انتخابات تونس تواجه مأزقا حقيقيا يهدد الانتقال الديمقراطي

بقلم: منور مليتي

بات من المؤكد أن الاستحقاق الانتخابي للمجلس التأسيسي في تونس المزمع إجراؤه في أكتوبر القادم يواجه مأزقا حقيقيا وتحديات وصعوبات سياسية وتنظيمية قد تهدد عملية الانتقال برمتها إذا ما اعتبرنا أن هذا الموعد سيمثل أولى خطوات الانتقال ومحك المسار الديمقراطي.

ولئن كان هناك ما يشبه الإجماع من قبل الفاعلين السياسيين سواء الحكومة المؤقتة أو الأحزاب السياسية أو النخبة المثقفة على التمسك بإجراء الانتخابات في موعدها فإن الملاحظ للمشهد السياسي في تونس منذ ثورة 14 يناير بإمكانه أن يقف عند صعوبات تنظيمية وسياسية ساهمت إلى حد كبير في تعقيد الوضع بما جعل مسار الانتقال الديمقراطي تتهدده مخاطر على جميع الفاعلين السياسيين ألا يستهينوا بها ويتحملون مسؤولية تاريخية ووطنية في تذليل الصعوبات وحماية المسار الذي يعبر عن تطلعات التونسيين إلى مجتمع حر ديمقراطي ودولة مواطنة مدنية تحظى بالشرعية من كافة مكونات المجتمع التونسي.

العملية السياسية في مأزق

أول ملاحظة يمكن استنتاجها من الضعف الكبير في الإقبال على التسجيل لانتخابات المجلس التأسيسي واضطرار الهيئة المستقلة للاكتفاء ببطاقة التعريف الوطنية تتمثل في أن العملية السياسية التي تعيشها تونس منذ الثورة تعيش مأزقا خطيرا على جميع الأطراف السياسية والإجتماعية أن تتعاطى معه بكل مسؤولية ووعي.

وأبرز ملامح هذا المأزق هو عزوف المواطن التونسي على المشاركة في إنجاح أول استحقاق انتخابي يعد بلا شك محرار نجاح مسار الانتقال الديمقراطي، عزوف لا يمكن تفسيره باستقالة المواطن عن العمل السياسي لان الشعب الذي ثار ضد نظام الاستبداد وأنجز ثورة سياسية متحضرة هو صانع العملية السياسية ذاتها.

التفسير الأقرب للواقع هو أن مختلف الأحداث التي شهدتها تونس منذ الثورة ساهمت إلى حد كبير في خلق مناخ سياسي ضبابي، مرتبك وغير مقنع وغير مطمئن.

بلا شك فإن مفاجأة الثورة للفاعلين السياسيين والنخب الفكرية يعد أحد الأسباب التي قادت إلى حالة من الغموض السياسي خاصة بعد الانفجار الحزبي وارتفاع عدد الأحزاب السياسية إلى أكثر من مئة حزب، لكن الأهم من ذلك كله يمكن تفسير ضعف التسجيل بالقائمات الانتخابية بأن المواطن التونسي يرفض الانخراط في عملية سياسية لم تتوضح ملامحها بعد، إضافة إلى عجز الأحزاب السياسية عن التفاعل الإيجابي مع مشاغل الناس وتطلعاتهم وطموحاتهم.

صحيح أن عملية الانتقال الديمقراطي هي عملية سياسية معقدة تستوجب الكثير من الجرأة والوضوح السياسيين ولكن الصحيح أيضا أن هناك مفارقة بين تطلعات التونسيين وأداء الأحزاب التي تجندت في مناخ من الحرية الكاملة لحملات سياسية تعبوية فشلت إلى حد الآن في إقناع المواطن لأنها استندت إلى خطاب نظري أكثر مما قدمت إجابات واضحة عن تساؤلات الثائرين.

مفارقة مفصلها الأساسي انه في الوقت الذي ينتظر فيه الشباب والجهات وأبناء الأحياء الشعبية في المدن برامج عملية وحلولا مقنعة تصر الأحزاب السياسية على اختزال العملية السياسية في تعبئة المؤيدين لها.

