.. وأطل نتنياهو برأسه!

بقلم: معتصم حمادة

المؤشرات تؤكد عزم واشنطن وتل أبيب بذل المزيد من الضغوط لمنع فلسطين من التوجه إلى الأمم المتحدة.. فهل يستجيب الفريق المفاوض لهذه الضغوط؟

مع اقتراب استحقاق أيلول الفلسطيني في الأمم المتحدة، تصاعدت وتيرة التحركات السياسية، على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتوالت الاقتراحات والمبادرات، بعضها في تناسق سياسي واضح وصريح، وبعضها الآخر في تناقض سياسي صارخ ومكشوف، ولكل اقتراح أو مبادرة هدف مخفي وآخر معلن، بعضها نجح في الإخفاء، وبعضها فشل فشلاً ذريعاً، وهذا كله ينذر بأن الطرق إلى استحقاق أيلول لن يكون هادئاً ومستقراً، بل قد يتحول، ربما، إلى جبهة قتال سياسي ودبلوماسي، ليس واضحاً، حتى اللحظة، إلى ما سوف تنتهي هذه الجبهة في نتائجها.

* فالجانب الفلسطيني، بعد أن وفر الغطاء لذهابه إلى الأمم المتحدة، عبر دورة المجلس المركزي، أخذ يعمل على توفير تأييد شعبي لسياسته، جرى فيه الخلط بين التأييد لقرار الذهاب إلى الأمم المتحدة وبين التأييد «لسياسة الرئيس عباس»، في إطار نزاعات فتحاوية داخلية، ومناكفات فتحاوية ـ حمساوية، وبين «التأييد للرئيس» شخصياً. وهي محاولة من قبل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس محمود عباس لاستغلال قرار الذهاب إلى الأمم المتحدة، لإعادة تلميع الإستراتيجية السياسية التي مازال يعتمدها والتي أكد في خطابه الافتتاحي في المجلس المركزي على اعتمادها، ألا وهي إستراتيجية الخيار الوحيد، خيار المفاوضات، تحت سقف الراعي الأميركي. مع العلم أن هذا الخيار أثبت على مدى حوالي عشرين عاماً، فشله، قاد فيما قاد إليه، إلى تأجيل مديد لقضايا الحل الدائم، وإلى تفكيك هذه القضايا، بعد أن كانت تشكل حزمة تفاوضية واحدة. مما يشي، حتى الآن أن السقف الزمني للمفاوضات، التي مازالت هي الخيار، لا يزال مجهولاً.

* والجانب الأميركي اعتمد سياسة العصا والجزرة في التعامل مع الجانب الفلسطيني المفاوض. العصا، من خلال تهديد الإدارة الأميركية باللجوء إلى الفيتو في مجلس الأمن لقطع الطريق على التحرك الفلسطيني لاحتلال مقعد لفلسطين في الجمعية العامة، معترف بها دولياً. وكان قد لجأ إلى مثل هذا الإجراء حين تقدم الفريق الفلسطيني بشكوى إلى مجلس الأمن ضد العمليات الاستيطانية الإسرائيلية في المناطق المحتلة. العصا الثانية التي لوح بها الكونغرس الأميركي في بيانه الشهير في 9/7/2011 حين هدد بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية إن هي لجأت إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

أما الجزرة ـ وقد تبين أنها جزرة مهترئة وعفنة ـ فكانت الاقتراح الأميركي، في البيان الذي قدمته وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى اجتماع «اللجنة الرباعية» في 11/7/2011، يدعو الفلسطينيين والإسرائيليين إلى العودة إلى المفاوضات «بدون شروط مسبقة»، بحيث يتحول الاستيطان، في ظل المفاوضات إلى أمر واقع سلم به من قبل الفلسطينيين، وتتحول الإجراءات الإسرائيلية الأخرى، الأحادية الجانب، هي أيضاً أمراً واقعاً مسلماً به.

* * *

* الجانب الإسرائيلي كان، باعتراف العديد من المراقبين، أكثر الأطراف نشاطية في هذا السياق، بل استبق في تحركاته السياسية، الجانبين الفلسطيني والأميركي.

