محاكمة رئيس أم نظام؟

بقلم: د. خليل حسين

رغم اختلاف الظروف والحيثيات، لم تعد محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين وإعدامه، سابقة في دراما الرئاسات العربية. فقد لحق به الرئيس المصري حسني مبارك، لتشكل سياقا وسلوكا لم تعتد أو بالأحرى لم تتخيله المجتمعات العربية.

فالصورة السريالية التي ظهر فيها في قفص الاتهام، شكلت جرعة إضافية لتهدئة شارع مصري حاول عبر حراك غير مسبوق، تغيير نظامٍ حَكم وتحكم فيه لثلاثة عقود مضت. فالمسألة هنا لا تبدو محاكمة شخص بعينه، بقدر ما هي محاكمة نظام سياسي كان بمثابة مفصل تاريخي في حياة الأمة العربية وقضاياها، في وقت كانت هذه الأمة بمن فيها المجتمع المصري بحاجة لنظام يحاكي دورها الريادي والطليعي في منطقة هي أشد المناطق تعقيدا وغليانا.

والمفارقة التي طغت على سير المحكمة كانت نقلها المباشر فضائيا، في محاولة لإقناع الطرف الآخر اذا جاز التعبير، أنها محاكمة شفافة لما يتطلبه واقع الأمر من إصرار وتوكيد على وجوب اخذ العدالة مجراها الطبيعي، دون مراعاة للدبلوماسية وبروتوكولاتها.علاوة على ذلك، ان الملفت في قضايا الادعاء، أنها لم تقتصر الأمور على الدعاوى المدنية، من حقوق تولدت نتيجة القمع والقتل العمد، بل تجاوزتها إلى أمور ذات طابع سياسي اقتصادي، ولو بطريق غير مباشر.فمن بين الدعاوى ثمة قضايا متعلقة بتصدير الغاز المصري بأسعار متهاودة إلى إسرائيل، وغيرها من المواضيع ذات الصلة بذلك، ما يعني ان ثمة مشاعر في الذاكرة الجمعية للمصريين بالعداء لإسرائيل، رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على توقيع معاهدة السلام بين البلدين.

ثمة شعور بدأ بالتوسّع والنمو بين شرائح المجتمع المصري، مفاده ان الحراك الذي بدأ في كانون الثاني/يناير الماضي لم يرق إلى مستوى الثورة المتعارف عليها في علم الاجتماع السياسي. بل بدأت محاولات الاحتواء والاختزال بهدف الالتفاف على المطالب الحقيقة التي رفعها الشعب المصري ودفع ثمنها دما. بمعنى آخر، ان مراقبة سياق المطالب والشعارات التي رفعت وترفع الآن، لم تكن تنحي الرئيس، بل إسقاط النظام ورموزه وتمددت المطالب إلى محاكمة النهج والسياسات داخليا، وربما وجلا وخجلا بما يختص بالسياسات الخارجية إدراكا من قوة مصر هي بفعاليتها ودورها وموقعها في النظام الإقليمي العربي.

من الطبيعي ان ثمة مسؤولية وتبعة شخصية على كل مسؤول في أي موقع وجد فيه، لكن الأهم هي التبعة والمسؤولية السياسية التي تترتب على تصرفات المسؤول وصولا إلى قمة القيادة في الدولة. فبصرف النظر عن الدعاوى الموجهة للرئيس السابق حسني مبارك في سياق ممارسته للحكم داخليا، ثمة سياقات وسياسات خارجية، أدت بشكل أو بآخر إلى تخلف مصر عن دورها وموقعها المفترض عربيا وإقليميا ودوليا، وهي مسألة لا ترتبط بشخص بعينه بقدر ما ترتبط بسياسات نظام، أدت تداعيات سياساته إلى جعل مصر مجرد دولة نائية بين دول العالم الثالث، بعدما كانت صاحبة الحل والعقد في أمور مصيرية.

وإذا كانت المحاكمة قد انطلقت، فمن الطبيعي ان تستمر بوتيرة متسارعة لكي تصل إلى نهايات محددة، باعتبار ان ظروف الشارع المصري محتقنة بكل أسباب وعوامل الانفجار، والخوف كل الخوف، ان تكون هذه المرة صورة من صور "الفوضى الخلاقة" المنتشرة في غير بلد عربي بحجة الثورات وغيرها من الشعارات. ففي الآونة الأخيرة ظهر سلم بارد بين الشباب المصري والقيادة العسكرية – السياسية المتولية لزمام الأمور، وثمة شعور بأن الحراك الشعبي يؤخذ إلى أماكن أخرى من بينها العنف والصدام مع الجيش الذي يبقى صمام الأمان لمصر وشعبها.وهذا ما ينبغي التنبه والحذر منه.

إن عِبَرَ المحاكمة وأحكامها، ينبغي ان تنسحب في غير اتجاه مصري وعربي، فمجتمعاتنا العربية هي بأمس الحاجة لصورة تعيد له الثقة بالنفس بعدما أنهكته أنظمة سادت أجيالا لا عقودا. وتملكت فيه حالات الإحباط والاكتئاب السياسي، وأخذت منه مأخذا قاتلا في سلوكه وتفاعلاته، فهو بحاجة لثورات حقيقية تعيد له، ما استلب منه كحقوق المواطنة الكاملة لا في حدودها الدنيا كما يتم التعامل معه حاليا، خوفا من ثورته التي اذا ما انطلقت لن بنفع بعدها الندم.

تبقى المفارقة الأشد قسوة بحق رئيس أكبر دولة عربية وإقليمية، حين يمتدحه وزير دفاع دولة، عدوة لشعبه ودولته ذلك حينما انبرى وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، بنيامين بن اليعازر، معتبرا إياه صديقا لإسرائيل. فهل هذه الإشادة والإطراء، هو وسام يحتاجه رئيس عربي من عدو لا يميز بين رئيس ونفر، أم ان الرئيس يحتاج دائما إلى وسام رضا شعبه، فعلا أنها مفارقة تستحق محاكمة نظام لا شخص.

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية