التعذيب والامتهان في سجون العراق الأميركية السرية والعلنية

بقلم: نضال حمد

لا تزال صور التعذيب والإذلال والإرهاب التي وردت من سجن أبو غريب الأميركي في العراق المحتل قبل عدة سنوات ماثلة أمامنا. أما بطل بعضها الأميركي تشاك جرينر المسئول الأول عن الفضيحة الأميركية فقد أطلق سراحه من السجن بعد أن قضى فيه ست سنوات ونصف من محكومتيه البالغة 10 سنوات. وبهذا سوف يدخل يوم السبت الموافق السادس من آب- أغسطس 2011 التاريخ العراقي الحديث، كيوم حرية للإرهابي الأميركي الذي اعتدى على كرامات وشرف وحريات الأسرى والمعتقلين العراقيين.

يوم السبت الموافق السادس من الشهر الجاري أفاق العالم على وقع تصريحات الناطقة العسكرية الأميركية التي أعلنت أن محكمة عسكرية أميركية أمرت بإطلاق سراح تشاك جرينر البالغ 42 عاماً. والذي عرفه العالم اجمع من خلال الصور التي التقطها لنفسه ولزملائه وهم يمتهنون الأسرى والمعتقلين في سجن أبو غريب. وكان هذا الإرهابي الأميركي يقبع في سجن فورت ليفنوورث في ولاية كنساس الأميركية بعد أن قضى ست سنوات ونصف من محكوميته التي أقرتها محكمة عسكرية أميركية سنة 2004. هذا بالرغم من اعتراض المتهم وتبرير ماقام به وتأكيده على انه قام بذلك تنفيذا لرغبة الاستخبارات العسكرية الأميركية. قد يكون كلامه صحيحا لكن هذا لا يعفيه ولا يعفي الآخرين من تحمل المسؤولية عن أعمالهم الإرهابية. فمن الواضح أن السادية والوحشية تسري في دمائهم وعروقهم وأفكارهم ونظرتهم للعرب والمسلمين.

تعود قصة هذا الأميركي إلى بداية سنة 2004 حيث قام ومعه المجندة ليندي انجلاند وخمسة آخرين من جنود الاحتلال الأميركي في العراق ببطولة فيلم التعذيب الطويل بحق المعتقلين في سجن أبو غريب.فظهرت صورهم الفوتوغرافية التي التقطوها بأنفسهم مع المعتقلين العراقيين وهم في أوضاع مشينة. حيث مارسوا التعذيب والسلوك المخل بالشرف وأساءوا معاملة المعتقلين في سجن أبو غريب. وقد أظهرت صورا عديدة كيف كانوا يعاملون المعتقلين. ففي إحدى الصور وقد تكون من أشهر تلك الصور على الإطلاق، تبدو المجندة الضاحكة من آلام ضحاياها، ليندي انجلاند، المجندة المتوحشة والمتعطشة للجنس والإذلال والدماء وهي تجر معتقل عراقي قامت بتعريته تماما وبتقييده بقيد أوصلته برقبته. وفي صورة أخرى تم شبح أسير عراقي على قضبان الزنزانة.. وفي ثالثة يظهر الوحش أو رامبو الاحتلال الأميركي جرينر وهو يوجه لكمات لبعض المعتقلين وهم معصوبي الأعين وقد غطيت رؤوسهم بالقماش. تلك الصور أثارت غضبا عالميا كبيرا. حيث طالبت منظمات حقوق الإنسان ودولا وحكومات بضرورة فتح تحقيق في أوضاع الأسرى والمعتقلين وأوضاع المعتقلات والسجون في العراق. خاصة أن الحديث كان ومازال يدور عن سجون ومعتقلات سرية في الأراضي العراقية المحتلة. وعن عمليات اغتصاب شملت الإناث والذكور.

التعذيب الذي قام به تشاك جرينر ومعه ليندي انجلاند وزملائهم بدأ قبل سنة 2004 حيث هناك بعض الصور التي يعود تاريخها لسنة 2003. انجلاند تلقت حكما بالسجن لثلاث سنوات بعد إدانتها من قبل محكمة الجلاد الأميركي الذي هو القاضي كذلك. ووضعت في سجن سان دييجو بولاية كاليفورنيا.

في مقابلة له على هامش أوضاع الأسرى والسجون في العراق المحتل أجراها مع بعض وسائل الإعلام، قال من دمشق محمد أدهم الحمد، الأمين العام لاتحاد الأسرى والسجناء العراقيين، أن السجون الأميركية تفترش الخارطة العراقية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، وان عمليات التعذيب الوحشي مازالت مستمرة ضد السجناء العراقيين، بالرغم من فضيحة سجن أبو غريب، التي ركزت عليها وسائل الإعلام المختلفة، كما أكد الحمد أن اخطر السجون والمعتقلات تدار من قبل الموساد "الإسرائيلي".

