الجاني وشاهد الزور: ماذا فعل إبراهيم وأنزور بدرويش؟

بقلم: محمد أبو عبيد
فراس أنتج العمل ونصّب نفسه بطلاً فيه، فهو لم يختلف عن بعض الزعامات العربية

أسوأ عمل درامي عن الراحل محمود درويش هو عمل يكون فيه درويش غيره. فسيرة هذا الشاعر الكبير ليست سيرة أي شاعر نظراً لما جسّده من الملحمة الفلسطينية منذ قيام إسرائيل حتى رحيله في التاسع من أغسطس 2008.

فقد غاص الراحل في عمق الصراع، لتصبح قصائده تأريخاً جعله مناضلاً بأدواته الخاصة متقدماً على النضال التقليدي، فكان وجهاً حضارياً آخر لفلسطين.

الأعمال التي تتناول السير الذاتية يجب أن تتحلى بالإبداع، بيد أن الإبداع لا يخوّل صاحب العمل أن يتصرف بالشخصية كما يشاء وفقاً للبعض الذين دافعوا عن مسلسل "في حضرة الغياب" الذي أنتجه وقام بدور درويش فيه الممثل السوري فراس إبراهيم وأخرجه نجدت أنزور. فثمة حقائق ووقائع لا يجد المبدع، إن كان مبدعاً حقاً، مناصاً من الالتزام بها حتى لو تصرف بالشكل الإبداعي. فراس أنتج العمل ونصّب نفسه بطلاً فيه، فهو لم يختلف عن بعض الزعامات العربية.

لا ريب في أن البعض سيقول من السابق لأوانه الحكم على المسلسل وهو مازال في أولى حلقاته. مثل هذا الكلام يكون منطقياً لو أن الحلقات الأولى اتسمت بالبرود أو الملل أو عدم تصاعد الأحداث، حينها لابد من التريث حتى مشاهدة الحلقات التالية، لكن ما قاد إلى الحكم على المسلسل من حلقاته الأولى هو وجود أخطاء غير مقبولة البتة، ومغالطات حول شخصية الشاعر الراحل، والتي صورته على غير حقيقته، فظهر كأنه الهائم في حب النساء أكثر من عشق الوطن.

من الخطايا في المسلسل هي الأخطاء النحوية التي اقترفها فراس إبراهيم خلال إلقائه القصائد متقمصاً شخصية درويش، فمن المعيب حقاً أن يظهر الشاعر الكبير بصورة الخطّاء في اللغة وهو الأديب، وإذا افتقد الأديب، خصوصاً الشاعر، أدوات اللغة يكون كالمقاتل الذي فقد بندقيته.

خطيئة أخرى في العمل هي المشهد الذي يظهر فيه فراس إبراهيم يلقي قصيدة وأمامه بعض الناس، ويبدو، بل من المؤكد، أن القائمين على العمل تناسوا، إن لم يكن نسوا، أن درويش الأصل حين يلقي قصائده كانت القاعة تغص بالحضور، وأحياناً يتساوى عدد من هم خارج القاعة بِمَن داخلها، فكان المشهد إساءة أخرى لدرويش لا تُحتمل، تُضاف إلى كون فراس نفسه إساءة للعمل.

وإذا كان الراحل درويش شاعراً عبقرياً، فهذا لا يعني أنه ما كان يتحدث إلى عامة الناس إلاّ شعراً، وإذا سُئل عن أمر لم يكن يجيب بالشعر كما لو أنه يعيش في عصر المعلقات، فكان حين الشعر ينطق شعراً، وغير ذلك كان يتحدث إلى الناس بلهجته الفلسطينية الأصيلة.

درويش ليس مقدَّساً، وتناول سيرته ليس إثماً، لكن حياته ومسيرته زاخرة بالأحداث والتفاصيل التي تعبر عن القضية الفلسطينية بالكثير من مراحلها ومنعطفاتها لأن القضية هي ملحمة، فلا يجوز، أخلاقياً ومهنياً، إنجاز عمل بهذه السرعة يوثق لقضية إنسانية ووطنية لعلها الأهم تاريخياً. إن فراس إبراهيم، غير الموفق بالعمل، هو الجاني، ونجدتْ أنزور هو شاهد الزور.