العراق.. معسكراً لجيوش وطنية وأجنبية وما بينهما

بقلم: عبدالغني علي يحيى

قطعاً لا يؤدي انسحاب الجيش الأميركي من العراق الى استقلال البلاد كما يزعم بعضهم، بعد أن تحول العراق منذ اعوام الى قاعدة عسكرية لجيوش وطنية واجنبية متعددة الجنسيات وما بينهما. فبالإضافة الى الجيش الأميركي المتواجد في وسطه وجنوبه هناك جيش تركي يقيم لما يزيد عن عقد في شماله، أي أقليم كردستان، وبالذات في بامرني والعمادية.

عدا هذين الجيشين، فأن في العراق الان جيشين وطنيين رسميين، شيعي، اي الجيش العراقي الذي يقوده المالكي القائد الاعلى للقوات المسلحة العراقية، والأشد شيعية من هذا الجيش ان جاز القول، هما جيش المهدي وقوات بدر، اللذان في حكم الخلايا النائمة ان جاز التشبيه، ويهدد الاول بالظهور مجدداً، اذا جدد بقاء القوات الاميركية في العراق، الا انه في واقع الحال، كالغائب الحاضر. وجيش كردي اي الجيش الذي تطلق عليه تسمية "البيشمركه" ويتمركز في محافظات أربيل والسليمانية ودهوك وكذلك المناطق المتنازع عليها الى جانب الجيشين العراقي والاميركي، ويخضع صورياً للمالكي وعملياً لرئيس الاقليم، اي البارزاني القائد العام للقوات الملسحة الكردية.

قد تستولي الدهشة على القارئ، إذا علم ان للسنة ايضاً جيشهم الموسوم بـ"المقاومة العراقية" حسب الوصف السني له، فيما يسميه خصومه من المكونين الشيعي والكردي بـ"المجاميع الارهابية" وبذلك فأنه غير رسمي، ناهيكم من أن رأسه مطلوب من قبل الجيشين الشيعي والكردي. وفوق هذا، فأن له القدرة على المواجهة، بفضل سياسة التوازن التي اعتمدها الاميركان من يوم احتلالهم للعراق والى الان في التعامل مع المكونات الأجتماعية، الشيعة والسنة والكرد، والذي انسحب على جيوشها تلقائياً ما جعل من الجيش السني ولما يتمتع به من مميزات، يتصرف من موقع الند للند مع الجيشين الوطنيين الاخرين، فله معامل لتصنيع الصواريخ والعبوات والاحزمة الناسفة وتفخيخ السيارات، فمخازن للاسلحة، واسلحة على اختلافها، الى جانب خبرات عسكرية، كون مغطم منتسبيه من ضباط الجيش العراقي المنحل، وله موارد مالية كبيرة تتقاطر عليه من الداخل والخارج، مخصصة في معظها للمجهود العسكري القتالي، وسبق للقادة الحكوميين العراقيين وان إتهموا مراراً جميع الدول المحيطة بالعراق، دون استثناء، بدعم ما سموه الارهاب أي المقاومة العراقية.

لقد عملت سياسة التوازن تلك على ثبات المكونات الاجتماعية العراقية الثلاثة بوجه بعضها بعضاً وبالتالي في مقاومة جيوشها لبعضها بعضاً. ويسعى السنة، علاوة على احتفاظهم بـ"المقاومة العراقية" الى تشكيل قوات مسلحة رسمية من ابناء المحافظات ذات الغالبية السنية من خلال حكوماتهم المحلية فيها. إلا ان الحكومة المركزية ببغداد بالمرصاد لمسعاهم، فصاروا خلافاً للشيعة والكرد، محرومين من غطاء عسكري رسمي يحتمون به وهم الذين ما انفكوا منذ سنوات يطالبون بانسحاب الجيشين الشيعي والكردي من مناطقهم ويظهرون الشكوى منهما باستمرار اذ يعدانهما جسماً غريباً ودخيلاً على مناطقهم. والحق يقال ان الكرد لا يريدون البقاء سوى في المناطق المتنازع عليها والمحافظات التي اشرنا اليها. في حين يصر الشيعة على نشر جيشهم في "المثلث السني". ففي محافظة الانبار السنية مثلاً، شدد الناس وحكومتهم المحلية على انسحاب جيش المالكي من محافظتهم، ولما تم لهم ذلك، فأن مجلس محافظتهم، وصف الانسحاب بنصر سياسي! وفي محافظة نينوى يعترض مجلس هذه المحافظة على تواجد الفرقة العسكرية العراقية الثانية الموالية للشيعة هناك، وفي اخر تصريح له شدد محافظ نينوى على إعادة التوازن الى الجيش العراقي على ان تكون لمحافظة نينوى حصة فيه (حصة للسنة) تتناسب والكثافة السكانية لها، على حد قوله.

