الكليّة الموضوعية والنمط الروائي

بقلم: صباح علي الشاهر
ينبغي التمييز بين التقليعات الآنيّة

الشكل الروائي هو تحويل على المستوى الأدبي للحياة اليوميّة، أو هو بديل لهذه الحياة في المجتمع الفرداني الناشيء عن الإنتاج لا من أجل سد الحاجات الإنسانيّة، وإنما من أجل السوق.

تتكون الفاعليّة الإقتصاديّة في ظل سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي من أناس موجهين أساساً نحو قيم التبادل، وهي قيم مهما سُوّغت تظل مُنحطّة، وأناس ينتجون في كل ميدان، ما يُسمى الخيرات الماديّة، التي قد لا تكون خيرات ولا مادية حتى، هؤلاء الذين يظلون رغم كونهم منتجين لهذه الخيرات موجهين أساساً نحو قيم الإستعمال أيضاً، وبذلك يقفون بسبب هذا، وبسبب الإستلاب والإغتراب، على هامش المجتمع، ويصبحون شاؤوا أم أبوا أفراداً إشكاليين، ومن هنا، فإن تعريف لوكاش للرواية الحديثة، أي فترة بلوغ الرأسماليّة قمة تطورها وإنحطاطها معاً بكونها "بحث عن قيمة حقيقيّة في عالم منحط" يتسم بقدر كبير من الصوابية، هذا التعريف الذي يبدو أنه ينطلق من المقدمة النظريّة الهامة في كون الواقع الإقتصادي والسياسي يلد دائماً بنيّة أدبيّة مطابقة له، ففي عالم انحطّت فيه القيم وانحلّت روابطه، فإنه من الطبيعي أن يتحطّم التجانس في الرواية التي يُعد تأريخها تأريخ صراع ضد الشروط اللا إنسانيّة التي تفرضها الحياة البرجوازيّة.

إن واحدة من أهم التحليلات الماركسيّة للفكر البرجوازي إنما هي نظرية صنميّة السلعة والتشيؤ، وهو ما يعتبره ماركس أحد أهم اكتشافاته، حيث يؤكد أنه في المجتمعات المنتجة من أجل السوق يفقد الوعي الجماعي بالتدريج واقعه الإنساني الفاعل والمتفاعل، المؤثر والمُتأثر، ويميل إلى أن يصير مجرد انعكاس للحياة الإقتصاديّة، ومن ثم، وبالتدريج يندثر تقريباً. إن هذا التشيؤ الذي أشار له ماركس ظهر في الرواية البرجوازيّة في نهاية الحرب العالميّة الأولى. ظهر في العالم العبثي لكافكا، و"الغريب" لكامو، ومن ثم في العالم التجريدي البحت لناتالي ساروت، والعالم المرّكب من أشياء مستقلة نسبيّاً لروب غرييه.

يمكن القول مثلا إن آلان روب غرييه، مُنظر الرواية الجديدة في فرنسا، عندما أعلن موت الرواية المعتمدة على بطل، وسخر من المهمة التقليدية للروائي كمبدع ومُصور للشخصيات، فإنه كان يُعبر بهذا القدر أو ذاك عن جانب شاخص في الحياة الرأسماليّة التي لم يعد فيها ثمة دور للأبطال، ولذا فإن لجوءه لتصوير الأشياء في العالم الخارجي دون تصويرها من داخل البطل، وتحويل الإنسان إلى مجرد رقم، يأتي منسجماً تماماً مع هدف تهديم دعائم الفن في الرواية وبشكل مطلق، مثلما يأتي متوافقاً تماما مع ما شخص من عداء الرأسمالية المحكم لجوهر الفن عموماُ، وللشكل الروائي بشكل خاص، وهذا الموقف يكثف الإستلاب والتهميش المتعمد للإنسان، الذي هو الجوهر الأساسي الجمالي في الفن الروائي.

روب غرييه يرى أن ما يشكّل قوّة الروائي بالضبط أنه يبتكر، وأنه يبتكر بكل حريّة، ودونما نموذج. وهو يرى أن الفن يقوم على حقيقة لم توجد قبله وأنه لا يعبر عن شيء إلا ذاته، وهو إذ يتساءل هل للواقع معنى؟ فإنه يجيب: لا يستطيع الفنان المعاصر الإجابة عن هذا السؤال، فهو لا يعرف شيئاً عنه.

لا خلاف في كون الروائي مُبتكر، ومُبتكر من طراز خاص، إلا أنه من الصعب إقرار غرييه بإن ما يشكل قوة الروائي إنه يبتكر دونما نموذج. وهذا ما ناقشه كامينسكي حيث بين "فلئن لم يجز الحكم على شيء في الرواية بحدود نموذج خارج عنها أسقطت الحاجة إلى أي نوع من أنواع التوثيق بالرجوع إلى الناس، وبالتالي فليس ثمة معيار موضوعي للتمييز بين استعمال الكلمات استعمالا صائباً أو خاطئاً، وكل ما يكتبه الروائي في هذه الحالة لا يجوز تخطئته فتغدو الرواية ضرباً من تحصيل الحاصل". (أليس كامينسكي - في الواقعية الأدبية – "نظرية الرواية" ص331.)

وعلى أية حال فإنه لا يمكن الزعم أن كل الأدب في المجتمعات البرجوازية، إنما هو أدب (المودرن) بكل تياراته، السرياليّة، التجريدية، أو (البوب آرت).. إلخ، ذلك لأن ثقافة المجتع البرجوازي تتضمن أيضاً، بالإضافة إلى الفن الإنحطاطي، فناً ديمقراطياً وإنسانياً رائعاً. وفيها أيضاً تزدهر الواقعيّة النقديّة، وتتطور مستلهمة ومستثمرة كل الإنجازات التقنية في التعبير.

