العِراق... لُعبة المال!

بقلم: رشيد الخيّون

ما بعد أبريل 2003 بالعِراق يشبه ما بعد أكتوبر 1920، لَما تشكلت أول وزارة عراقية بعد انتهاء الحكم العثماني؛ فآنذاك كان الإنجليز، ولم يترك العثمانيون شيئاً يُعتشى به، فكانت انطلاقة تأسيس، كذلك لم يترك الحصار، ولا السِّياسات السَّابقة ما يُلاذ به، فما هي إلا نفخة وسقط كلُّ شيء. لكن الفارق ما بين البدايتين أن عراق العشرينيات حظي ببنائين، والانطلاق صوب الحضارة والمدنية لا صوب الانتكاسة والبدائية مثلما هم رجال عراق الحاضر.

فما هي إلا سنوات واعتمدت ميزانية العِراق على واردات الزِّراعة، وظل مثلما كان بلد التُّمور، فـ"البصرة تنتج أنواعاً مختلفة مِن التُّمور... فيذكر ابن وحشية (ت 296 هـ) أن أنواع التُّمور العِراقية لا تُحصى، بينما يقول الجاحظ (ت 255 هـ) إن مدينة البصرة تنتج ثلاثمائة نوع مِن التُّمور. وكانت النَّخيل تُزرع في السَّواد، وتمتد زراعتها غرباً... وكانت بعض بساتين النَّخيل بجوار سنجار(حيث الموصل)"(الدُّوري، تاريخ العِراق الاقتصادي في القرن الرَّابع الهجري).

ظل النَّخيل، وحتى تدمير جناته، مصدراً للميزانية العِراقية، ولا يفوتنا ونحن نتذكر النَّخيل ما نقله الأصمعي (ت 216 هـ) عن الرَّشيد (ت 193 هـ): "نظرنا فإذا كلُّ ذهبٍ وفضةٍ على الأرض لا يبلغان ثمن نخل البصرة" (السِّجستاني، كتاب النَّخل). ناهيك عن المحاصيل الأُخر: الحنطة والشَّعير والسِّمسم والكمون والخردل والدُّخن والعدس والباقلاء وبقية البقول بأنواعها وبكميات تجارية (المصدر نفسه).

لكن تصاعد جباية المال تشتد عادة مع القُساة ففي زمن الحجَّاج (ت 95 هـ) بلغ الخراج المنقول مِن العِراق (188) ألف درهم، بينما نزل في خلافة عمر بن عبد العزيز (101 هـ) إلى (120) ألف درهم (دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960). فقال شاعر السَّواد في سياسة الحجَّاج: "شكونا إليه خراب السَّواد.. فحرم فيِّنا لحوم البقر" (ابن حوقل، صورة الأرض).

تلك مقدمة لما سنقوله في لُعبة المال الجارية بالعِراق اليوم، والأرقام الخيالية لميزانية الدَّولة، مع تردٍ خيالي أيضاً للخدمات، ونهب مشروع، حسب قوانين التَّقاعد والتَّوظيف والامتيازات الجارية وفق اللوائح التي عُدت للنهب والسَّلب، فللفساد القدح المعلى في إدارة البلاد. بلغت ميزانيات العِراق منذ التغيير كالآتي: 2003 تسعة مليارات، 2005 عشرين ملياراً، و2005 بلغت 28 ملياراً، و2006 بلغت 29 ملياراً، و2007 قفزت إلى 41 ملياراً، و2008 وصلت إلى 48 ملياراً، ثم 2009 بلغت سبعين ملياراً، وفي 2010 بلغت 72 ملياراً، لتصل في هذا العام 2011 إلى 80 مليار دولار. هذه الأرقام تلحقها ملايين منها ما يصل إلى 700 أو 600 مليون، فمع دواهي الفساد والإهدار المالي ليس للملايين قيمة تُذكر.

كلُّ تلك الأرقام مصدرها واحد هو النِّفط، لكن صعود سعر الذَّهب الأسود لم يصل إلى الإنسان العِراقي، صحيح في الحسابات العامة يلاحظ ارتفاع في دخل الفرد القومي، لكن معلوم أن ذلك لا يعني أن كلَّ فردٍ يحظى بتلك الحصة، إنما هو في لغة المال والإحصاء مؤشر عام على الفقر أو مستوى الرَّفاه، والعِراق اليوم أكثر البلدان فقراً وفساداً مالياً. أما مصادر الميزانية الأُخر، عدا النَّفط، فلا تزيد على خمسة بالمائة.

