راهن الثقافة والإعلام الليبي في بعض مدن الثوار

كتب ـ محمد الأصفر
لا نلوم أحدا الآن

موجة عارمة من الحرية تعيشها مدن ليبيا التي انتزعت حريتها في المجال الإعلامي والثقافي. جرائد متنوعة وعديدة تصدر في كل المدن المحررة. صحف الكترونية وورقية. قنوات فضائية عديدة تبث من الخارج ومن الداخل. نشرات ومطويات توزع لنشر ثقافة الثورة والتسامح والحرية. نشرات تعلن عن أنشطة ثقافية هنا وهناك. إذاعات مسموعة في كل مدن ليبيا الحرة تبث على كل الموجات لتغطي كامل تراب ليبيا وحتى مساحات من دول الجوار. الانترنت في المدن المحررة توفر بصورة سريعة ومرضية. الاتصالات الهاتفية بالداخل والخارج توفرت هي أيضا. الحرية لها مذاق لذيذ وطعم طيب هذا العام. الدراما الرمضانية الليبية لم تتوقف. فنانون ينتجون مشاهد ومسلسلات فكاهية يعرضونها في اليوتيوب ويتم تناقلها عبر الهواتف المحمولة وعلى صفحات النت.

من طبرق في أقصى شرق ليبيا يقول الكاتب والاعلامي سعد المنصوري: شهر رمضان هذه السنة في مدينتي طبرق غير السنوات الماضية، ما شاء الله. المدينة شعلة من النشاط الثقافي، محاضرات، ندوات، ملتقيات، حراك ثقافي واجتماعي وسياسي وعسكري غير معهود ولا مسبوق. وكأنك تعيش في بغداد أيام هارون الرشيد. طبرق الآن تتنفس الحضارة وتصعد عبر سلم التقدم باضطراد. شكرا يا شهداء فبراير، شكرا يا ثوار 17 فبراير الذين كنتم سببا مباشرا في هذه النهضة التي ما كنا نتخيلها أو نحلم بها. شكرا أيتها الحرية الغالية.

أما في درنة المدينة التي تليها غربا فنلتقي بالكاتبة الصحفية صباح الشاعري لنسألها عن الثقافة والثورة والحرية بالمدينة الساحلية التاريخية درنة، فتجيب بكلام حماسي يؤيد الثورة ويناصرها. أسألها هل هناك حساسيات أو سلبيات تمس هذا العمل الإعلامي فتقول: نعم توجد بعض الأشياء السلبية. لكن نحن في درنة عملنا الصحفي كله من أجل الثورة. لا توجد حساسيات مؤثرة. هدفنا الذي نعمل من أجله ونتوحد حوله هو إسقاط النظام. والحساسيات التي تظهر سرعان ما تموت لتوها بفعل حبنا للثورة وعشقنا لها. بالنسبة لي أول مرة في حياتي أشعر أني أكتب من دون خوف. في عهد القذافي تم استدعائي للأمن الداخلي والتحقيق معي. الآن نعبر عما نريد وننتقد أي شيء في المدينة. نشعر باطمئنان وسعادة.

والمعروف أن مدينة درنة تعتبر من أهم المدن الليبية التي تهتم بالثقافة وتقيم لها المهرجانات والندوات والمحاضرات والمسرحيات، وهى مدينة وفن وأدب وجمال وهذا باعتراف كل من زارها وكل من عاش فيها، لكن في عهد القذافي كانت تعاني الإهمال المتعمد من قبل الطاغية الذين يخشون من الفكر والفن والثقافة خشيتهم من القنابل والرصاص. سألت صباح هل في عهد الثورة الآن تم الاهتمام بالمدينة؟

الباحث عادل الطلحي

تقول صباح: الحمد الله. لا نلوم أحدا الآن، مازلنا في مرحلة تحرير بلادنا وعاصمتها طرابلس. من قبل كدنا أن نفقد الأمل، درنة يبست، شاب شلالها الشهير تجعدت ملامحه من الظلم، الآن الأمل عاد من جديد. وبدأت درنة الزاهرة في النهوض، وبدأت أشجار الموز التي اشتهرت به تنبت من جديد، ودوالي الكروم تغطي واجهات كل المباني، مدينتنا هي مدينة صحابة رسول الله. وشهداء فبراير الشباب كانت مقبرتهم إلى جنب هؤلاء الشهداء الطاهرين في مسجد الصحابة الذين أراهم وقد شعروا بالسعادة لاستشهاد أحفادهم في ميدان الشرف والبطولة والحرية.

من بنغازي نسأل الباحث والناشط الحقوقي عادل الطلحي مدير المنظمة الليبية الشبابية لحقوق الإنسان عن رأيه في أجواء الثقافة التي تعيشها ثورة ليبيا فيقول: الحراك الثقافي في ليبيا الآن ما بعد الثورة واضح وظاهر للعيان. هناك تنوع فكري وإبداعي ومساحات شاسعة من حرية التعبير من دون رقيب. وعلى الرغم من وجود بعض الصحف التي تفتقد إلى المهنية والحرفية إلا أنها تعبر عن أصوات جديدة مهمة تبشر بالتعددية وبالرؤى الفكرية التي يمكننا التوقف عندها ومحاورتها.