لم يتقدم أي حزب إلى المواطن التونسي ببرامج سياسية واجتماعية واقتصادية تقنعه بتحقيق الانتقال الديمقراطي على أسس سليمة ووفق مقاربات واضحة، وبدل أن توضح له المسار السياسي عمقت تعقيداته وحفرت فجوة بين الناخب وصندوق الاقتراع.

أكثر من ذلك ساهم عدد من الأحزاب السياسية في نشر التشكيك في جدوى العملية السياسية من خلال خطاب متشائم تجاه مستقبل المسار الديمقراطي.

وفي ظل هذا الوضع الهش والمعقد عجز الفاعلون السياسيون في توضيح أهمية انتخابات المجلس التأسيسي الذي سيضع أول دستور ديمقراطي للبلاد، وبدل أن تتقدم الأحزاب بمشروع دستور موحد أو بعدد من المشاريع اكتفت بإثارة قضايا هامشية جردت الاستحقاق الانتخابي من محتواه السياسي ومن أهميته التاريخية.

لا احد بإمكانه أن يتنصل من مسؤوليته، الحكومة المؤقتة والأحزاب السياسية وما بينهما من شخصيات مثقفة ونشطاء المجتمع المدني، فالمواطن التونسي الذي ثار ضد خيارات سياسية عقيمة لن يقبل بخطب سياسية لا تقل عقما.

إنه المأزق، مأزق العملية السياسية ونحن على مسافة شهرين من صناديق الاقتراع، ويزداد المأزق خطورة حين نصغي إلى الشارع التونسي فنكتشف أنه يتوجس من موعد الانتخابات ويبدي قلقا تجاهه ليشير إلى أنه معركة قد تحمل في طياتها تداعيات خطيرة على استقرار البلاد وأمنها.

أمام الفاعلين السياسيين شهرين فقد لإقناع مواطن واع بحقه الانتخابي ولن يقتنع المواطن إلا بما يستجيب لمشاغله، لذلك على الأحزاب السياسية أن تقوم بحملة لترشيد أدائها السياسي قبل السعي المحموم للقيام بحملاتها السياسية، فإن لم يحدث ذلك فانتظروا دخول العملية السياسية في مأزق الشرعية، شرعية الانتخابات وشرعية المجلس التأسيسي وشرعية الدستور الجديد، وإنه لمأزق عظيم لو يعلمون.

صعوبات تنظيمية وسياسية

منذ تأسيسها ما انفكت الهيئة المستقلة للانتخابات تبذل جهودا مضنية للإعداد التنظيمي والمادي واللوجستي لعملية الاقتراع وتوفير الظروف الملائمة لإجراء انتخابات حرة وشفافة يشارك فيها كل المواطنين بعيدا عن عقلية الإقصاء أو الوصاية.

لكن عمل الهيئة اصطدم بكثير من العراقيل والتعقيدات الاجتماعية والسياسية قد يكون أغلبها خارج إرادة الهيئة وإمكانياتها مما اضطر الهيئة إلى اعتماد بطاقة التعريف الوطنية للمشاركة في عملية الاقتراع وهو قرار شجاع وجريء يؤكد استقلالية الهيئة وعزمها على القطع النهائي مع أي شكل من أشكال الرقابة التي لاحقت الناخب التونسي في كل الانتخابات المزورة التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال.

لكن قرار الهيئة بالاكتفاء باعتماد بطاقة التعريف الوطنية في عملية الاقتراع جاء نتيجة عزوف المواطن التونسي على التسجيل بالقائمات الانتخابية وهو أمر خطير يستوجب التحليل اجتماعيا وسياسيا.

لا نعتقد أن نسبة التسجيل بالقائمات الانتخابية قد ناهزت الـ 20 بالمائة وهي نسبة ضئيلة لا تعكس الاهتمام الذي يوليه التونسيون للانتخابات كما لا يعكس عمق الوعي السياسي لدى المواطن، وبالمقابل فإنه يعكس حالة من الالتباس وربما التردد والضبابية التي استفحلت في المشهد السياسي وأثرت على مواقف الناس وممارساتهم.

