الليبرالية الإسلامية

بقلم: أحمد أبودوح

لا شك أن الانغلاق المجتمعي والكبت الديني الذين فرضتهما الكنيسة على المجتمعات الأوروبية في العصور الوسطي قد أديا إلى الإنفجار السياسي والمجتمعي الكبير الذي عاصرته معظم الدول الأوروبية في ذلك الوقت.. ساعده في الإنتشار ظهور الفكر الماركسي وما نتج عنه من محاولات تنحية الكنيسة، وتقليص دورها السياسي والحد من تأثيرها بشكل أو بأخر على أنظمة الحكم المتعاقبة.

شكلت تلك الظروف التي مرت بها هذه المجتمعات التربة الخصبة التي ساعدت على ظهور التيار الليبرالي إلى الوجود، ومن ثم وجد فيه الأوروبيون فرصة ذهبية للإبتعاد عن كل ما هو كنسي نتيجة ما يحملونه من نظرة سلبية مسبقة لهذا الكيان والقائمين عليه، وأيضا كوسيلة للتخلص من العيوب الجوهرية التي ظهرت عند تبني هذه البلدان للفكر الماركسي ونظريته الإقتصادية التي عرفت فيما بعد بالإشتراكية.

من هذا المنطلق نجد أن ما مرت به الشعوب الغربية من مراحل التطور الإنساني ترتكز على نفس المحاور الرئيسية التي تلعب دورا مهما في توجيه مراحل التطور التي يمر بها المجتمع المصري الآن، مع إختلاف الفلسفة الحاكمة التي يحاول كلا من المجتمعين التخلص منها، ومع تباين الدور الذي يلعبه التيار الديني في كلا من الحالتين.. فنجد أن التيار الديني الأوروبي – الكنيسة – قد تحول – بفضل الثورة – من القوة الحاكمة المسيطرة الملهمة إلى حالة من الصمت والسكون المصحوبة بالتهميش، على عكس التيار الديني بشقه الإسلامي في مصر الذي إنتقل – أيضا بفضل الثورة – من العزلة المجتمعية والانزواء السياسي، إلى الإنخراط في الصراع الأيدولوجي، وأيضا تبني أيدولوجية الصراع.

نتج عن ذلك بالطبع حالة الإستقطاب الواسعة التي يعيشها المجتمع المصري الأن، كنتيجة طبيعية لحالة التنافسية المبنية على المغالبة، والتي نراها تسيطر على جميع التيارات الفكرية والتوجهات الأيدولوجية المحركة للقوي المختلفة على الساحة السياسية. ظهر ذلك بوضوح بين التيارين الليبرالي والإسلامي.

والحقيقة أن كلا التيارين يتفق مع الأخر في أمور جوهرية قد لا تكون واضحة لإنعدام الرؤية التي تتميز به هذه المرحلة، ولكن تبقي المسافة التي تفصل بين المرجعية الملهمة لكلا منهما كبيرة إلى حد بعيد.. فإذا كان التيار الإسلامي يتخذ من المرجعية الدينية الإطار الوحيد له، فإن الفكر الليبرالي يري في الغرب المرجعية الحضارية الوحيدة له.

ولعل المنهج التحليلي الغربي، والوضعية المنطقية بوجه خاص هي أبرز ما يميز المدرسة الليبرالية الحديثة، التي لا تنفي عن نفسها الميول الطبيعية للقومية التي تعد من أهم مكونات المجتمع المصري، ولكنها في الوقت ذاته تحاول إيجاد طريقة تلتقي بها أوصولنا الموروثة مع ثقافة العصر الذي نعيش فيه.. وهو ما قد لا يتفق مع العقل الجمعي المحرك للتيارات الدينية بصفة عامة، والذي يتجه بطبيعته نحو الميل إلى الماضي والعودة إلى الجذور ومحاولة الإقتباس والتطبيق، التي لا تخلو من الإجتهاد إن أمكن، بحيث لا يتنافي ذلك مع تطلعهم نحو متطلبات العصر الحديث، وإنما يحيط هذا التطلع نوع من الإنتقائية الإجرائية ومراعاة البعد الروحي.

