أميركا وإيران على سطح عراقي واحد

بقلم: إبراهيم الزبيدي

إذا حصل وسقط حكم الأحزاب الشيعية الحاكمة اليوم في العراق فلن تقوم لها قائمة، من الآن ولألف سنة قادمة. وسوف يكون هذا السقوط نهائيا وأبديا للإسلام السياسي الإيراني على وجه التخصيص.

يحار كثير من زملائنا الكتاب السياسيين العراقيين والعرب في تفسير اللغز الشائك المتمثل في إصرار بوش ورامسفيلد وبريمر ومعاونيهم ومستشاريهم على تسليم العراق لمجموعات سياسية عراقية يعلمون، بدقة وعمق، بأنها مرتبطة بإيران، بل إن بعضها إيراني بالولادة وبعضها الآخر بالرضاعة، وهم الذين كانوا لا يكفون عن الشكوى المريرة من خطر إيران على أمن المنطقة واستقرارها، ومن رعايتها للإرهاب، واستمرارها في تمويل أحزاب وتجمعات ومليشيات مارقة مشاكسة، وتسليحها، وتدريب المخربين وتصديرهم إلى دول عربية وأفريقية عديدة لإثارة القلاقل وزعزعة الأمن فيها، وخاصة في العراق ولبنان ودول الخليج وفلسطين، إضافة إلى عنادها وإصرارها على الاستمرار في تطوير برامجها النووية العسكرية، رغم كل قرارات الشرعية الدولية وتحذيراتها وإنذاراتها وعقوباتها.

ويعلم رفاقنا في المعارضة العراقية السابقة بأن أميركا، قبل غزو صدام للكويت بكثير، كانت تمد جسورا خفية تارة، ومعلنة تارة أخرى، مع تجمعات المعارضة العراقية الشيعية المُصنعة إيرانيا، وهي تعرف أن قادتها وأغلب أعضائها مقيمون في إيران، ومُمولون من مخابراتها.

كما كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة تنسق وتتعاون مع سوريا الأسد، وهي إيرانية الهوى والمصلحة أيضا، من أجل تطبيع العلاقة مع تلك التجمعات، وإدخالها إلى بيت الطاعة الأميركي، للعمل معا على إسقاط نظام صدام، وإقامة نظام جديد يكون لقادة تلك التجمعات قصبُ السبق واليد الطولى فيه.

وينبغي هنا أن ننوه بأن هناك أحزابا وشخصيات شيعية عديدة وطنية عراقية خالصة لا علاقة لها بإيران، وترفض السلوك العدواني الإيراني بشدة، الأمر الذي جعلها تتعرض لأعمال انتقامية دموية خطيرة من قبل عملاء مخابرات إيران ذاتها، أو من قبل وكلائها العراقيين.

إن المقصود بهذا التقديم المطول هو أن أميركا لم تُخدع بأولئك القادة، ولا بارتباطاتهم وتوجهاتهم وأهدافهم، لا السرية ولا العلنية، بدءا بأحمد الجلبي ومؤتمره الوطني الموحد، ومرورا بباقر الحكيم ومجلسه الإسلامي، ثم ابراهيم الجعفري وحزب الدعوة، ومحمد بحر العلوم وتقي المدرسي وموفق الربيعي وحامد البياتي وباقر صولاغ وحسين الشهرستاني وهادي العامري وعلي الأديب وجلال الصغير وسامي العسكري وباقي الشلة التي فرضتها إدارة بوش على الشعب العراقي بعد سقوط نظام صدام، بعد أن كانت قد فرضتها علينا في المعارضة السابقة، وأجازت لها مصادرة مؤتمرات المعارضة وصياغة قراراتها ودعوة من تحب لحضورها، وعدم السماح لمن لا تحب، بالتعاون الجزئي مع الحزبين الكرديين وبعض العرب السنة الهامشيين أمثال الشريف علي بن الحسين وحسن النقيب وعدنان الباجه جي.

وحين دخلت قوات الاحتلال الأميركي إلى العراق لم تتراجع لا وزارة الدفاع ولا الخارجية ولا السي آي أي ولا إدارة بريمر عن قرار اعتماد تلك الأحزاب وريثة شرعية ووحيدة لنظام صدام، بل منحتها الكلمة العليا في صياغة الدستور وقانون الانتخاب وتوزيع المناصب والمراكز والألقاب.

كما انصاعت لإرادة رؤساء تلك الأحزاب والتجمعات فوافقت على طلبهم إلغاءَ الجيش العراقي وأجهزة الأمن والشرطة، ونسف الدولة العراقية بالكامل، بحجة إعادة بنائها على أسس ديمقراطية متحضرة، في حين أن الهدف كان احتلال مؤسساتها ومبانيها، وسرقة أموالها، وتهريب أسلحتها وأجهزتها ومعداتها إلى إيران، وتصفية ما يمكن من المناوئين للنفوذ الإيراني.