لا يمكن بالطبع تفسير هذا العزوف دون الرجوع إلى ثقل الموروث السياسي الاستبدادي الذي سلب المواطن إرادته وثقته في العملية السياسية، مازال التونسي مرهقا بإرث نظامي بورقيبة وبن علي الذي جعل من صناديق الاقتراع مسرحية سيئة الإعداد والإخراج بل جعل منها فرصة لانتهاك إرادة الشعب والسخرية من مشاركته فكانت النتائج صفعة تألمت لها النخب السياسية والمثقفة والمواطنون بما أنها لم تنزل تحت نسبة 99 بالمائة، وهذا ما جعل المواطن التونسي يفقد الثقة في العملية الانتخابية.

صحيح أن الوضع تغير منذ الثورة لكن الصحيح أيضا أن ترسبات الماضي ما زالت تلقي بضلالها وتستدعي الكثير من الجهد لاستعادة المواطن ثقته في العملية السياسية عامة والعملية الانتخابية خاصة.

وإضافة إلى الموروث السلبي يعيش المواطن التونسي مرحلة الانتقال الديمقراطي بنوع من الوعي الدقيق والعميق، الوعي بأن المشهد السياسي الحالي مزال ضبابيا ملتبسا على السياسيين قبل المواطنين غير واضح أمام الأحزاب وأمام النخب، فكيف يكون واضحا أمام المواطن؟

قد يمكن تفسير ضعف التسجيل بالقائمات الانتخابية باستقالة المواطن من العملية السياسية أو بلامبالاته بالأحداث، لكن نعتقد أن هذا التفسير سطحي بل لا يتطابق مع الثقافة السياسية للمجتمع التونسي الذي يعد من أكثر المجتمعات العربية تسييسا، لذلك فإن التفسير الأقرب للواقع هو أن وعي المواطن بضبابية المسار السياسي قاده إلى موقف واع من الانتخابات وكأنه يقول للفاعلين السياسيين: لما تتوضح المعطيات السياسية سأقرر ممارسة حقي الانتخابي بكل مسؤولية ووعي.

الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة

ساهمت تركيبة الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة ومختلف المسارات التي انتهجتها منذ تأسيسها في توتير الوضع السياسي والحال أن مهمتها تتمثل في انتهاج مسار من النقاش والحوار الإيجابي بين أعضائها ينأى بالثورة عن المزالق ويحقق حدا مقبولا من الإجماع حول مختلف القضايا والمسائل المطروحة.

لقد طرحت مسالة شرعية الهيئة منذ تأسيسها بل أكثر من ذلك لا يعلم أحد حتى اليوم كيف تم اختيار أعضائها وعلى أي أساس ووفق أية مقاييس دخل أفراد صلب الهيئة ليتكلموا بصوت عال باسم الشعب لا بل باسم الثورة وتحقيق تطلعات التونسيين وطموحاتهم.

وإذا حاولنا فهم تركيبة الهيئة فإننا نلاحظ أنها فسيفساء غير متجانسة ولا تتوفر على الشروط الضرورية لتشكيل رأي أو بناء موقف يمكن أن يجمع عليه أعضاء الهيئة من ناحية ويعبر عن إرادة الشعب من ناحية أخرى.

ومما عمق أزمة الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة المهام التي عهدت إليها وفي مقدمتها المصادقة على مشاريع المراسيم مما أضفى صبغة تشريعية على وظيفتها وهو أمر يستوجب الحذر من ناحية ويحمل الهيئة مسؤولية وطنية في ما يتعلق بالجوانب التنظيمية والقانونية المتعلقة بمسار الانتقال الديمقراطي.

وبقطع النظر عن الأسباب الحقيقية والحسابات السياسية التي تقف وراء انسحاب حركة النهضة من الهيئة فإن هذا الانسحاب قد أثار تساؤلات حول مدى شرعية الهيئة أو في أحسن الحالات مدى قدرتها على استيعاب مختلف المقاربات والأفكار والتيارات للخروج بموقف يحظى بالإجماع وبالتالي يحظى بالشرعية.

