ثبات 'المتهم المريض'.. لا رضوخ 'المستسلم الذليل'!

بقلم: عبدالله كمال

كان ذهاب الرئيس المصري السابق إلى «محاكمته» أمرا لا مفر منه من الناحية القانونية. إجرائيا لا يمكن أن تنعقد المحكمة ويعتبر حاضرا، بينما هو حبيس في مستشفى شرم الشيخ إلا إذا كانت المحكمة قد أصدرت أمرا آخر لم يكن قد صدر بالفعل. وكما يبدو فإن جهات عدة معنية بالأمر لم تكن مستعدة لتحمل مسؤولية ألا تنفذ أمر القانون وتعاني من أعباء ذلك في المناخ المصري العام الحالي.

حتى ساعة مبكرة من يوم 3 أغسطس 2011، كان مبارك يعتقد أن بإمكانه ألا يذهب إلى قاعة محاكمته في أكاديمية الشرطة التي كانت تحمل اسمه، لكن مدير أمن سيناء الذي كانت لديه تعليمات بتطبيق أمر النيابة لإحضار «محمد حسني مبارك» إلى المحاكمة في القاهرة، قالها بصراحة إنه لا يستطيع تحمل مسؤولية عدم نقل مبارك الى مكان المحاكمة، ولو تطلب الامر أن يكلف أربعة أشخاص بحمل السرير الذي ينام عليه الرئيس السابق في مستشفى شرم الشيخ ونقله إلى الطائرة المروحية التي كانت منتظرة منذ الليلة السابقة في ممر المطار الدولي.

انتهت عملية التفاوض، التي كان طرف مبارك والد زوجة ابنه جمال رجل الأعمال محمود الجمال. وفي الساعة السابعة والربع من صباح يوم المحاكمة، وباستخدام ما يشبه عمليات التمويه من قبل قوات الأمن، تم تسفير الرئيس السابق إلى القاهرة، حيث نقل إلى مقر الأكاديمية ومنها إلى قاعة المحاكمة، إلى أن ناداه القاضي أحمد رفعت فرد من داخل القفص: «أفندم... أنا موجود».

سبّب هذا المشهد، خصوصا في مأسويته ومفارقته من حيث كونه يتضمن التناقض الرهيب بين رجل كان يحكم وأصبح يُحاكم، صدمة للمؤيدين والمعارضين. خصوم مبارك لم يصدقوا أن المشهد وقع أخيرا... واعتبروه دليلا على نجاح ما قاموا به ضد الرئيس السابق. والمؤيدون اعتبروه إهانة. فالرئيس الذي كان يقف أمامه الجميع (انتباه) ويقولون حين ينادي هو «أفندم» هو الآن راقد على سرير المرض يرد على القاضي: «أفندم... أنا موجود».

أول الخاسرين في هذا المشهد مؤسسة الرئاسة المصرية، وعلى رأسها الرئيس كائنا من كان، مبارك أو غيره، فقد اهتزت الهيبة وتراجعت المكانة وأصبح واقع رأس الدولة ممثلا في رئيس سابق مختلفا تماما عن صورة ذهنية تكونت على مدى خمسة آلاف عام هي عمر الدولة المصرية. ولم تكن الخسارة تعني حسني مبارك نفسه... وإنما ما يمثله داخليا وخارجيا، محليا وإقليميا. ولهذا لم يكن عجيبا أن تصدر صحيفة «الجمهورية» اللبنانية وهي تعلق على الحدث قائلة: «ليش يا مصريين؟!» وأن تكتب صحيفة الشرق الأوسط ساخرة: «مصر تحاكم مبارك على سرير!».

ذهب مبارك إلى قاعة المحاكمة رغم كل ذلك متماسكا، رغم أن البعض كانوا يعتقدون أنه سوف يقاوم إلى درجة بعيدة أن يترك سريره في مستشفى شرم الشيخ، وبغض النظر عما بدا عليه ابناه علاء وجمال من ثبات يمكن أن تكون له تفسيرات متعددة، فإن الجميع انتبه إلى أن مبارك نفسه كان «رابط الجأش واضح الصوت»، يتابع ما يجري رغم كونه راقدا، حريصا على أن تكون في معصمه ساعة، ولم ينس خاتم زواجه، ولا لون شعره الأسود الثابت منذ زمن بعيد. باختصار لم يقدم مبارك صورة المنكسر الذليل وإن كان مريضا يصارع أعراضا ملتبسة للسرطان وأعراضا واضحة لأمراض القلب لرجل قارب منتصف العقد التاسع.