إن ميزانية الدَّولة العِراقية، إذا صح لنا تسميتها بالدَّولة في ظل هذا الانقسام المناطقي والحزبي المريع والإدارة الحكومية المتردية، تذهب إلى الرَّواتب في مجملها، وما نقرأه على موقع وزارة المالية أو بيانات الحكومة مِن فرز لحصة الخدمات والإنتاج والاستثمار فما هو إلا آمال وأعذار. أعطي صورة لما يجري مِن تحايل في التَّوظيف، وجعل ميزانية الدَّولة مخروقة لحزب أو جماعة، وهو أن الدَّرجات الوظيفية الكبرى، مِن مدير عام أو وكيل وزارة فما أعلى، إلى نواب البرلمان وأعضاء مجلس الحكم وغيرهم، لهم تقاعد ولو جرى توظيفهم ليوم واحد، وهي نسبة ثمانين بالمائة من الرَّاتب، ولو تعلمون أنها أرقام خيالية!

هنا تأتي الأهمية الحزبية والشَّخصية قبل المواطن والوطن، فاستغلال الوجود برئاسة الوزراء لهذه السِّنين أفرز أعداداً كبيرة مِن أصحاب تلك الوظائف، منهم مَن استمر بامتيازاته داخل العِراق ومنهم مَن عاد إلى دول اللجوء متمتعاً براتبه. وهؤلاء بطبيعة الحال يتفرغون للعمل الحزبي مع راتب مِن الدَّولة بعذر التَّقاعد. ربما كان في البداية التَّنازع مِن أجل الموقع، لكن بعد مذاق المال وسيولته في الأيدي تغيَّر هدف النِّزاع، فما قيمة المنصب بلا سَّطوة مالية؟! تلك جعلت نوري المالكي، وقد أرادها صَدامية، يعترض على محافظ البنك المركزي عندما امتنع الأخير مِن تجاوز القانون بصرف المال الذي يريده رئيس الوزراء، يصرخ أمام الحضور: "أشك أهدومي"! أي أمزق ثيابي!

في لُعبة المال قُتل حراس البنوك مِن قِبل حراس مسؤولي الدَّولة أنفسهم، وجرى السَّطو على البنك المركزي، وتأسست بنوك كبرى مِن قبل لاعبين سابقين ذممهم (مشكولة) مثلما يُقال. وتدخل في اللعبة البطاقة التَّموينية، منها فساد الزَّيت وفقدان عناصر البطَّاقة الأُخر، وقد تحددت التُهمة ووجهت إلى وزير التجارة ووزيرها بالوكالة في ما بعد، لكن المتهمين مازالوا طُلقاء.

لقد وصلت لُعبة المال إلى بيع الجامعات، فجامعة كبرى، مثل جامعة البكر العسكرية، بيعت إرضاءً لأحدهم، ولم يكتف برئاستها إنما امتلاكها، وكان له ذلك. مع أن الجامعة العظيمة البناء والواسعة الفضاء والاستراتيجية الموقع ببغداد مِن أملاك الجيش لا أملاك الحزب الحاكم السَّابق ولا وريثه اللاحق. كذلك يدخل ضمن لعبة المال الاستيلاء على عقارات الدَّولة، والمسؤولين السَّابقين، التي أعطيت تأليفاً للقلوب أو ثمناً للجهاد. تلك أراض، الجامعة والدور وما ابتيع مِن أملاك الدَّولة، مغصوبات لا يجوز الصَّلاة فيها، هذا قانون فقهي وعُرف ديني، لكنهم لم يكتفوا بذلك بل أخذوا يطلقون أسماء الأئمة عليها.

لا ينتهي الحديث عن المال، فإذا ذكرنا المغصوبات مِن العقارات فماذا نُحدث عن الرَّشى، والامتيازات، و(كوميشنات) العقود؟! صار مال العِراق يُغرف بالدَّلو، وقد جاء في المثل: "ألق دَلْوك في الدِّلاء" (الميداني، مجمع الأمثال)! وطوبى لمن عفَ ولم يُلق دلوه! ونُكمل، مِن مصدر آخر، ما قيل في الحجَّاج، للذَّي يدعي العِمارة والإعمار في ظل داهية الدَّواهي لُعبة المال: "فكنَّا كمَن قال مِن قبلنا.. أريها ... وتريني القمر"(الأصفهاني، كتاب الأغاني).

(نشر في الاتحاد الظبيانية)

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com