ولا بد من التذكير هنا بأن قوات الاحتلال غضت أنظارها، عمدا، عن عمليات السطو والسرقة والنهب والسلب والحرق التي عمت بغداد والمدن الأخرى، في فترة الفلتان الأمني، والتي لم يكن يجرؤ على القيام بها، بهذه السعة والاحتراف والحرية، سوى عصابات مملوكة أو مرعية من قبل أصحاب القوة والجبروت. كما سمحت تلك القوات باقتحام المتحف العراقي ووزارات الدفاع والداخلية والإعلام والبنك المركزي، وتركت كاميرات السي إن إن والجزيرة وغيرها تقوم بتصوير حفلات الفرهود تلك، وبثها على الهواء.

وكان على القيادة المدنية والعسكرية الأميركية تغيير قواعد اللعبة، على الفور، واستدعاء القوى الديمقراطية الوطنية العراقية غير الطائفية وغير العنصرية، وتمكينها من تشكيل حكومة تكنوقراط مؤقتة نزيهة وقوية تفرض حكم القانون وتحاسب الفاسدين، وتمنع انزلاق الوطن إلى الخراب الذي جاء فيما بعد على أيدي المعممين، حين رأت، ومن الأيام الأولى للغزو، خصوصا في فترة سلطة جو غارنر وقبل وصول بول بريمر، قادة الأحزاب الشيعية المُصنعة إيرانيا يستقبلون، علنا ودون مواربة، آلاف المسلحين القادمين من إيران، زاعمين أنهم أعضاء في أحزابهم كانوا مبعدين إلى إيران من قبل النظام السابق، ثم حين تأكد لها أنهم باشروا بتشكيل مليشياتهم، وتسليحها. وليس معقولا أن الأميركيين لم يكونوا يعرفون ما يجري في قواعد ومقرات تلك الأحزاب ومناطق نفوذها. وليس منطقيا أيضا أنهم فوجئوا بالكشف عن السجون السرية التي كان يديرها باقر صولاغ عندما كان وزيرا للداخلية، وعن ضيوفها وأساليب التعذيب الإسلامي الحلال التي كانت تمارس فيها، ولا حين افتضح أمر سجون نوري المالكي السرية وفرسانها الورعين الأتقياء.

ثم تجاهلت القيادة المدنية والعسكرية الأميركية حملات التهجير الطائفي والعرقي التي قامت بها فصائل فيلق بدر ومليشيات مقتدى الصدر وحزب الدعوة وحزب الله العراقي وحزب الدعوة الإسلامي- تنظيم العراق وحركة سيد الشهداء الإسلامية وغيرها ضد مكونات عراقية معينة أخرى.

كما لم يتدخلوا لمنع أحمد الجلبي، مثلا، من السطو على مقر مخابرات النظام السابق، وسرقة ملفاتها وأقراصها المدمجة وأسرارها وأموالها، ونقلها، علنا وعلى مرأى ومسمع من جيوش الاحتلال، إلى مكاتبه في المنصور. ولم يسترجعوها منه، عنوة وبالقوة، إلا بعد أن اشتكى زعيم عربي لبوش من تهديدات الجلبي.

وليس صحيحا أن الأميركان تخلوا عن الجلبي حين اكتشفوا أنه قام بتمرير معلومات سرية خطيرة لإيران. وذلك لسبب بسيط، هو أنه كان لا يتوقف عن زياراته المكوكية بين واشنطن وطهران، طيلة سنوات التحضير لعملية الغزو وإسقاط النظام. وأغلب الظن أنهم كانوا يعلمون بأنه يقوم بدور العميل المزدوج، وربما أفادوا من ذلك، والله أعلم.

ثم حين انتهت صلاحية مجلس الحكم سيء الصيت وعُين أياد علاوي رئيسا لوزارة ما سُمي بعهد نقل السيادة كانت إيران قد تحولت إلى قوة فاعلة حقيقية في العراق، تعز من تشاء وتذل من تشاء، وتفرض أتباعها ومريديها وجواسيسها على الرئاسات والوزارات والسفارات ومجالس المحافظات والبلديات والمؤسسات العسكرية والأمنية والمالية، وحتى محطات بيع الوقود، علنا وعلى رؤوس الأشهاد.

وهاهو العراق اليوم، لا يستطيع أيٌ كان، حتى لو كان الرئيس الأميركي نفسُه، أن يأخذ مكانا في صدارة السلطة في العراق إذا لم يحصل على موافقة إيران، عن طريق أحد وكلائها العراقيين.

