يوسف رزوقة يكتب: الطّفل يريد إسقاط النّظام

كلكم نوابغ

تونس ـ ضمن سلْسِلَةُ "كُلُّكُمْ نَوَابِغُ: صِيَاغَةُ المُسْتَقْبَلِ"، صدرت للشّاعر التّونسيّ يوسف رزوقة، مجموعة قصصية جديدة بعنوان "العصافير تحلم أيضا".

انطوت على قصّتين طويلتين تَلِيهما "قِصَصٌ قَصِيرَةٌ: مِنْ حِكَايَاتِ هَذَا الزَّمَانِ".

"العصافير تحلم أيضا" أو "الطفل يريد إسقاط النظام" قصّة طويلة تروي عبر لوحاتها العشر "ثورة الياسمين" للأطفال.

عن سؤال "لماذا الثورة للأطفال؟" يجيب رزوقة: الطِّفْلُ أَيْضًا، كَالكِبَارِ، يُرِيدُ إِسْقَاطَ النِّظَامِ، نِظَامِ رَأْسِ الغُولِ وَالقِصَصِ المَلِيئَةِ بِالغَرَائِبِ، عَلَّهُ يَلْقَى سَعادَتَهُ هُنَا، فِي ظِلِّ جُمْهورِيَّةٍ، لاَ غُولَ فِيهَا، لِلصِّغَارِ!

ويضيف مبرّرا: لِلطِّفْلِ ثَوْرَتُهُ بِحَيْثُ يَعِيشُهَا دَرْسًا عَظِيمًا فَامْتِحَانًا؛ وَهْوَ فِي هَذَا الإِطَارِ، مُطَالَبٌ بِالاِلْتِفَاتِ إِلَى الوَرَاءِ، بِحَيْثُ يَقْرَأُ مَا يُسَمَّى 'ثَوْرَةً' كَصَدًى وَرَجْعِ صَدَى لَهَا لِنَرَاهُ، يَوْمًا مَّا، كَبِيرًا، عَاقِلاً َوَمُلَقَّحًا ضِدَّ الفَسَادِ وَنَحْوِهِ؛ حَتَّى إِذَا قَادَ البِلاَدَ، أَقَامَ فِيهَا عَابِرًا لِيُقِيمَ، مِنْ ثَمَّ، الدَّلِيلَ عَلَى سِيَاسَةِ حَاكِمٍ عَدْلٍ وَعَى مَا قَالَهُ التَّارِيخُ فَاخْتَارَ الطَّرِيقَ الصَّعْبَ: أَنْ يَزِنَ الأُمُورَ بِكَفَّتَيْ مِيزَانِهِ.

يقحم المؤلّف في قصصه هذه الطفولة في قضايا ومستجدات حارقة، لماذا؟ يجيب رزوقة: "طِفْلُ الهُنَا وَالآنَ، أَيُّ غَدٍ لَهُ؟ يَتَسَاءَلُ المُخْتَصُّ فِي أَدَبِ الطُّفُولَةِ حَائِرًا؛ هِيَ حَيْرَةٌ خَلاَّقَةٌ لاَ يُرْتَجَى مِنْهَا ـ هُنَا والآنَ ـ إِلاَّ الخَيْرُ: جَعْلُ الطِّفْلِ أَكْبَرَ مِنْ مَصَانِعِ عَصْرِهِ وَدُخَانِهَا وَالاِرْتِقَاءُ بِهِ ـ بِجَعْلِ الوَعْيِ دَابَّتَهُ ـ إِلَى مَرَاتِبَ حُرَّةٍ لَكِنَّهَا مَسْؤُولَةٌ جِدًّا بِحَيْثُ يَعِيشُهَا الطِّفْلُ الجَدِيدُ بِعَقْلِهِ وَبِرُوحِهِ وَبِخَوْفِهِ أَيْضًا عَلَى غَدِهِ مِنَ الوَحْشِ الجَدِيدِ وَقَدْ غَزَا كُلَّ البُيُوتِ؛ فَهَلْ سَنُفْلِحُ فِي الصُّعُودِ إِلَيْهِ، إِلَيْهِ تَحْدِيدًا كَطِفْلٍ، كَيْ مَعًا نَسْعَى إِلَى تَحْصِينِ بَعْضَ مَدَاخِلِ البَيْتِ الزُّجَاجيِّ الَّذِي هُوَ بَيْتُهُ؟