في قراءة مشهد مبارك التاريخي، وفي سيرته عشرات من المشاهد التي يجب أن تسجل تاريخيًّا سلبًا أو إيجابًا، لا يمكن التعامل مع مشهد القفص من دون الرجوع إلى مشهد آخر لم يره الرأي العام في أبريل الماضي، حين بدأت التحقيقات معه، وواجه من ممثلي النيابة عبارات من نوع: «مثل أمامنا محمد حسني مبارك»، وجملا من نوع: «ما هو قولك في ما هو منسوب إليك من اتهامات؟»

في هذه اللحظة المبكرة كانت قد تحطمت الهالة الرئاسية حتى لو كان ذلك قد تم في غرفة مغلقة قبل أن يكون الأمر منقولا على الهواء إلى كل أنحاء العالم.

انقسم المتابعون في مصر إلى فريقين، بعيد انتهاء جلسة الإجراءات، فريق متعاطف وجد في الرئيس السابق عنادًا وكبرياءً وبينما رأسه نائم على وسادة المرض فإنه لم ينحن، وفريق يلهث وراء إحساسه بتحقيق النصر على مبارك بكل ما يمثله وأنه يحقق أهدافه المعلنة من إسقاط «النظام» بما في ذلك ملاحقة مبارك ومحاكمته.

لكن الموقف بعد ذلك، وقبل الجلسة التالية للمحاكمة في 14 أغسطس، له أبعاد أخرى تجاوزت هذه المشاعر الأولية المتعاطفة أو المتشفية التي تنظر إلى مبارك على أنه مريض، وتراه ذليلا. ومكمن تلك الأبعاد الأهم هو في تطبيق مبدأ علنية المحاكمة التي سعى إليها الثائرون. ثم اكتشفوا أن العلنية عبء كبير، خصوصا وهم يرون أن مبارك بما يمثله ظاهريا في القفص، بثباته هو وابناه، ومحاميه فريد الديب، إنما يحققون «انتصارا تلفزيونيا» أمام الرأي العام.

في المقابل كانت هناك فيالق من المحامين «محدودو الخبرة والقدرة» يتصارعون أمام القاضي من خلف صفة الدفاع عن الحق المدني لكي يحصلوا على لقطة أمام الكاميرات، مثيرين للسخرية وعلامات الاستخفاف، خصوصا أن بعضهم وصل في تدنيه حد اعتبار الرئيس السابق الموجود في القفص ليس هو حسني مبارك.

ومع انطلاق وقائع المحاكمة التي يعتقد أنها قد تستمر لفترة طويلة دخلت الأمور إلى نطاق جديد، له أبعاد قانونية، ولكن له تأثيرات سياسية وتاريخية يمكن رصدها في ما يلي:

- على مستوى الشكل، وجد خصوم مبارك، أن من يمثلهم أمام الشاشة، وفي وقائع المحاكمة، هم مجموعة من المحامين الساعين إلى الشهرة، ومن ثم فإن ذلك قد يؤثر على صورة الأفكار والرؤى التي يمثلها الفريق المناقض لمبارك، الذي سارع إلى حشد عدد من كبار المحامين المتطوعين لكي يواجه تحصن فريق المتهمين بقائمة مهولة من المحامين المشاهير والأكفاء وعلى رأسهم فريد الديب محامي مبارك وولديه.

- تبين قانونيا أن المحاكمة لن تكون جلسة وتمر، في ضوء أن القاضي أعلن التزامه بقواعد القانون، وبدا متمسكا منذ اللحظه الأولى بأصول الإجراءات، بدليل أنه طلب أن يتقدم إليه المحامون بما يريدون كتابة، وأنه أنصت إلى كل الطلبات، وبدأ يستجيب إلى بعضها، ومن ذلك أن يُنقل مبارك إلى المركز الطبي العالمي العسكري بطريق الإسماعيلية، ليكون قريبا من مقر المحاكمة في مستشفى مناسب لحالته. ما يعني أن مبارك سوف يواصل حضور الجلسات. ومن ثم فإن فريق الخصوم وجد أن عليه أن يستعد لجولات طويلة ومعقدة وقضية لن تحسم بين يوم وليلة أو جلسة وأخرى.

