الأحلام: النافذة المطلة على اللاوعي

بقلم: د. سالم موسى
كل فرد له أحلام ذات 'بصمة' فريدة, لا تتكرر مطلقا

كنت أشاهد وعبر قناة فضائية شهيرة جدا, استضافة لأحد مفسري الأحلام, وقد هاتفته فتاة وشرحت له الحلم الذي شاهدته، وكان يدور حول أمر معين. المفسر يخيل لي انه ذهب بعيدا حينما قال: "أنت بحاجة الى رقية شرعية لان فيك عين او حسد". بعدها طلب مقدم البرنامج من الفتاة أن تعلق على تفسير الشيخ, لكن الفتاة كانت قد اغلقت خط الهاتف, ولا اعلم هل اقفلته ذعرا من كلام الشيخ ام ان هناك سببا آخر, فإن كان السبب هو الذعر فتلك والله طامة كبرى, وقد نقول إن الشيخ قد غرس في ذات تلك الفتاة نبتة الشقاء والمعاناة النفسية, خاصة اذا كان محيطها الأسري يدعم مثل هذه الافكار السودواوية.

في هذا المقال سأوضح بإيجاز وعلى ضوء الأبحاث العلمية, كيف يتم الحلم, ولماذا البعض لا يحلم البتة, وما علاقة الحلم بالبيئة, وهل يمكن تحت ظروف معينة ان يحلم الشخص أحلاما وردية وزاهية ولماذا؟ وسأستعرض بإيجاز الفروقات بين أحلام الرجل والمرأة, وسنتناول الدراسات التي تناولت أحلام الكفيفين وماذا يشاهدون صورا مرئية حقيقية في أحلامهم. ولماذا تباينت الدراسات حول هذه القضية, وفي الختام, الخلاصة, سنستعرض ونناقش بإيجاز المادة التي جمعت, راجيا ان تعم الفائدة المرجوة.

آلية الأحلام وواقعيتها ومحفزاتها

ترجع الفكرة القائلة "بأن الأحلام هي النافذة المطلة على اللاوعي", لعالم النفس الشهير سيجمون فرويد، ويعتقد "ان الرغبات والاماني والطموحات المكبوتة في اللاوعي هي مصدر أساسي للأحلام". والحقيقة ان هناك أبحاثا كثيرة خلصت الى معقولية فرضية فرويد.

حركة العينين السريعة

في بداية 1950 عرف وحدد العالمان ناثانيل كليتمان, ويوجين اسيرنسكاي, ما بات يعرف اليوم, بـ "نوم حركة العينين السريعة", وهي المرحلة الخامسة من مراحل النوم, والتي يعتقد أن الأحلام تحدث من خلالها, وقد تم تصنيفها الى فئتين: منشط وطوري. وقد تم اثبات ان نشاط جزء معين من الدماغ هو الذي يحدد مراحل الأحلام التي تصاحب حركة العينين السريعة (ويكيبيديا). وكان اعتقادهما أن الأحلام لا ترتبط بالعواطف ولا بالافكار.

الآن أصبح هناك ما يثبت ان الأحلام يمكن ان تحدث في المراحل الاخرى, وان الأحلام بمختلف انواعها لها بعض الدلائل والمعاني النفسية. فقد اكتشف أحد اطباء الاعصاب البريطانيين أن احد مرضاه توقف عن رؤية الأحلام, وكانت المفاجئة ان الجزء المتضرر في الدماغ لم يكن مسؤلا عن الـ "ار إي ام", وبناء عليه قرر الدكتور مارك سولمز, المتخصص في علم اعصاب الدماغ, دراسة عينة تقدر بـ 360 شخصا للاطلاع على ما جرى لأحلامهم. وقد وجد سولمز ثلاثة اشياء رئيسية:

الأولى: وجد أن الضرر الذي لحق بجزء من الدماغ - المسؤل عن فتح واغلاق الـ "أر إي إم" ليس له علاقة ولا تأثير على الأحلام.