هَذَا الكِتَابُ، يقول المؤلّف، أَرَدْتُهُ تَعْوِيذَةً لِلطِّفْلِ ضِدَّ الشَّعْوَذَاتِ؛ كَتَبْتُهُ، فِي الأَصْلِ، لِلطِّفْلِ الَّذِي مَا عَادَ يَقْنَعُ بِالخُرَافَةِ أَوْ بِمَا تَرْوِيهِ جَدَّتُهُ عَنِ الأَهْوَالِ وَالغِيلاَنِ فِي الزَّمَنِ السَّحِيقِ؛ كَتَبْتُهُ وَأَنَا أَعُودُ إِلَى الطُّفُولَةِ عَوْدَةَ الطِّفْلِ الفُضُولِيِّ، المُحِبِّ لِعَصْرِهِ: عَصْرٍ مِنَ التَّعْقِيدِ وَالفَتْحِ العَظِيمِ بِحَيْثُ يَسْتَدْعِي المَفَاتِيحَ الَّتِي فِي حَوْزَةِ الطِّفْلِ الجَدِيدِ لِفَكِّ شَفْرَتِهِ.

وَمَا هَذَا الكِتَابُ، صَرَاحَةً، إِلاَّ مُحَاوَلَةٌ لِجَعْلِ الطِّفْلِ يَرْوِي حُلْمَهُ بِلِسَانِهِ.

أَنْ يَقْرَأَ الطِّفْلُ الجَدِيدُ مُؤَلَّفِي هَذَا، بِعَيْنٍ لاَ يُخَالِطُهَا الضَّبَابُ، فَذَاكَ غَايَةُ مَا أُرِيدُ وَمَصْدَرٌ لِسَعَادَتِي.

وفي نبرة يشوبها بعض تأثّر يضيف رزوقة "طِفْلٌ أَنَا؛ وَلِأَنَّنِي مَا عِشْتُ، كَالأَطْفَالِ، فِي المَاضِي القَرِيبِ، طُفُولَتِي، سَأَعِيشُهَا شَيْخًا، هُنَا وَالآنَ، بَعْدَ رَحِيلِ غَالِيَتِي رَشَا؛ رَحَلَتْ رَشَا مَعَ يَاسَمِينَ، حَفِيدَتِي؛ رَحَلَتْ كَكُلِّ شَهِيدَةٍ تَهَبُ الحَيَاةَ وَتَخْتَفِي كَالنُّورِ، فِي أَوْجِ الرَّبِيعِ؛ لِأَجْلِهَا، وَلِأَجْلِ أَنْ تَبْقَى عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، أُوَاصِلُ اسْتِدْعَاءَهَا فِي كُلِّ حَفْلٍ؛ فَهْيَ قَدْ صَارَتْ أَنَا وَأَنَا؟ مُجَرَّدُ حَارِسٍ لِحَيَاتهَا."

صياغة المستقبل

وفي سؤال يخصّ هذا المشروع المفتوح على المستقبل وآليات تحقيقه، وقد صدر عنه "أرض المجاز" و"تفّاح نيوتن" و"العصافير تحلم أيضا"، أجابنا رزوقة بقوله:

منذ البداية، كان طموحي أن أحكي للأطفال واليافعين حكاية، هي عبارة عن كيمياء من الألوان، حتّى إذا قرؤوها، حرّكت فيهم سواكن وأثرت زادهم، على نحو لا يلغي مدى قدرتهم على استيعاب ما يكتب لهم وفكّ رموزه ومن هنا، لم أرد أن أكتب أشياء بسرعة البرق كما يريدها عادة البعض من ناشري الكتب الموجّهة لأمثالهم بل أخذت وقتي وجمّعت من المراجع والمعلومات ما جعلني أحار أحيانا في توظيفها، لسبب أو لآخر. وكان لي اشتغال، ضمن ورشات اختصاص، على بسيكولوجيّة العالم الطّفوليّ وانتظاراته العاجلة والآجلة من صنّاع الكلمة، وارتأيت، وأنا أتوغّل في تفاصيل السرد، أن أراوح بين الفنون جميعها، كما حاولت، قدر المستطاع، توظيف ما لدى الفنون الأخرى كالمسرح والسينما والفنون التشكيلية من تقنيّات رأيتها مفيدة، إلى جانب الإفادة من العلوم. كلّ هذا، من أجل تحقيق بعض جدوى ينشدها، بلا شكّ، قرّاء اليوم أمثالهم، فهم من طينة خاصّة جدّا وعلى أيّ مؤلّف في هذا المجال، أن يخوض مع مجتمع الأطفال واليافعين الحيرة اللازمة لصياغة مستقبل يلبّي تطلّعاتهم، كلمة ورؤية وخيالا.