- المسألة الجوهرية المهمة هي أن الثائرين حاولوا استقطاب مؤسستين من الدولة إلى صفهم بكل السبل الأولى هي المؤسسة العسكرية التي قالت إنها تتحرك وفق مطالب الشعب، وأظهرت حسما ضد نزق بعض المحسوبين على الثائرين في مناسبات مختلفة وتبين أنها إنما تنحاز إلى مقتضيات الدولة، والثانية التي استدعيت لتلبية أهداف الثائرين هي مؤسسة القضاء، وقد تعرضت لضغوط مختلفة إعلاميا لكي تتجاوز قواعدها ثم تبين من هذا المشهد في محاكمة مبارك أنها تصر على أن تطبق صحيح القانون بغض النظر عن طبيعة المتهم وما يثار من حولها في قطاعات الرأي العام، عدد كبير من القضاة يقول الآن: «لن نحكم برأي الشارع... ولكن نحكم بالقانون».

هذا يعني ببساطة أن مؤسستين تعرضتا لإخراج من معادلة الدولة بفعل ما جرى بين 28 يناير و11 فبراير هما مؤسسة الرئاسة ومؤسسة وزارة الداخلية ولكن هذا الخروج السياسي سوف يحتاج إلى مجهود جبار من قبل الثائرين لكي يتم إصباغ صفة قانونية عليه تتمثل في إدانة كاملة لكل من كان في المؤسستين وعلى رأسهما مبارك ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي. وفي المقابل فإن المؤسستين الباقيتين «القانونية» و«العسكرية» تصران على أن تبقيا في حياد وفي سياق الدولة ومقتضياتها بينما التفاعلات جارية.

وإذا كان حضور مبارك إلى قفص الاتهام يعني تنفيذ التزام المؤسسة العسكرية بتعهدها أن تتم محاسبته بالقانون، وإذا كان هذا الحضور يعني أن السلطة القضائية لن ترتضي سوى القانون من دون محاباة أو تحامل، فإن ذلك المشهد يعني أن على الفئة الثائرة أن تبذل جهدا كبيرا لكي تؤكد ما ذهبت إليه من خلال الفعل الثوري في نهاية هذه المحاكمة.

- المسألة الجوهرية «الأكثر أهمية» هي أن المحاكمة سوف تكون صراعا بين روايتين للتاريخ بغض النظر عن أبعادها القانونية، رواية تبنتها إدارة مبارك لطبيعة الأحداث التي وقعت في مصر ورواية تبناها الثائرون. وسواء دانت المحكمة مبارك أو قالت برأي آخر فإن الحكم الذي سوف يصدر عنها هو في حد ذاته يعتبر انتصارا لرواية من الاثنتين وأهم نقاط الجدل في هذا هي: هل كان مبارك قاتلا وخائنا وفاسدا كما يريد الثائرون أن يدفعوا به وبهذه الصفات إلى التاريخ؟ أم أن لديه هو ومن يدافع عنه رأيا آخر سوف يحاول إقناع المحكمة به وباستخدام القانون؟

الموضوع أيضا له بُعد آخر، فمجريات المحاكمة العلنية، سيكون لها مردودها في الشارع، وبين فئات الرأي العام، الذي سيتابع صراع الدفاع والادعاء في ساحة القضاء على شاشة التليفزيون... وقد يدفع هذا فئات من المجتمع إلى أن تعيد تقييم الأمور بطريقة مختلفة... إيجابية أو سلبية... حسب موقف كل فريق... ولاشك أن لهذا تأثيراته السياسية في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

في هذا السياق يمكن فهم بعض المحاولات الإعلامية من أجل افتعال موقف معقد بين الرئيس السابق والمؤسسة العسكرية، من حيث القول إن مبارك سوف يلجأ في الدفاع عن نفسه إلى «توريط» بعض قيادات الجيش، لكي يحمي ذاته.

وهو أمر لا تلوح له بوادر، ولا يتوقع حدوثه، ولم تتضح له مقدمات في منهجية الدفاع التي أعلن عن بعضها فريد الديب، محامي مبارك، حين تقدم بسبعة طلبات إلى هيئة المحكمة كان أبرزها ضرورة أن يستمع إلى كل شهود الإثبات الذين قدمت بهم النيابة قائمة كاملة تشمل 1631 اسما.

عبدالله كمال

كاتب سياسي مصري