الصحفية صباح الشاعري

ومن بنغازي ننتقل إلى مصراتة الصامدة 200 كيلو متر قبل طرابلس، وبالضبط إلى إذاعة ليبيا الحرة بمصراتة والتي تتألق كثيرا عبر برامجها المتنوعة التي تخاطب الثوار في الجبهات والمواطنين داخل المدينة والرأي العام في الخارج، برامج متنوعة تقدمها وسط الحصار وتحت خطر القصف، نلتقي بالشاعر الشاب يوسف عفط. هذا الشاعر الذي بدأ كثائر في بداية ثورة 17 فبراير يرجم كتائب الطاغية بأحجار الصوّان وبقنابل المولوتوف دفاعا عن مدينته وشرفها الغالي العريق صارخا لا للديكتاتورية نعم للحرية. ثم بعد نجاح الثورة التي كتب قصيدته فيها ها هو يضطر إلى سد الفراغ الإعلامي في المدينة فيترك كتابة الشعر وينخرط في العمل بإذاعة ليبيا الحرة بمصراتة عبر إعداده وتقديمه لبرنامج بعنوان الثورة في عيون الصحافة اسأله أين الشاعر يوسف وأين قصائده وسط هذا الخضم والزخم فيجيب كما تعلم أخي العزيز بأن الظروف الصعبة التي مرت بها مصراته جعلتنا نحاول سد الفراغات في جميع المجالات، ولذلك وجدتُني في الإعلام لأول مرة, فأنا تلميذ ثورة السابع عشر من فبراير، وكما تعلم أيضا أن معركة الإعلام العنيفة أخذت كل الوقت فلم أعد أتحصل على وقت الجلوس للكتابة, فكانت القصيدة تعد بالحضور ولا تحضر, كما أنني لا أخفيك سرا, بدأت أشعر أن مهمتنا نحن الشعراء تزداد صعوبة أمام ما شاهدناه من بطولات في هذه الثورة العظيمة. أحيانا الحدث الجلل يتجاوز القصيدة وآنذاك على الشاعر أن ينتظر وينتظر حتى تسمح له الثورة وهيبتها بالكلام.

الكاتب والاعلامي سعد المنصوري

نحن الآن كشعراء وروائيين وقصاصين وتشكيليين في مدينة مصراتة مشغولين بالثورة والقتال في الجبهة لمواصلة الزحف نحو العاصمة طرابلس. نحن نقاتل الآن في الجبهة الإعلامية وهذه الجبهة هي من أولى الجبهات حيث كان لها الدور البارز بداية بالأغاني الوطنية التي تبثها تستنهض الهمم وترفع المعنويات, ومن تم توعية الناس. أيضا للإذاعة دور أمني حيث تقوم بمهمة التنسيق بين نقاط التفتيش وتسويه الأمور الطارئة داخل المدينة من خلال النداءات والتوجيهات والأخبار وغيرها. وبذلك كانت إذاعتنا شوكة في حلق النظام الفاشي ولذلك استهدفها منذ البداية بالقصف ولكن هذا الصوت ظل صامدا ومناضلا من أجل القضية.

سألته عن أهم البرامج التي تبثها الإذاعة فقال من أهم برامجها برنامج "مذكرات قناص" والذي كان تسجيلا لمذكرات وجدت بحوزة قناص طيلة مكوثه في مصراتة ممتشقا رشاشا بمنظار فوق مبنى عمارة عالية في شارع طرابلس, وهناك برامج أخرى أذكر منها نبض الشارع, نقوش على جبين الثورة, رسائل الثوار, مصراته في عيون العالم, أوقات عصيبة, الأسوة الحسنة, ملف الثورة, صباح الخير يا ليبيا, الثورة في عيون الصحافة, وهذا الأخير هو من إعدادي وتقديمي, وفيه أتطرق لأبرز العناوين في صحف عربية وأجنبية وأتناولها بالتحليل مع ضيوفي, من محللين سياسيين وناشطين حقوقيين استضيفهم من مصراتة ومن مدن ليبية أخرى يغامرون ويحضرون في جرافات صيد عبر البحر.

وعن رأيه في الأداء الإعلامي والثقافي الآن في عصر الثورة قال: بما أن الثورة السلمية تحولت رغما عنا إلى حرب ضروس فإننا ولا شك نعلم أن الإعلام هو جبهة وهو من أهم الجبهات في هذه الحرب, ومع اختلاف الوضع في مصراتة مقارنة ببنغازي وغيرها من حيث الحصار الخانق إلا أننا لم ننتظر أن يتدخل الإعلام الخارجي لنصرتنا, وبادر شبابنا بمجهود ذاتي بنقل الصورة والصوت إلى العالم وَوُفقنا في ذلك رغم انقطاع الكهرباء ووسائل الاتصال المختلفة, وبالتالي فإنني من وجهة نظر شخصية ومن منطلق أن الإعلام جبهة حرب الآن, فإن الإعلام لا يجب أن يخضع لحرية بنسبة كبيرة على الأقل في الوضع الراهن بل يجب أن يمشي على خطط واستراتيجية معينة تخدم الثوار وحربهم إلى حين إشعار آخر, وبذلك فإني أرى أن إعلام ثورة السابع عشر من فبراير, كان موفقا بشكل كبير فلا نرى الآن قضايا وخلافات كبيرة إلا نادرا وهذا أمر طبيعي, فنحن الآن نتطلع لقتل الطاغية ومرتزقته, ومن تم نتمتع بحرياتنا كاملة في الإعلام وفي غيره من المجالات.

وعن أجواء شهر رمضان التى نعيشها الآن بعد أن حررنا الشهر الكريم من مزاج القذافي: بصراحة أجواء رائعة ومتميزة فعلى الرغم من أن المدينة تقدم الشهداء وتستقبل الجرحى وتتطلع لأن تكتحل عينها بعودة المفقودين, إلا أن هذا الشهر الكريم له روحانياته الممزوجة بالحرية والتسامح والعطاء, مصراتة كلها تدعو الله وتسأله الفتح القريب, وحناجر المساجد تصدح بالتكبير, الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.