ومن ثمّة، فإنّ ما يهمّنا أساسا في هذا المشروع هو المستقبل، دون تجاهل ماضينا والواقع الذي نعيش.

طفولة الألفيّة الثّالثة

وعن نهجه في هذه القصص وأسلوبه المتّبع في الكتابة لهذه الفئة العمرّية من القرّاء، أفادنا المؤلّف بأنّه "لا يكفي أن تكون الكتابة للأطفال سهلة وممتنعة، فهذا من بدائه الأمور وشروط التبليغ بل عليها أيضا أن تكون هادفة وذات محمول فكري، جديد غير مستنسخ بأي شكل من الأشكال، من تجارب السابقين والمتقدمين في التجربة وإن صهرت في تلافيفها عناصر مضيئة من تراث الأجداد.

ذلك أن أطفالنا في هذه الألفية الثالثة، بما تنطوي عليه من زخم معلوماتيّ هائل في حاجة ملحّة إلى مرايا غير صدئة عاكسة لتطلعات أطفالنا الذين لم تعد تهمهم كثيرا خرافات رأس الغول وما إليها، على خلفية أن العصر عصر علم وتكنولوجيا وثورة عاصفة بما هو شطح غيبي أو خرافي تجاوزه وعي القراء من أطفالنا، ذوي المفاتيح المعرفية الجديدة والمضامين الفكرية المشفرة.

لذلك فإن الكتابة للأطفال لن تكون هادفة ما لم تع أو تتضمن حصاد المرحلة، أية مرحلة ومتغيراتها لتسمي الأشياء المستجدة، وهي أكثر من أن تحصى بأسمائها ومصطلحاتها فتتحقق بذلك الجدوى التي ينشدها أطفالنا في ما يطالعون".

من مناخات "العصافير تحلم أيضا':

"كُلُّ شَيْءٍ فِي إِطَارِهِ.

سَرَتِ العَدْوَى فِي كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى فِي بَيْتِهِ. كَانَتْ سِيرِينُ ، حَفِيدَتُهُ ذَاتُ السَّنَوَاتِ الخَمْسِ، تُرَدِّدُ، بِمُنْتَهَى الحَمَاسِ، مَا تُرَدِّدُهُ البِلاَدُ بِأَسْرِهَا: "الشَّعْبُ يُرِيدُ إِسْقَاطَ النِّظَامِ"؛ تُرَدِّدُهَا وَهْيَ تَضُمُّ قَبْضَتَهَا الصَّغِيرَةَ وَتُلَوِّحُ بِهَا عَالِيًا فِي وَجْهِ جَدِّهَا غَانْدِي ـ هَكَذَا يُكَنَّى لِزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا ـ بَيْنَمَا اِكْتَفَى جَدُّهَا بالاِبْتِسَامِ وَهْوَ يُدَاعِبُهَا: "سِيرِينُ تُرِيدُ إِسْقَاطَ النِّظَامِ" لِيَسْأَلَهَا وَقَدْ بُحَّ صَوْتُهَا فسَكَتَتْ: مَا مَعْنَى"الشَّعْبُ يُرِيدُ إِسْقَاطَ النِّظَامِ"؟