فقبل أي تحرك فلسطيني، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى جولة في العواصم «الرمادية» أي تلك التي ما زال موقفها غير واضح من قبول فلسطين دولة في الأمم المتحدة، بحثها على التصويت ضد الطلب الفلسطيني، وعلى أن تؤكد تمسكها بالمفاوضات سبيلاً وحيدا للحل، وبما يخدم السياسة الإسرائيلية. كما خير نتنياهو جماعات الرفض اليهودية في العالم لدعم السياسة الإسرائيلية، ولم يثنه عن تحركه هذا، موجة الاحتجاجات الاجتماعية التي تجتاح إسرائيل هذه الأيام.

كما وقف نتنياهو أمام الكونغرس يقدم إلى الرأي العام الأميركي اقتراحه للعودة إلى المفاوضات طبقا لورقة الضمانات الأميركية من الرئيس السابق بوش الابن إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق شارون في 14/4/2004.

ومؤخراً، سرب نتنياهو إلى الصحافة استعداده للذهاب إلى المفاوضات على خلفية خطاب الرئيس أوباما في مؤتمر إيباك (نهاية أيار/ مايو) الذي أكد فيه أن اعتماد حدود حزيران (يونيو) 67، أساساً للمفاوضات لا يتعارض ولا ينفي، ولا يلغي مبدأ تبادل الأراضي بين الطرفين وقد خلص أوباما إلى الاعتراف علنا بأن تبادل الأرض معناه العملي إسقاط مبدأ «خطوط حزيران». نتنياهو، وهو يخوض معركته، كان واضحا في رسم أهدافه، فقد أكد أن استعداده للعودة إلى المفاوضات وفقاً لخطاب أوباما، رهن بتراجع الفلسطينيين عن قرارهم الذهاب إلى الأمم المتحدة. وهو ما يؤكد أن هناك تضافراً في الجهود الأميركية ـ الإسرائيلية، لقطع الطريق على الجانب الفلسطيني، ومنعه من الذهاب إلى الأمم المتحدة وإعادته إلى «بيت الطاعة» الأميركي، متمثلاً في المفاوضات طبقاً لشروط كلينتون.

* * *

الفريق الفلسطيني المفاوض وهو يدرك حقيقة لعبة نتنياهو، وجد نفسه ينجر مرة أخرى إلى اللعبة. فقد علق على اقتراح نتنياهو طالباً منه تصريحاً رسمياً، وأن يربط خطوط حزيران أساسا للمفاوضات وبين تجميد الاستيطان.

جيد أن يطالب الجانب الفلسطيني المفاوض بتجميد الاستيطان. لكن غاب عن بال المفاوض الفلسطيني أن من شروط العملية التفاوضية كما اقترحها الأميركيون والإسرائيليون الاعتراف المسبق بيهودية الدولة الإسرائيلية (بكل ما في هذا الاعتراف من تداعيات قانونية وسياسية خطيرة) وأن يقر الفلسطينيون بضرورة فصل ملفي القدس واللاجئين عن مفاوضات الحل الدائم، والتي سوف تقتصر، والحال هكذا، على ملفي الحدود والأمن، مترابطين، غير منفصلين، على قاعدة أن رسم الحدود يجب أن يأخذ بالاعتبار الحاجات الأمنية لإسرائيل. وهي حاجات قد ندري أين تبدأ، لكننا لا ندري أين ستنتهي.

فصل القدس معناه أنها ليست من الأراضي المحتلة في حزيران/يونيو 67. بل هي ملف خاص قائم بذاته، المفاوضات حوله تقتصر، كما هو واضح من التصريحات الإسرائيلية ومن خطابات وزيرة الخارجية الأميركية (على الأخص خطابها الشهير في مركز الصّبان للشرق الأوسط)، على بحث الأماكن الدينية وكيفية توفير سبل المسلمين للوصول إلى هذه الأماكن، تحت السيادة الإسرائيلية، وعلى قاعدة الاعتراف بـ«القدس الموحدة» عاصمة لإسرائيل. أما اللاجئون، فالحل الإسرائيلي ـ الأميركي معروف: التوطين، أو كما يقول الإسرائيليون: «توفير حل خارج إسرائيل».

وهكذا تتدافع الاقتراحات والمبادرات. وفي كل الأحوال، تبقى الكرة في الملعب الفلسطيني، الذي عليه وحده أن يقرر فيما إذا كانت الخطوة نحو الأمم المتحدة خطوة إستراتيجية جادة وجدية، أم أنها مجرد لعبة لاستدراج عروض تفاوضية جديدة.

معتصم حمادة