الأمر الثاني: وجد ان الشخص الذي يقول إنه لم يعد يحلم ليس وحيدا, فقد وجد ان 47 حالة تضررت في جزء معين من الدماغ, وانهم لم يصبحوا غير قادرين على رؤية الأحلام نهائيا. ولم يكن مستغربا أن الجزء الدماغي الذي تعرض للضرر ادى الى فقدان التحلم, وقد اكتشف سولمز, "ان الجزء المتضرر في الدماغ كان مسئولا عن توليد الصور المكانية".

وكان أكثر المفاجآت اثارة, حسب سولمز, "ان المجموعة الثالثة من المرضى, كان لديها ضرر في الفصوص الامامية المربعية "الفينترومشل, واصبح معروفا بشكل دقيق العمل الذي تقوم به, ففيها يوجد قناة من الألياف تمر من خلال هذا الجزء من الدماغ, تساعد في نقله مادة كيميائية تسمى "دوبمين" وهي احد الانظمة "الدوبمينية" الرئيسية في الدماغ, وهناك نظام "دوبمين" واحد يحتوي مسبب مرض "باركنسون" وكان هذا النظام قد عرف بأنه معني بمرض انفصام الشخصية, والمجموعة الثالثة هذي كان لديها ضرر في هذا الجزء من الدماغ, ونتيجة لذلك, حدث أمران كما يقول سولمز:

الاول: لقد فقدوا الحلم تماما.

ثانيا: لقد أصبحوا عديمي الحس والعاطفة، وايضا كسولين، وقد فقدوا التلقائية والاستمتاع بالحياة. ويجيب سولمز "ان المدهش في الامر, ان هذا الجزء من الدماغ مهم جدا للتحفيز للوصول الى اعلى مراتب الطموح" ويؤكد, "انه قد لاحظ, ان جزءا من الدماغ يصبح نشطا بشكل قوي عندما يبدأ المدمن في البحث عن العناصر التي ادمن على تعاطيها", وهذا يعني حسب قوله, انها مرتبطة "بمحرك الالحاحات او الاحتياجات" لشيء ما, وليس لاي شيء اخر". ويؤكد, "ان هذا الجزء من الدماغ كان بشكل واضح وقوي مسؤلا عن الأحلام, وهذا يفيدنا بان الأحلام هي بذاتها مرتبطة ب ـ"محرك الحاجات" لأشياء لا يمكن ان نتوقعها".

وحينما سؤل سولمز عما اذا كانت هذه الاكتشافات تتفق مع نظرية فرويد, قال: "بالتأكيد انها كما كان يعتقد فرويد".

وقد سؤل ايضا, عن اهمية "الدوبمين" في مجرى احداث الأحلام, فأجاب: "ان افضل دراسة لشرح ذلك هي دراسة الـ فارماكولوجكل, أو الدوائية, وقد تمت بواسطة هارتمان ارنست, حيث توصل الى انه: "في حالة اعطاء شخص يغط في نوم عميق جرعة (ليفادوبا), ـ وهذا عقار يساعد في خلق ونشر الـدوبمين في الدماغ ـ فان هذا العقار سيجعله يحلم أحلاما جميلة وزاهية تمتد لفترات طويلة, وليس لها الاثر السلبي على آلية النوم" ويعتقد, "ان ذلك اكتشاف عظيم, لاننا من خلاله قد استطعنا عكس المعادلة بحيث اعطينا المرضى المدمنين عقارا يدعى (هاربيردل) وهذا العقار يمنع نشاط "الدوبمين". ولذلك هناك الكثير من التوافقات المثبتة التي تدعم بشكل واضح كيف يمكن لنا ان نفتح الحلم او نقفله, أي انه اصبح باستطاعتنا التحكم في الحلم عن طريق "الدوبمين" كما وان هناك شواهد تفيد بأنها لا تتعلق بحالة النوم ألـ ار أي ام.