ـ مَعْنَاهَا جَدُّو: "الشَّعْبُ يُرِيدُ إِسْقَاطَ النِّظَامِ"…

* فَهِمْتُكِ سُونَتِي؛ وَاْنْحَنَى لِيَضُمَّهَا وَهْوَ يُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ بَعِيدٍ: كَيْفَ يَشْرَحُ لِحَفِيدَتِهِ ثَوْرَةَ شَعْبٍ أَرَادَ الحَيَاةَ كَمَا نَادَى بِهَا شَاعِرُ تُونِسَ أَبُوالقَاسِم الشَّابِّي، مِنْ سِنِينَ؟ حَدَّثَ غَانْدِي نَفْسَهُ... قَالَ: بِسَنَوَاتِهَا الخَمْسِ، لَنْ تَفْهَمَنِي سِيرِينُ مَهْمَا شَرَحْتُ لَهَا وَبَسَّطْتُ حَقِيقَةَ مَا يَجْرِي هُنَا وَالآنَ؛ لَنْ تَفْهَمَنِي، لِلْأَسَفِ ؛ لَكِنَّنِي، مَعَ ذَلِكَ، أُرِيدُ أَنْ أَحْكِيَ. لِمَنْ أَحْكِي؟ سَيُصِيبُنِي مَسٌّ منَ الجُنُونِ إِذَا لَمْ أَجِدْ أَحَدًا أُحَدّثُهُ بِمَا فِي صَدْرِي.

ظَلَّ غَانْدِي يُلاَعِبُ سِيرِينَ وَذِهْنُهُ شَارِدٌ وَسِيرِينُ تُشَاكِسُهُ. يَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟، فَتُجِيبُهُ: أَنَا أَحْلَى بِنْتٍ فِي العَالَمِ وَتُغْرِقُ فِي الضَّحِكِ وَهْيَ تُخْرِجُ لِسَانَهَا مِثْلَ اِينْشْتَايِنْ ثُمَّ تَلُوذُ بِالفِرَارِ إِلَى المَطْبَخِ حَيْثُ جَدَّتُهَا تَطْهُو طَعَامَ العِشَاءِ.

لَمْ يُغْمَضْ لَهُ جَفْنٌ طَوَالَ اللَّيْلِ؛ فَجْأَةً، صَاحَ كَمَا صَاحَ أَرْخَمِيدَسُ فِي عَصْرِهِ: وَجَدْتُهَا! وَجَدْتُهَا! أَشْعَلَ النُّورَ؛ أَشْعَلَهُ وَهْوَ يَقْفِزُ مِنْ عَلَى السَّرِيرِ. طَالَعَهُ، مِنْ لَوْحَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي صَدْرِ البَيْتِ، وَجْهُهَا المَلاَئِكِيُّ: وَجْهُ اْمْرَأَةٍ تَحْتَضِنُ مَلاَكَيْنِ: سِيرِينَ وَيَاسَمِينَ. كُلُّ شَيْءٍ فِي إِطَارِهِ:

'دَائِرَةُ النُّورِ': لَوْحَةٌ رَسَمَتْهَا فَنَّانَةٌ مِكْسِيكيَّةٌ، شَهِيرَةٌ تُدْعَى عَائِدَةٌ إِيمَارْت؛ رَسَمَتْهَا مِنْ وَحْيِ زِلْزَالٍ دَكَّ أَعْمِدَةَ بَيْتٍ غَانْدِي ذَاتَ رَبِيعٍ مِنْ عَامِ 2010. رَسَمَتْهَا عَائِدَةٌ إِيمَارْت وَأَرْسَلَتْهَا فِي طَرْدٍ، عَبْرَ البَرِيدِ السَّرِيعِ وَمَضْمُونِ الوُصُولِ: هَدِيَّةً مِنْهَا، إِلَى غَانْدِي، صَدِيقِهَا الاِفْتِرَاضِيِّ، البَعِيدِ ـ القَرِيبِ.

وَهْوَ يَسْتَلِمُ الطَّرْدَ مِنْ مَرْكَزِ الفَرْزِ البَرِيدِيِّ ، طَفَرَتْ مِنْ عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ؛ وَاسَاهُ مُوَظَّفُو المَكَانِ فَاْبْتَسَمَ نِصْفَ اِبْتِسَامَةٍ وَهْوَ يُدَارِي حُزْنَهُ وَإِذْ عَاوَدَتْهُ نوْبَةُ البُكَاءِ ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ مُغَادَرَةِ المَكَانِ.

مِثلَ أَرْنَبٍ بِرِّيٍ يَجُرُّ فَخًّا أَطْبَقَ عَلَى إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ الخَلفيَّتَيْنِ، تَحَامَلَ غَانْدي عَلَى نَفْسِهِ وَعَادَ إِلَى قَلْبِ العَاصِمَةِ حَيْثُ اِسْتَقْبَلَتْهُ فِي بَهْوِ 'نُزْلِ الهَنَاءِ' رَوْضَةُ، زَمِيلَتُهُ فِي 'مِهْنَةِ المَتَاعبِ' وَفَاطِمَةُ، مُثَقَّفَةٌ مِنْ بَرِّ مِصْرَ نَزَلَتْ ضَيْفَةً عَلَى تُونِسَ.

