمة العقوبات في الاسابيع المقبلة وقالوا انه يجب وضع توسيع "نطاق" القيود في الاعتبار.

لكن مسؤولين في الاتحاد الاوروبي يقولون ان أي خطوات أكثر صرامة ضد المصالح الاقتصادية السورية والتي قد تشمل قطاع النفط لن تطرح للنقاش على الارجح قبل انتهاء العطلة الصيفية للاتحاد في أغسطس/اب.

وفي أحدث اجتماع لسفراء الاتحاد الاوروبي دعت ألمانيا الدول الاوروبية الى "النظر في خيارات العقوبات الاقتصادية" لكنها أضافت أنها نفسها "غير واثقة" من أن هذا هو الاسلوب الامثل.

وقالت بريطانيا ان الاتحاد يجب "أن يبدأ عملية بحث" فرض عقوبات اقتصادية وأشارت فرنسا الى احتمال فرض عقوبات على المصرف التجاري السوري.

وذكر مسؤول في الاتحاد الاوروبي أن الاجتماع اختتم بدعوة المفوضية الاوروبية وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الى وضع "ورقة خيارات" والاشارة الى أنه "من الجيد" أن تكون الورقة جاهزة قبل اجتماع غير رسمي لوزراء خارجية دول الاتحاد المقرر في بولندا يومي 2 و3 سبتمبر/أيلول.

ويرى محللون أن التراخي في مسألة العقوبات لا يضر فحسب بمصالح الاتحاد الاوروبي لكنه يصب مباشرة في مصلحة الاسد.

وقالت كلارا اودونيل من مركز الاصلاح الاوروبي "العقوبات في قطاع الطاقة ستكون خطوة مقبلة واضحة".

"لكن لو كان هناك اهتمام حقيقي بفعل هذا الامر لكان قد ذهب الى ما هو أبعد بالفعل. ان مستوى العنف الذي تمارسه السلطات السورية مستمر منذ فترة طويلة ومن المدهش أن نرى بطء النظر في توسيع العقوبات".

وأضافت "من الواضح أن رغبة صانعي السياسة الاوروبية في عدم الاضرار بالمصالح الاقتصادية لشركة ما قد تلعب دورا".

وقالت ريم علاف وهي خبيرة سورية في شؤون الشرق الاوسط بمركز تشاتام هاوس ان أسلوب الاتحاد الاوروبي ربما أدى الى اراقة المزيد من الدماء.

وأضافت أن الحديث كثيرا عن العقوبات دون فعل شيء أعطى في الواقع النظام ثقة بالنفس أكثر بكثير ويقينا أن بامكانه الافلات من العقاب.

ومن بين الاسباب التي تسوقها دول أوروبية تتردد في فرض عقوبات اقتصادية على سوريا أنها ستزيد بذلك من معاناة المدنيين وذلك على الرغم من أن المعارضين يقولون ان الكثير من السوريين سيتحملون معاناة على المدى القصير في سبيل المنفعة على المدى الطويل.

ولم تتمكن دول الاتحاد الاوروبي أيضا من الاتفاق على اعلان أن الاسد فقد شرعيته ويجب عليه أن يتنحى أو أن تفعل مثل ايطاليا وتسحب سفيرها من دمشق.

وقال دبلوماسي أوروبي "همنا الاساسي هو وقف القتل. لكن هناك منطق قوي للبعض يقول ان العقوبات الاقتصادية لن تفيد حقا. وهناك رأي اخر قوي يقول العكس".

وأضاف "لذا ليس هناك اجماع في الوقت الحالي".

وذكر مسؤول سويدي أن تباين الاراء حول تمديد العقوبات الى صناعة النفط والمؤسسات المالية يعني أن "احتمال توجيه رد قوي في الوقت الحالي يبدو ضئيلا".

وقال انه على الرغم من أن الولايات المتحدة ربما تريد الذهاب الى ما هو أبعد فانها "لا تريد اثارة الامر اذا لم تكن دول الاتحاد الاوروبي تؤيده أيضا".

ودعا متحدث باسم المعارضة السورية في أوروبا يدعى أسامة المنجد الى تمديد العقوبات الى مبيعات النفط السوري وشركتين للتسويق هما مؤسسة تسويق النفط السورية (سيترول) والشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (محروقات) بالاضافة الى المصرف العقاري السوري والمصرف التجاري السوري.

وأضاف أن فرض عقوبات على شركات النفط يعني تجفيف المصادر الرئيسية للتمويل والتي تستخدم لشراء رصاص لقتل الناس وحذر من حملة لزيادة الضغط الشعبي على الشركات الاوروبية وحكومات دول الاتحاد الاوروبي.

وقال انه اذا أرادت هذه الشركات والحكومات ربط أسمائها بصور أطفال مقتولين برصاص في الرأس فليكن.

ولم يتضح بعد مدى فعالية مثل هذه الحملة الشعبية مع الوضع في الاعتبار أن الرأي العام الاوروبي غير مهتم كثيرا بالتوتر في سوريا لانشغاله بمشاكل داخلية مثل أزمة ديون منطقة اليورو.

وقالت اودونيل "من سوء حظ سوريا أنها جاءت في ذيل قائمة الدول التي تشهد هذا التوتر. ان ما حدث في ليبيا جعل الحكومات دون شك أكثر حرصا في ردودها".

ولم تتحقق نتائج سريعة للتدخل العسكري في ليبيا كما لا توجد ضمانات على أن أي انتقال للسلطة في سوريا سيكون سلسا أو حتى مفيدا للمصالح الغربية الامر الذي قوض أي حديث عن الخيار العسكري في سوريا حتى من الناحية النظرية.

وصب كل هذا مجددا في صالح الاسد.

وقالت اودونيل "من المحتمل جدا أن يظل الاسد مسيطرا. حقيقة ادراكه أن الخيار العسكري مستبعد تماما يعني أن الأميركيين والاوروبيين خسروا أوراق الضغط ولا يمكنهم الاستمرار في الضغط عن طريق التلويح بأنهم قد يتدخلون".

وأضافت "يعلم الاسد أيضا أنه عندما يأتي الحديث الى الاوروبيين على وجه التحديد فانهم لا يملكون الاساليب العسكرية حتى التي تمكنهم من القيام بعمل كبير وذلك لانهم منهكون عسكريا في مناطق أخرى".