ويؤكد الدكتور سولمز "ان ما نعلمه بشكل يقيني عن الأحلام الان, هو انها تعمل وفق النظرة الطموحة المكبوتة للفرد, وهي كذلك ليست افكارا عادية لكنها رغبات داخلية ملحة, وقد تعطينا بعض المفاتيح لمعاني بعض الأحلام خاصة فيما يتعلق بتاريخ الشخص, لكن من الصعب تعميم ذلك" واستطرد قائلا, "وقد تكون مؤشرا جيدا لنوع أو وضع الحالة الذهنية والنفسية للفرد وهذه بلا شك سوف تسهل علينا تشخيص بعض الامراض العقلية". (سولمز 1999).

ويعتقد ايضا, كما هو مقتبس في (مارانو, 2000), "ان الأحلام تقدم لنا عالما اصطناعيا لكي يبقى الدماغ مشغولا ولو بشكل مؤقت لتحقيق مطالبه الملحة في ممارسة انشطته التي لا تنتهي" ولذلك يرى ان مجال تفسير الأحلام ضخم جدا واننا بحاجة الى مزيد من الأبحاث والدراسات لنستطيع فك بعض شفراته العصية على الفهم والتحليل.

وليام دوموف عالم نفس شهير, وجد من خلال دراسة واسعة النطاق حول محتوى الأحلام, "ان الأحلام تعكس الافكار والاهتمامات التي يمر بها الحالم اثناء يقظته". بينما كارترايت وكازينياك يعتقدان "ان تفسير الأحلام ربما تكشف شخصية المفسر اكثر مما تشرح معاني الأحلام", وهما يعتقدان ان الأحلام تفسر او تشرح ما يدور في ذهن الحالم, اي انها سجل مبهم في غالبة عن شخصية الحالم, وان بعضها يمكن ان يكون مدخلا لتحليل وتفسير بعض العلل النفسية او الحالة الذهنية.

الفروقات بين أحلام الرجل وأحلام المرأة

خبير الأحلام ريتشارد ويلكيرسو، ( 2011) يوضح ان مجموعة من الأحلام الخاصة بالرجال والإناث, "تبدو أنها تظهر فروقات واضحة". ويستطرد, "وبغض النظر عما اذا كانت الفروقات تعود الى عوامل التنشئة أم الى عوامل هرمونية او وراثية, او انها تعتمد على طريقتنا في التعامل مع اطفالنا بموجب نوع الجنس, فإنه أصبح واضح لدينا ان أحلام الرجال تختلف عن أحلام النساء". ويرى ان بعض الدراسات اشارت الى ان الفروقات بدأت تظهر بين 3 الى 5 سنوات من العمر, وفق دراسة فان دي كاستل, (1994). واشار ويلكيرسو, الى ان الفروقات لدى الكبار تشمل الاتي:

ان أحلام الفتيات تحتوي على الكثير من الناس الذين لهم علاقة بها. ولوحظ انهن يبدون مهتمين جدا بمظهرهن. وان تفاعلاتهن تكون اكثر ودية, وان أحلامهن يتخللها اشارات كثيرة عن الطعام والملبوسات والكثير من الخصائص الانثوية. ولوحظ ان الاناث ذكرن أحلاما طويلة وفيها مشاعر فياضة بالحب والانس ومزخرفة بالالوان للتعبير عن هذه الاحاسيس والمشاع الدافئة.

بينما كشفت الدراسات ان الفتيان, يستخدمون نمطا مشابها من الأحلام, غير ان أحلامهم تميل الى الاشياء الداخلية, كالاهتمام بالأسرة والبيت. وان الرجال يحلمون كثيرا برجال مثلهم, ويكونون في حالة تنافس وصراع معهم. وقد وجد ان الاماكن الغريبة والخارجية هي السائدة في أحلام الرجال. ووجد ان السلوك العدواني يكون متساويا بين الجنسين الى عمر الـ 13, وبعد ذلك, يتناقص ذلك لصالح المرأة بينما يرتفع لدى الرجل. ولوحظ انه يقل كثيرا لدى الرجال بعد بلوغهم الثلاثين من العمر. أيضا, وجد ان المواجهات العدوانية عند الرجال تنطوي على تهديدات جسدية, بينما النساء وجد انهن يستخدمن التهديدات اللفظية. ووجد ان المرأة التي تعمل خارج المنزل تكون أحلامها أكثر مهنية واقل اهتماما بالشكليات الاسرية, وان أحلامها هادئة واقل عدوانية.