أَمَامَ وُجُومِ غَانْدِي، تَكَفَّلَتَا بِفَتْحِ الطَّرْدِ البَرِيدِيِّ، عِوَضًا عَنْهُ بَيْنَمَا نَادلُ المَكَانِ، يَلْتَقِطُ لَهُمْ، بِطَلَبٍ مِنْهُمْ، صُوَرًا تِذْكَاريَّةً تُخَلِّدُ المُنَاسَبَةَ: أُمٌّ مَلاَئِكِيَّةُ الوَجْهِ تَحْتَضِنُ مَلاَكَيْنِ لَهَا: سِيرِينَ، مَلاَكَهَا الأَرْضِيَّ (وَاصلِي الحَيَاةَ، سِيرِينُ، نِيَابَةً عَنْهَا! تُخَاطِبُهَا فَاطِمَةُ عَنْ بُعْدٍ) وَيَاسَمِينَ، مَلاَكَهَا السَّمَاوِيَّ، المُجَنَّحَ.

مَا إِنْ لَمَحَتْ سِيرِينُ اللَّوْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ جَدِّهَا العَائِدِ لِتَوِّهِ مِنْ مَقَرِّ عَمَلِهِ حَتَّى هَتَفَتْ وَهْيَ تَكَادُ تَلْتَهِمُ اللَّوْحَةَ بِعَيْنَيْهَا: هَذِهِ رَشا، مَا أَحْلاَهَا مَامَا! وَهَذِهِ يَاسَمِينُ، أُخْتِي وَهَذهِ أَنَا.

* مَكَانُهَا هُنَا، بَيْنَ رُسُومِ رَشَا، قَالَ غَانْدِي مُشِيرًا وَهَمَّ بِسِيرينَ يَرْفَعُهَا أَعْلَى مِنْ رَأْسِهِ كَمَنْ يُريدُ تَطْيِيرَهَا فِي الهَوَاءِ وَسِيرِينُ تُكَافِحُهُ بيَدَيْهَا الصَّغِيرَتَيْنِ حَتَّى تَمَلَّصَتْ ـ وَهْيَ تَضْحَكُ وَتَبْكِي ـ منْ كَمَّاشَتَيْ يَدَيْهِ.

اِسْتَعْرَضَ غَانْدِي الشَّرِيطَ فِي دَقِيقَةٍ ثُمَّ عَادَ إِلَى فِرَاشِهِ وَفي رَأْسِهِ فِكْرَةٌ: أَنْ يَجْعَلَ غَزَالَةَ الرُّوح،ِ صَغِيرَتَهُ رَشَا، تُغَادِرُ إِطَارَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ؛ أَنْ يُجْلِسَهَا عَلَى إِحْدَى رُكْبَتَيْهِ وَهْوَ يُمَسِّدُ عَلَى شَعْرِهَا لِيَرْوِيَ لَهَا قِصَّةَ ثَوْرَةٍ اِنْدَلَعَتْ بَعْدَ رَحِيلِهَا بِقَلِيلٍ. سَتُصْغِي إِلَيْهِ وَهْيَ طِفْلَةٌ؛ سَيعُودُ بِهَاِ إِلَى سَنَواتٍ خَلَتْ، سَنَوَاتِ اِنْشِغَالِهِ عَنْهَا وَهْيَ تَطْرُقُ الأَحَدَ عشَرَ بَابًا مِنْ عُمْرِهَا وَحِيدَةً إِلاَّ مِنْ أَقْلاَمِ زِينَتِهَا وَكُرَّاسِ رَسْمٍ لَمْ تَتَّسِعْ صَفَحَاتُهُ البِيضُ لِأَحْلاَمِهَا الجَامِحَةِ. بِاْسْتِعْمَالِ كَبْسُولَةِ الزَّمَنِ، يُصْبِحُ المَاضِي وَالحَاضِرُ وَالآتِي كُوكْتَالاً لِذَوِي الفُضُولِ. وَغَانْدِي، غَاوِي يُوغَا، يُمَارِسُهَا لَيْلاً، نَهَارًا، بِوِسْعِهِ، بِصَفَاءِ ذِهْنٍ، أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَشْيَاءَ الزَّمَنِ القَدِيمِ وَأَنْ يَتَحَاوَرَ مَعَهَا دُونَ أَنْ تَجْذِبَهُ مِنْ عَالَمِهِ إِلَى مَجَاهِلِهَا السَّحِيقَةِ.