لقد بذل رئيس الهيئة العميد عياض بن عاشور جهودا مضنية في إدارة عمل الهيئة التي كادت تنفجر وتتفكك في أكثر من مرة، ورغم المؤاخذات التي لم تتردد بعض الأحزاب في توجيهها إلى الهيئة وإلى رئيسها فقد تقدمت الهيئة خطوات باتجاه التحكم في الحوار الوطني الممثل داخلها.

ونعتقد أن أي ارتباك يحصل داخل الهيئة له تداعيات مباشرة على ثقة المواطن في المسار السياسي وفي الاستحقاق الانتخابي القادم لذلك تحتاج هيئة بن عاشور إلى الكثير من رحابة الصدر والذكاء في إدارة عملها بشكل يؤدي غلى صياغة إجماع حول شرعية مهامها.

لذلك يمثل تقدم عمل الهيئة باتجاه تحقيق إجماع حقيقي تحديا يواجه العملية الانتخابية أما إذا ما تواصل وضعها الهش فإن ذلك ستكون له تداعيات سلبية على الاستحقاق الانتخابي.

الاستقطاب السياسي

يشكل الاستقطاب الذي طبع المشهد السياسي منذ الثورة تحديا خطيرا يواجه الانتخابات لأنه يحمل في طياته نوعا من التوتر السياسي ونزعة لاحتكار الحياة السياسية.

وسواء اتفقنا على أن الاستقطاب ينحصر بين حركة النهضة والأحزاب القريبة منها من جهة والتيارات اليسارية من جهة أخرى أو بين حالة استقطاب أوسع تشمل أحزاب أخرى بما فيها المحسوبة عن حزب التجمع المنحل فإن المشهد السياسي تتنازعه عمليات استقطاب خطيرة ساهمت بشكل كبير في نشر نوع من الالتباس لدى المواطن التونسي تماما كما ساهمت في تكريس وضع سياسي هش يفتقد لأرضية سياسية تحتضن مشاغل الناس الحقيقية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولعل أبز دليل على هشاشة الوضع السياسي الناجم عن نزعة الاستقطاب لكسب الأنصار والتعبئة العشوائية هو عدم بروز قوة سياسية تحظى بإجماع التونسيين وتمتلك مقومات الشرعية، قوة سياسية في شكل تحالف أو ائتلاف أو جبهة تتبنى القيم الحداثية للمجتمع وتتمسك بمدنية الدولة وتعترف بحق الاختلاف للجميع.

ومما عمق خطورة الاستقطاب أنها ساهمت في خلق مناخ سياسي مشحون لا يخلو من التشكيك في المسار السياسي والتخوف من بعض الأحزاب، لذلك فإن الحوار الوطني بين الأحزاب السياسية أصبح اليوم ضرورة سياسية إذ من غير المقبول ومن غير المجد أن تنشط الأحزاب السياسية وتقوم بحملاتها التعبوية في مسارات مختلفة مع غياب واضح لأية برامج أو حتى مشاريع برامج يجمعها خيط رفيع يقنع التونسيين بان تونس تتجه نحو تحقيق أهداف الثورة وبناء مجتمع ديمقراطي حر.

حالات الانفلات

أصبحت حالات الانفلات التي تعيشها تونس منذ الثورة تمثل تحديا جديا يواجه انتخابات المجلس التأسيسي وهي حالات أربكت العملية السياسية ونشرت الكثير من التوجس لدى المواطنين.

علينا أن ندرك أن الانفلات لم يكن أمنيا فقط بل تحول إلى انفلات اجتماعي من خلال تنامي الإعتصامات وسياسي من خلال نزعات احتكار الحياة السياسية ومحاولات القوى المعادية للثورة وإعلاميا من خلال الطريقة التي تعاطت وتتعاطى بها بعض وسائل الإعلام مع الأحداث في البلاد ما حدا برئيس الحكومة المؤقتة بتوجيه انتقادات للتلفزة الوطنية.