كاسل, يعزو ذلك الى ان المرأة ذات الادوار الثنائية تملك درجة عالية من الثقة بالنفس. والحقيقة ان علماء وخبراء الأحلام يوضحون ان تباين الأحلام بين الرجل والمرأة, لا تستند إلى أساس بيولوجي. بل أنها تعكس التباين في الخبرات والمواقف بين ما يمر به الرجال والنساء في حياتهم اليومية العادية. وانه لذلك, لا يوجد حلم مذكر وآخر مؤنث، بل هناك حلم يعكس حياة الرجل وآخر يعكس حياة المرأة, مؤكدين على ان العوامل البيئية والنفسية هي التي تحدد الكثير من ملامح هذه الأحلام.

الدراسات المتعلقة بأحلام فاقدي البصر

الكثير من الدراسات والأبحاث تشير الى ان الكفيفين بالخلقة, لا يرون في أحلامهم صورا حقيقية كما يشاهدها الاشخاص العاديون, والسبب في ذلك يعود الى ان الجهاز المسؤل عن انتاج الصور في الدماغ أصبح غير موجود نظرا لعدم تفعيله او تمكينه من العمل, ما جعل الدماغ يستغني عنه وينشط اجزاء اخرى في الدماغ معوضة لفقده.

ومن هذه الدراسات، ثلاث دراسات معملية (اماديو & غوميز, 1966, بيرغر, اولي& أوزوالد, 1962, وكير, فولكس, & شميث, 1982) والى جانب هذه الدراسات, هناك دراسة دقيقة تناولت ظاهرة الحلم لدى فاقدي البصر من خلال المقابلات الشخصية (هاروفتس دن دوموف& فيز 1999).

خلصت هذه الدراسات الى ان الكفيفين بالخلقة, وكذلك الاطفال الذين فقدوا البصر في مراحل مبكرة - 4 سنوات واقل - لا يرون صورا مرئية في أحلامهم, بينما فاقدو البصر في مرحلة المراهقة او في مرحلة اصغر, وجد انهم في الغالب يحتفظون بصور ذهنية بصرية ضبابية في أحلامهم وكذلك في يقظتهم.

والواقع ان معظم الدراسات, بما فيها الدراسات الآنفة الذكر, تنفي ان تكون الصور التي شاهدها الكفيفون بالخلقة في أحلامهم مشابهة للصور التي يراها الافراد العاديون, بل على الارجح ان الصور المشاهدة من قبل الكفيفين, كانت عبارة عن صور ضبابية وغير واضحة وبدون الوان, وان الكفيف بالخلقة, يرى هذه الصور بموجب التصورات المتخيلة لديه من خلال ما يسمع او يلمس, اي انها صور يتخيلها وليست مطابقة للواقع. طبعا, لماذا كانت مهمة تحديد ما اذا كان الكفيف يرى صورا حقيقية وبوضوح من عدمه, يعود الى عجز مفردات اللغة في توصيل المعلومة بشكل واضح, يعني لو طلب منك تشرح صورة معينة فأنت بكل تأكيد ورغم انك تشاهدها امامك الا انك لن تستطيع نقل ما تشاهده كما هو من خلال استخدامك للمفرادت اللغوية.

بيرتولو واخرون (2003) في دراستهم المثيرة, تناولوا الأحلام لدى فاقدي البصر, وخلصوا الى ان الكفيف يرى في أحلامه صورا حقيقية ليس بناء على الجزء الخاص بتكوين الصور في الدماغ, لكن من خلال استخدامه لخاصية التخيل وحاسة اللمس. وقد شرحوا في ملخص دراستهم، "ان الصور التي يراها الكفيفون في أحلامهم, هي (صور افتراضية) ويصفون هذه الصور بأنها (مفاهيم) قادرة على الترميز التصوري", وانها لذلك تماثل الصور التي يراها الشخص العادي.