تَسْأَلُهُ نَفْسُهُ وَقَدْ غَالَبَهَا النُّعَاسُ: أَيُعْقَلُ أَنْ تَرْوِيَ لِطِفْلَةِ الإِحْدَى عَشْرَةَ شَمْعَةً مَا قَدْ يُشَوّشُ عَقْلَهَا؟ 'ثَوْرَةُ اليَاسَمِينِ'، ثَوْرَتُهَا قَالَ غَانْدِي. ثُمَّ إِنَّ عُمْرَهَا عُمْرَانِ، عُمْرُ امْرَأَةِ أَفْنَتْ رُبْعَ قَرْنٍ فِي الحَيَاةِ وَهَا إِنَّهَا تَعُودُ إِلَيَّ، بِنُضْجِهَا ذَاكَ، فِي عُمْرِ طِفْلَةٍ ذَاتِ نُبُوغٍ وَفِطْنَةٍ وَطُفُولَةٍ فَيَّاضَةٍ؛ كُلُّ شَيْءٍ فِي إِطَارِهِ: سَأُحَدِّثُهَا كَطِفْلٍ عَمَّا جَرَى. وَأَيْقَظَ نَفْسَهُ كَيْ يَنَامَ لَكِنَّهُ اسْتَطْردَ وَهْوَ يَتَقَلَّبُ فِي فِرَاشِهِ: سَأَضَعُ يَدِي فِي يَدِ الطِّفْلِ الَّذِي بِداخِلِي وَأَحْكِي كَمَا يَحْلُو لِي ، لَهَا وَلِلْعَالَمِ. أَوَّلُ كِتَابٍ قَرَأَهُ أَطْفَالُ العَالَمِ كَتَبَهُ حَكِيمُ اليُونَانِ إِيسُوبُ فِي الأَصْلِ لِلرَّاشِدِينَ. وَمَاذَا نَقُولُ أَيْضًا عَنْ 'كَلِيلَةٍ وَدِمْنَةٍ " لـِ عَبْدِ اللَهِ بْنِ المُقَفَّعِ؟' - نَقْرَأُ كُلَّ شَيْءٍ '، قَالَهَا أَكْثَرُ منْ أَلْفَيْ طِفْلٍ لِمَاكْسِيم غُورْكِي لَمَّا سَأَلَهمْ، فِي رِسَالَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَمَّا يَوَدُّونَ قِرَاءَتَهُ. وَلِمَاذَا أَقُولُ مِثْلَ هَذَا الكَلاَمِ وَأَبْحَثُ عَنْ أَعْذَارٍ فِي كَيْفَ أَرْوِي قِصَّةً لِغَزَالَةِ رُوحِي وَهْيَ تَحْتَ التُّرَابِ؟ سَأَلَ غَانْدِي نَفْسَهُ. كُلُّ شَيْءٍ فِي إِطَارِهِ ! وَانْقَلَبَ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ كَيْ يَنَامَ".

***

صدر الكتاب عن الشّركة التّونسيّة للنّشر وتنمية فنون الرّسم، في 52 صفحة من الحجم الكبير، وفي طبعة فاخرة صمّمها الفنّان ياسين غربال، محلاّة، داخليّا، برسوم للفنانة المكسيكية عايدة إيمارت وللرّسّام الباناميّ أوزفالدو غراهام.

***

يذكر أن يوسف رزوقة من مواليد 21 مارس/آذار 1957 بقصور الساف بالساحل التونسي. بدأ الكتابة وعمره إحدى عشرة سنة. أصدر إلى حدّ الآن قرابة ثلاثين كتابا في الشّعر والرّواية والنقد الأدبي إلى جانب سبعين كتابا إلكترونيّا.

يكتب للأطفال منذ سنوات وله في هذا الحقل أناشيد صدرت في أشرطة ممغنطة وقصص فازت بجوائز.

وهو يعمل رئيس تحرير بجريدة "الصحافة" التونسية.