ليس من الصعوبة معرفة أن هناك (ثقافتان) في المجتمع الرأسمالي، أحدهما رجعيّة ظلاميّة، تكرّس الإستلاب والعزلة والإنحطاط، وأخرى تقدميّة مرتبطة بالإنسان وطموحاته، ومدافعة عنه، إلا أنه يمكن القول إن النموذج الإنحطاطي في الأدب هو السائد في المجتمعات الرأسماليّة، وهذه النماذج تظهر كتقليعات لفترة، ثم تخبو لتحل محلها تقليعات أخرى، وهذه التقليعات هي في حقيقة الأمر صرعات لا تفرضها ضرورة إبداعيّة ولا حاجة ماسة للتعبير، وأحياناً لا تكون سوى هلوسة. غير أنه ينبغي التمييز بين التقليعات الآنيّة، والتي غالباً لا تترك أيما أثر، والتيارات الحديثة التي مهما بدت بدعة وغريبة، فإنها كانت ومازالت تسهم في إغناء الأدب وتزيده قدرة على التعبير الفني، مجنبة إياه السطحيّة والمباشرة التقريريّة.

ولنأخذ الرمزية مثلا كاتجاه فني دلّت في فترة ظهورها على بدء الإنحطاط في الفن، هذا الإنحطاط الذي تجلى في تصوير البطل المعزول عن الواقع وعن الحياة، والمقترنة بالمشاعر والميول الغيبيّة والتشاؤم واليأس وما إليه، وكل هذا في حقيقة الأمر لم يكن من إبتداع الرمزية، ذلك لأن هذا هو الواقع الذي كان يعيشه الإنسان، وهذه هي أحاسيسه التي يضغط عليها النظام الرأسمالي، وبالإضافة إلى هذا وذاك فإن ما أضافته الرمزية لتطوير التكنيك الروائي يشكل رصيداً غنياً لعالم الرواية، فالرمز الذي هو منح الأشياء الخارجية معنى داخلياً، لا يمكن تجاهله، ذلك لأنه ببساطة المعنى الإنفعالي والروحي لأفعالنا. إننا نزاول الرمزية في أفعالنا وأعمالنا اليوميّة، سواء في الأزهار التي نهديها لقبور الموتى، أم نصب الأبطال والشهداء، أم في قطعة القماش التي جعلناها علماً ثم قدسناه، أم في خاتم الزواج الذي طوّق أصبعنا.

جورج أمادو

إن الرمز يكثف المعنى بإيحاء تعبيري ملائم تماماً وضروري. ولا توجد أعمال أدبية مهما كانت درجة واقعيتها من دون الرمز، وكذلك من دون التجريد الذي هو استخدام الشيء بوصفه يمثل عدة إشياء، والنمطي بمعنى من المعاني هو تجريد.

كما يمكن الإشارة إلى أن التقليعات والتيارات الإنحطاطية لا تلاقي القبول التام من قبل أغلبية المعنيين بالرواية، ولا من قبل الروائيين ذاتهم في المجتمع البرجوازي، وإن كان العديد من الباحثين يُهلل لها، فعلى سبيل المثال، تقول أناييس نن ـ وهي ممثلة ـ ما يُسمى "برواية المستقبل" في أميركا، في معرض احتجاجها على منحى ساروت: "إن روايات ناتالي ساروت قد بلغت بالتجريد حداً من التطرف جعلها تُسمي إحدى رواياتها (إنتحاءات) ومعنى الإنتحاء هو التحول، أو حياة الخلايا قبل أي نوع من أنواع الوعي، وهي حياة بليدة، حياة دون مستوى الشعور. إن هذا التطرف في التجريد من الصفات الإنسانية لا يمكن القبول به".

ولا بد من الإشارة إلى أن الرواية كشكل أدبي لم تعد، ومنذ أمد بعيد، حكراً على المجتمعات الرأسماليّة، بل امتدت لتصبح الجنس الأدبي الأكثر انتشاراً في كل المجتمعات تقريباً، وواصلت تطورها وكرّست قيمها العاليّة في المجتمعات التي انتهجت طريقاً متباينأ مع الطريق الرأسمالي نهجاً لها، وهناك روايات أثبتت جدراتها في بلدان العالم الثالث، فأسماء: ميغيل أنجل إستورياس، اليجو كاربينتر، ماريو فارغاس للوسا، جورج أمادو، جوليو كورتازا، وغابريل غارسيا ماركيز، في أميركا اللآتينيّة معالم بارزة في عالم الروايّة. وفي العالم العربي أسماء تعني في عالم الرواية الشيء الكثير، أمثال: نجيب محفوظ، يوسف إدريس، يوسف السباعي، الطيب صالح، حنا مينة، عبدالرحمن منيف، الطاهر وطار، غائب طعمة فرمان، وغيرهم. وكذاك في الدول التي لم تدخل عضوياً في المجتمعات الرأسماليّة المتطورة بعد، مثل اليونان حيث يبرز مؤلف الروائع "المسيح يصلب من جديد"، و"زوربا"، و"الأخوة الأعداء" الروائي البارز كازانتزاكي، لهذا فإن ما يطرأ من تغييرات على الرواية في البلدان الرأسماليّة المتطورة، لا يمكن تعميمه والإدعاء بأنه هو الشكل المُعطى الشامل، فهناك في الجانب الآخر تتطور الرواية على نحو مغاير تقريباً، حيث تتكرس فيها وتتعمق قيم جمالية أساسيّة ويتعمق ويغتني مفهوم الشخصية الروائية (البطل) بإبعادها الشموليّة، الإجتماعيّة والسايكولوجيّة والتاريخيّة.