إلي جانب قضية "الأصالة والمعاصرة" يظهر محور خلافي أخر يخضع لقيود المجتمع الشرقي طبقا لطبيعته التي تجعل منه نقطة إختلاف من الناحية النظرية البحتة، والتي يمكن التوافق حولها على أرض الواقع: وهي نظرة كلا من التوجه الليبرالي والمرجعية الإسلامية "للفرد" الذي يشكل العنصر الأساسي لبناء ثقافة المجتمع. فكما تنظر القوي الليبرالية للفرد على أنه كيان مستقل يمتلك حرية مطلقة في إطار من التسامح وقبول الأخر.. فإن التيارات الدينية بجميع أطيافها تميل إلى أن الفرد هو جزء من الجماعة، وتري أن الحرية الإيجابية تتخطي فكرة قبول الأخر إلى الحفاظ على المكتسبات الموروثة للمجتمع المحيط به. هذا إختلاف طبيعي نتيجة للتباين الجوهري بين الإتجاهين، ولكننا – كما أسلفنا – يمكن أن نصل إلى توافق لا يتعارض مع الطرح السابق لكلا التيارين بحيث يكون مبنيا على نظرة موحدة " بأن الفرد غاية في ذاته، وعضو في مجتمع في أن واحد".

وقد تبلور هذا الخلاف وبدا واضحا في الصراع المحتدم بين القوتين حول المرجعية التي سوف يستند عليها الدستور الجديد، والحيرة بين تمسك البعض بالمبادئ الفوق دستورية، ورفض البعض الأخر لها.

ولكن في الواقع فإن مصر تختلف إختلافا جذريا عن تلك المجتمعات التي تخلصت من جميع القيود والعادات التي تتسم بشيء من المحافظة، وإنطلقت نحو الإنفتاح الإقتصادي والإجتماعي والسياسي من دون رقابة.. فلا يصح مثلا أن نرى القوى الليبرالية تلقي بإتهامات التخلف والرجعية على كل ما هو إسلامي، منتهجة في ذلك نفس الطريقة التي طبقها أتباع التاتشرية البريطانية، والريجانية في الولايات المتحدة في حربهم على الإسلام بصفة عامة، كما أنه من غير المنطق أن تتهم الجماعات الإسلامية كل من يخالفها في الرأي بالتكفير والخروج عن الشرع والعداء لله – عز وجل – وخاصة عندما يحدث ذلك في بلد غالبية سكانه من المسلمين.

قد يفسح هذا المجال أمام إعتقاد البعض أن نقاط الخلاف بين الفريقين هي الغالبة على علاقتهما ونظرة كلا منهما للأخر، وقد تكون هذه النقاط أكثر من نقاط التلاقي، ولكنها – في حقيقة الأمر- تبرز خلافا وهميا، ناتجا في الأساس عن سياسية الإقصاء التي يحاول إستخدامها كلا من الطرفين لتحقيق مكاسب معنوية على حساب الطرف الأخر، فليس كل من يتبع التيار الليبرالي كافرا، ولا كل ما هو إسلامي رجعيا أو متخلفا.. كل ما في الأمر هو عدم محاولة كلا الطرفين التفكير خارج الصندوق الذي حشرنا أنفسنا بداخله، والتقاعس عن مجرد التفكير في التوصل إلى درجة من التوافق تسمح بالحوار، وإن أدي ذلك إلى ميلاد تيار جديد يمكن أن نطلق عليه " الليبرالية الإسلامية أو الإسلام الليبرالي " الذي سوف يعبر في النهاية عن إعتراف صريح من كلا الطرفين بالأخر، ومن ثم التوحد ودفع المجتمع بأثره إلى تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة.

أحمد أبودوح