مما تقدم قد يوحي بانعدام الصراع بين الجيشين الشيعي والكردي، أو بين الفصائل الشيعية نفسها كالمواجهات الدموية التي دارت بين الجيش العراقي وجيش المهدي قبل سنوات إذ بالرغم من تبوء عسكريين كرد لمناصب رفيعة في الجيش العراقي مثل رئاسة الأركان، الا ان الصراع محتدم بين الجيشين كما حصل في الخلاف على ميزانية البيشمركة، ومحاولات للجيش العراقي لايجاد موطئ قدم له في المناطق المتنازع عليها بالأخص، نجحت احداها في سد الموصل فاوامر بنقل الشرطة الكردية من خانقين الى مناطق عربية واحلال شرطة شيعة محلهم، واخرى استهدفت ارسال قوات للجيش العراقي الى داخل كركوك المرفوض اي الارسال من جانب الكرد.

ان تقاطع الجيوش الوطنية العراقية انعكاس للتقاطع بين المكونات الاجتماعية الثلاثة المشار اليها وامتد هذا التقاطع الى مكونات اجتماعية صغيرة مثل التركمان والمسيحيين الذين طالبوا بدورهم اكثر من مرة بتشكيل قوات خاصة بهم لحماية انفسهم من الهجمات الارهابية، إلا ان اياً من المكونات الاجتماعية الكبرى لم تعط اذناً صاغية لطلبهم.

تأسيساً على ما مر، فان لكل جيش من الجيوش العراقية الثلاثة، ولاء للمكون الذي انبثق عنه، فلا غرابة ان تلوذ حكومة المالكي بالصمت حيال الاعتداءات الايرانية والتركية المتكررة على مناطق الكرد، الحدودية الشمالية والشرقية لاقليم كردستان العراق وان ترفع - اي حكومة المالكي - صوت الاحتجاج على ايران، عندما تقدم جيشها امتاراً باتجاه حقل "الفكة" النفطي العراقي عام 2010 في محافظة ميسان الشيعية الجنوبية. عليه فأنه في ظروف العراق الراهنة من الصعب جداً التفكير بجيش وطني موحد للعراقيين مع صعوبة بل واستحالة حل او الغاء الجيوش الوطنية الثلاثة، أو إجلاء الجيشين الاميركي والتركي من العراق. والى جانب هذين النوعين من الجيوش، هناك قوات اخرى غير عراقية ترابط في العراق مثل قوات مجاهدي خلق الايرانية وقوات بزاك (حزب الحياة الحرة الكردستاني الايراني) ايضاً والمعارضتين للحكومة الايرانية، وهناك أيضاً قوات لحزب العمال الكردستاني التركي مضت سنوات على وجودها في العراق.

صحيح، ان الوجود العسكري الاميركي في العراق، لم يجلب السلم االجتماعي للعراقيين أو يحل من المشاكل التي تمزقهم، ولن يستطيع ذلك حتى اذا تم تمديده، ولكن لا يغيب عن بالنا، ان التوازن بين الجيوش الوطنية العراقة لا بد وأن يختل كتحصيل حاصل لانسحاب القوات الاميركية من العراق، آنذاك سيرتقي التناحر بين المكونات الاجتماعية العراقية وجيوشها الى مرتبة الحرب الاهلية والجبهوية التي ستزيد من الاوضاع سوءاً، ولا شك ان الوضع الحالي سيئ، ولكن بانسحاب الاميركان فانه سيزداد سوءاً، أي يحل الأسوأ محل السيئ ويتفاقم التناحر بين الجيوش الوطنية ومكوناتها الاجتماعية وبين كل من ايران وتركيا، كذلك وقد تدخل دول اقليمية اخرى في التناحر والصراع على العراق.

عبدالغني علي يحيى

رئيس تحرير صحيفة "راية الموصل"- العراق

Al_botani2008@yahoo.com