وفي نقد قوي لهذه الدراسة, يعتقد الباحثان كير, ان,& دوموف, جي. (2004) أن بيرتولو وزملائه, اعتمدوا في تحليلاتهم على فرضيتهم التي ملخصها: "ان الكفيفين (الحالمين) باستطاعتهم رسم المناظر والاشكال في الأحلام كما يستطيع المبصرون رسم صور واشكال بصرية حينما يطلب منهم تغطية أعينهم". وبموجب هذه الفرضية, استنتجوا ان الكفيفين لا بد وانهم يمرون بتجربة "الصور البصرية" في أحلامهم. وهذا الزعم يراه الناقدان, "يناقض وبشكل مباشر مجموعة ابحاث حققت في الكيفية التي تجعل الكفيف يتخيل رسومات تصويرية اثناء خبراته في اوقات الاستيقاظ, وان هذه التصورات تكون في الغالب ضبابية وغير دقيقة ما يعني ان أحلامه والصور المشاهدة فيها تكون هي الاخرى ضبابية وغير واضحة.

بالاضافة الى ذلك, اكد الباحثان على اهمية نتائج الدراسة المخبرية (كينيدي, 1993-1997) التي تشير الى عدم وجود "صور بصرية" لدى أولئك الذين فقدوا ابصارهم قبل سن 4, كدليل على تماسك فكرة, ان الحلم هو انجاز تدريجي عقلي - يتطلب تطور مهارات بصرية ومكانية واشكال اخرى من المهارات التخيلية".

الخلاصة:

اذا بناء على مجمل نتائج الدراسات المتعلقة بتفسير الأحلام, نستطيع القول, إن الأحلام هي في الواقع تتولد نتيجة لما نتعرض له في فترات اليقظة, بالاضافة الى المحفزات الداخلية - رغبات, آمال, وتطلعات مكبوتة, يترجمها الدماغ الى صور ومشاهد قد تكون واضحة المعالم وقد نجدها غامضة وغير واضحة المعالم. وان هذه تتم كما يؤكد سولمز من خلال تفعيل مادة الدوبمين الضرورية للحلم. وقد لوحظ استحالة ان تتكرر او تتشابه هذه الصور بين شخص واخر, نظرا الى ان دماغ كل شخص يحتفظ بتجارب مختلفة يستحيل ان تتكرر عند شخص اخر. وقد وجد ايضا, ارتباط المشاهد والصور المرئية في الأحلام بتاريخ وحالة االفرد النفسية.

ويشير ويليم دوموف (2004), الى ان "الأحلام ربما ليس لها هدف واضح". غير انه يتصور "اننا قد نستطيع اعطاء بعض التفسيرات الخاصة بتاريخ الشخص وحالته النفسية". مع تحفظه على تعميمها بشكل واسع. ومع ذلك فهو يرى, "انها عملية تتم في الدماغ بناء على الخبرات والتجارب اليومية أو تلك التي حدثت في ازمنة بعيدة في حياتنا". ويتصور, "ان حالة الشخص النفسية ووضعه الاجتماعي في الغالب قد تثير بعض المشاهد الدالة, مثال ذلك, حينما يحلم احد بانه وجد نفسه (عاريا) أمام زملائه في الفصل الدراسي او في العمل او في مناسبة اجتماعية, وفجأة تذكر انه نسي ان يرتدي ملابسه. فهذه قد تكون لها دلالات نفسية ولا يمكن ان تفسر ما سيحدث للشخص مستقبلا. ويتصور ان تفسير ذلك ربما يرجع الى ان الشخص يريد ان يخفي شيئا ما, او انه لم يكن مستعدا لشيء ما, مثل, عدم استعداده لدخول الاختبار او القاء كلمة أمام فصله, وهذا يعني ان الشخص قد انكشف امام الاخرين".