لا شك في أن بعض الجهات تستفيد من حالات الانفلات بجميع أشكالها بل لعل البعض منها يقف وراءها لكنها في الواقع تخطئ في حساباتها السياسية ذلك أن تواصل الانفلات لا يعنى سوى أن مرحلة الانتقال الديمقراطي مازالت مهزوزة وهي بذلك لم تكسب بعد ثقة الناخب التونسي الذي يتطلع إلى حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويطالب بتهدئة الوضع حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

أبعد من ذلك يؤكد استمرار الانفلات عن عجز واضح لدى الأحزاب السياسية في كسب ثقة الناس ومن ثمة ضعف قدرتها على تأطير المواطنين رغم حملات التعبئة التي تقوم بها بكل حرية في مختلف جهات البلاد وهو ما يدعو الأحزاب إلى مراجعة تحركاتها ونشاطها من أجل عقلنة خطابها وصياغة خطاب برامجي لا تعبوي، خطاب يساهم في ترشيد العملية السياسية وفي دفع عملية الانتقال الديمقراطي وبالتالي في تشجيع المواطنين على الإقبال على صناديق الاقتراع.

وإذا كان الانفلات مقبولا إلى حد ما من المواطنين الثائرين على أشكال الاستبداد فإن دور الفاعلين السياسيين والنخب يتمثل في تأطير الانفلات وتوجيهه نحو ممارسة سياسية واعية وبناءة تساهم في تحويل الانفلات إلى ظاهرة سياسية خلاقة تؤسس لثقافة الدولة مستلهمة قيمها من ثقافة الثورة.

شرعية صناديق الاقتراع

من التحديات الخطيرة التي تواجه الاستحقاق الانتخابي مسالة الشرعية، فتونس تمر لأول مرة في تاريخها الوطني بأزمة شرعية بهذا الشكل، صحيح هناك حكومة مؤقتة تحظى بشرعية نسبية وتجري على أساسها مشاورات مع جميع الأطراف حول أهم القضايا والأولويات الوطنية، لكن علينا أن ندرك أنها حكومة مؤقتة وبالتالي فإن شرعيتها مؤقتة أيضا.

إضافة إلى ذلك، نلاحظ في كثير من الحالات أن مسألة الشرعية مطروحة حول الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة بل وحول مختلف الهيئات التي تأسست منذ الثورة، الشيء الذي جعل من العملية السياسية عملية هشة فاقدة لأرضية مؤسساتية تحظى بإجماع التونسيين.

وغياب الشرعية أفرز متاهات سياسية في ظل غياب الأطر المنظمة والمرجعيات الواضحة والبرامج العملية، والأخطر من ذلك نلاحظ أن بعض الأحزاب تحاول إقناع التونسيين ب "شرعيات" معيارية مثل شرعية الشارع دون تحديد معناه، والشرعية النضالية والتاريخية دون تفسيرها.

لكن عملية الانتقال الديمقراطي السليمة التي تتحقق من خلالها أهداف الثورة وتستجيب لتطلعات التونسيين لن تتحقق إلا في إطار شرعية واحدة هي شرعية صناديق الاقتراع، صندوق الاقتراع هو وحده الذي يمنح الشرعية لهذا الحزب أو ذاك وأي نزعة أخرى إنما هي قفز في المجهول وتهديد للمسار الديمقراطي وخدمة مجانية للقوى المعادية للثورة.

وفي هذا السياق تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية تاريخية ووطنية في نشر ثقافة المواطنة ، ثقافة مدنية تقنع المواطن بأن تونس الديمقراطية لا تبنى لا بالفوضى ولا باحتكار الحياة السياسية ولا بمحاولة إقناع المواطن بأن هناك شرعية غير شرعية الانتخابات.

إن هذه التحديات التي تواجه انتخابات المجلس التأسيسي تعكس في الواقع طبيعة عملية الانتقال الديمقراطي التي تستوجب شروطا تاريخية وسوسيولوجية وسياسية وثقافية ولكنها تعكس أيضا خصوصية المشهد السياسي التونسي وأداء مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية ومدى قدرتها على التسلح بوعي وطني يستلهم مفرداته ومفاهيمه من خصوصية المجتمع التونسي ومن تطلعات المواطنين إلى بناء مجتمع ديمقراطي ودولة مواطنة مدنية على أساس انتخابات حرة ، شفافة ونزيهة.

منور مليتي