تحدثت تقارير كثيرة عن عمليات اغتصاب تعرضت لها نساء وفتيات عراقيات اعتقلن من قبل قوات الاحتلال الأميركية ومن قبل عصابات مسلحة محلية تعمل لحساب تلك القوات. ومورست بحقهن في المعتقلات ومراكز وأقبية التحقيق أعمالا سادية وممارسات وحشية وعمليات اغتصاب بشكل منتظم. ولم تكن تلك العمليات نتيجة تصرفات فردية بل بقرار من بعض أركان القيادة المحلية الأميركية، وذلك لكسر روح المقاومة لدى الأسيرات والأسرى والمعتقلين والمعتقلات من العراقيين والعراقيات.وقد أسفرت عمليات الاغتصاب عن انتحار بعض الأسيرات والمعتقلات العراقيات بعد خروجهن من المعتقلات والسجون.

كانت الخطة الأميركية تقوم على التعدي على القيم الإنسانية والحرمات والشرف والعادات والتقاليد والكرامات الشخصية، عبر جرائم الاغتصاب سواء للنساء أو للرجال والأطفال. ومعروف أن الأميركان بالرغم من وجود مذكرات قضائية تقضي بإطلاق سراح الأسيرات، إلا أنهم كانوا يحتفظون بهن لأطول فترة ممكنة، لا لشيء سوى لممارسة الجنس معهن واغتصابهن. وبحسب تقارير عراقية من ضمنها تقارير وزارة حقوق الإنسان العراقية التابعة للاحتلال الأميركي كان هناك حتى قبل عدة سنوات 10 آلاف امرأة عراقية تعرضن للاعتقال والامتهان منذ بدء غزو العراق. هذه هي الأعداد المعروفة أما الأعداد الأخرى التي نجهلها فحدث ولا حرج.

بعد سقوط بغداد وانهيار النظام العراقي ووصول عملاء الاحتلال على ظهور الدبابات الأميركية إلى الحكم في العراق الجديد، تحالف هؤلاء مع الكيان الصهيوني وكل أعداء الأمة. ثم بدأت تظهر تدريجيا الأخبار عن السجون والقواعد السرية سواء الأميركية أو الإسرائيلية على أرض العراق وبالذات قرب الحدود السورية العراقية وكذلك الحدود الإيرانية العراقية. فهناك قام الموساد الصهيوني بشراء مساحات من الأراضي لإقامة مراكز التجسس على سورية وإيران. وفي تموز- يوليو سنة 2004 أكدت هذه المعلومات الجنرال جانيس كاربينسكي مسئولة الشرطة العسكرية في السجون والمعتقلات السابقة في العراق. وقالت أنها التقت بمحققين "إسرائيليين" في سجن آخر غير سجن أبو غريب. كما التقت بأحدهم في مركز استجواب بغداد وكان يتكلم العربية مع انه "إسرائيلي". كما وأضافت أنها تملك أدلة على مشاركة هؤلاء المحققين الصهاينة في التحقيق مع معتقلين عراقيين في سجون العراق. ومن يدري فقد يكون هؤلاء هم الذين قاموا بتصفية المرحوم أبو العباس في السجن الأميركي بالعراق. انتقاما منه للعمليات التي نفذها تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية ضد الصهاينة، والذي كان أبو العباس نائبا لأمينه العام الراحل طلعت يعقوب قبل أن ينشق عنه نهاية سنة 1983.

لا ندري كيف هي الآن أوضاع السجون والمعتقلات في العراق المحتل؟ فنظام المالكي ليس سوى نسخة وحشية مصغرة عن الاحتلال الأميركي وإرهابه الوحشي. ولكن سوف يذكر التاريخ هذا النظام من زاويتين الأولى ارتباطه بالاحتلال والثانية مجازره وقمعه بحق الشعب العراقي وبحق كل من عارضه أو اختلف معه على عروبة العراق. وكذلك على مشاركته وصمته على عمليات الامتهان والاغتصاب والتعدي على شرف الماجدات العراقيات وعلى العراقيين بشكل عام. وسيذكر التاريخ أيضا التهديد والوعيد الذي كان يطلقه كتاب الاحتلال من العراقيين قبل اجتياح العراق. حيث كان بعضهم لا يخفي رغبته بالانتقام من العراقيين ومن الفلسطينيين المقيمين في العراق. وهذا ما حدث فعلاً بعد سقوط بغداد واحتلال بلاد الرشيد والمنصور ونبوخذنصر.

إن إطلاق سراح المجرم الأميركي تشاك جرينر لا يعني الكثير بالنسبة للعراقيين ضحايا إرهابه في السجون والمعتقلات.لأن الضحية لا يمكن ان تطلب العدالة من الجلاد. ولا يمكن أن يكون الجلاد قاضياً بنفس الوقت. لذا فلتسجل وتدون كافة خروقات القوانين الانسانية والدولية وحقوق الإنسان التي قام بها الاحتلال وعملائه، لكي تستخدم في الزمن القادم كوثائق تدين هؤلاء الإرهابيين. فالاعتداءات على حقوق الناس لا تتقادم ولا تسقط مع مرور الزمن. وعلمتنا التجارب أنه لا توجد إمبراطوريات تخلد إلى الأبد ومصير أميركا سيكون نفس مصير تلك الإمبراطوريات التي زالت. وها هي المقاومة سواء في العراق أوفي أفغانستان تقومان بحفر قبر الامبريالية الأميركية وكل من يتحالف معها.

نضال حمد

مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org