واكد الكثير من العلماء والباحثين في مجال تفسير الأحلام وعبر تراكمات بحثية ومعرفية تمتد لعقود, على عدم جدوى رصد الأحلام وتبويبها للاستفادة ولتسهيل تفسير الأحلام، وذلك لأيمانهم بأن كل فرد له أحلام ذات "بصمة" فريدة, لا تتكرر مطلقا. والحقيقة حتى ان مثل هذه التفسيرات والتي تحاول تحليل حالة الفرد النفسية او العقلية, وبرغم انها لم تتطرق الى امكانية تحليل هذه الأحلام بهدف تفسير احداث المستقبل, الا انها ووجهت بالنقد الشديد. (باسر, 2001), حيث يؤكد ان, "تحليل الأحلام قد ووجه بالنقد الحاد, نظرا لأن التحليل يخضع للذاتية وبدرجة عالية, وبالتالي استحالة التوصل الى تحليل او تفسير موحد, لأن كل مفسر سيكون لديه وجهة نظر مختلفة. ولعل هذا القول يتفق مع رأي كارترايت وكازينياك اللذين يعتقدان "ان تفسير الأحلام ربما تكشف شخصية المفسر اكثر مما تشرح معاني الأحلام".

في الجانب الآخر, نجد ان الدراسات المتعلقة بالكفيفين قد اعطتنا رؤية تقريبية للمصداقية التي تطرحها النظريات التي ترى ان الأحلام تعبر عن مواقف وتجارب معاشة ومشاهدة, وان الدماغ يحتفظ بصور مرئية وبذاكرة تحتوي على مختلف الانضطة اليومية والماضوية والتي من خلالها يستطيع اعادة اظهارها على شكل رموز او صورا عشوائية. بينما الكفيف بالخلقة, لا يمكن ان يشاهد في أحلامه صورا واشكالا واحجاما تجسد الواقع كما هو الحال لدى المبصر, نظرا لعدم وجود المعمل او الجهاز الخاص بالصور المكانية في دماغه. نستنتج من ذلك استحالة فكرة ان الأحلام ربما قد تفسر احداثا "غيبية" قد تحدث مستقبلا, على اعتبار ان الكفيف هو إنسان يملك مستقبلات روحية و غيبية.

في حين ان الدراسات التي اجريت حول الفروقات بين أحلام الرجل وأحلام المرأة, نجد انها خلصت الى ان هناك فروقات جذرية وانها تعود الى عوامل التنشئة واخرى ثقافية, نظرا الى اختلاف طرق التعامل مع كلا الجنسين, وهذه الدراسات تؤكد اهمية عمل الدماغ والتفاعل مع البيئة, ولا تشرح أي شيء اخر. بينما قد نجد ما يدعم هذا الاتجاه اذا ما القينا نظرة على المرأة تحديدا في مجتمعاتنا العربية والاسلامية, سنجدها تهتم كثيرا بتفسير الأحلام, والسبب في رأيي ان المرأة تعيش واقعا مرا انعكس بشكل سلبي على تفكيرها وتصورها عن ذاتها, فالمجتمع كثيرا ما يجحف بحقها مما ولد لديها الاحباط والشعور بالنقص, ولهذا نجدها دائما هي الاكثر ترددا على مفسري الأحلام. وهذا ايضا قد يفسر أو يقوي نظرية ان الأحلام مصدرها الحاحات داخلية مكبوتة. فهي مثلا, تبحث عن من يفسر أحلامها لانها تأمل في تغيير واقعها الى الافضل.

طبعا, ولكي لا يساء فهم الموضوع, هناك أحلام قد تخبرك عن احداث مستقبلية خاصة بالحالم ولا يستطيع احد تفسيرها الا هو, مثلا, تشاهد في حلمك شخص لم تره منذ سنوات, وفي اليوم التالي تجده امامك او تسمع عنه من خلال احد اصدقائك. يفسر سولمز هذه الحالة بالقول, ان الدماغ قد يملك قدرات اضافية في حالة الحلم, ويشرح ذلك, بقوله, ان الدماغ يقوم بجمع وتنظيم المعلومات والصور المخزنة بشكل أسرع وبشكل مختلف مما هو في حالة الاستيقاظ.

د. سالم موسى ـ جامعة الملك خالد, السعودية