ونوري المالكي الذي يبدو اليوم وكأنه الحاكم الأقوى والأكثر هيمنة في العراق لا يتعدى كونه السطح الذي يجتمع عليه شتاء أميركا وصيف إيران، بالتراضي غير المعلن، وبالتناغم الهاديء المتين. فهو الوسيط الذي يحاول توليف الإرادتين، والحفاظ على نفوذ الطرفين، وعلى مصالهما المكتسبة في العراق. وحين يُضطر أحيانا إلى الميل أكثر لإيران، كما في موضوع معسكر أشرف مثلا، وفي نجدة نظام بشار الأسد، يُضطر بالمقابل لترضية الأميركان، كما في صفقة الطائرات المقاتلة، ومسألة الخبراء العسكريين الذين سيبقون في العراق، مدربين وخبراء معاونين وليسوا محتلين.

مع الاعتراف بوجود آلاف العراقيين المتطوعين الحلفاء والشركاء والوكلاء والأصدقاء لأميركا يقومون بحماية مصالحها ونفوذها وتنفيذ أوامرها نيابة عن جيشها، عند الضرورة، لا يقل عددهم ولا جبروتهم عن عدد وجبروت الحليف العراقي لإيران.

السؤال الذي ينبغي أن نجيب عليه الآن، هو، هل كان الأميركيون سُذجا إلى هذه الدرجة، وغير عارفين بدواخل الأمور العراقية، وجاهلين بحقيقة العلاقة العضوية الحقيقية بين الأحزاب الشيعية الحاكمة اليوم في العراق وبين العدوة الأولى لمصالحهم في المنطقة حين قرروا تقديم العراق على طبق من ذهب وفضة لإيران؟ لا أظن. ومن يظن ذلك فهو واهم ويحتاج إلى تنوير. فالأميركان، على الأقل في أعقاب غزو صدام للكويت، كانوا وظلوا وما زالوا يفتشون وينقبون ويجتمعون ويستمعون ويقرأون ويكتبون عن العراق والعراقيين.

ومرة أخرى أحاول هنا تذكير رفاقنا المعارضين السابقين بعدد الندوات والحلقات الدراسية والمؤتمرات التي عقدها الأميركان عن العراق ومكوناته وشؤونه، كبيرها وصغيرها، والتي حضرنا أغلبها، ورأينا عمق المعرفة الأميركية بنا وبأحزابنا وتجمعاتنا وأفكارنا وأهدافنا. حتى لم يبق مستورا على أي موظف صغير أو كبير في وزارة الخارجية أو الدفاع أو السي آي أي أو الكونغرس سوى ألوان ملابسنا الداخلية.

يقول صديقي المعارض السابق والمعارض المزمن للحكم العراقي، والخائف اليوم من دخول الوطن مثلما كان طيلة ثلاثين عاما من حكم الديكتاتور الراحل، إن الأميركان "لعبوها صح". فليس هناك سلاح أمضى وأكثر تدميرا لفكرة الإسلام السياسي عموما، وللفكر الشيعي الإيراني خصوصا، وتشويه سمعته، وتفكيك قوته، وبالتالي إيصاله إلى نهاية طريقه، ثم إسقاطه ودفنه إلى الأبد، سوى أخطاء الإسلاميين أنفسهم، وفشلهم في توفير العدالة والنزاهة وحكم القانون، وتكالبهم على السلطة والمال، وتقاتلهم على الكراسي والمنافع والعمولات والاختلاسات، وتهميشهم الأحمق غير المحسوب لشرائح واسعة من العراقيين، وشطارتهم في توسيع دائرة الناقمين عليهم، وزيادة أعداد المبعدين والمهجرين. ولا يُستبعد أن الأميركان يشجعونهم على ممارسة المزيد من العنف ضد المعارضين الشيعة قبل السُنة، والغرق أكثر فأكثر في الوحل الإيراني، وإثبات أن ولاءهم الأول والنهائي لإيران وليس للعراق.

ومؤكد أن سقوط نظام بشار الأسد، في القريب العاجل، وسوْقه إلى قفص حديدي كقفص رفيقه حسني مبارك، سيكون ضربة قاصمة للظهر الإيراني في العراق، وقد يدفع بنظام الولي الفقيه إلى مزيد من القسوة والشدة والعلنية في حكم العراق، للتعويض عن خسارته السورية الباهضة، الأمر الذي سيفجر البركان العراقي، ويعجل في انتفاضة، على الطريقة العراقية، لا تبقي ولا تذر، تصبح انتفاضة الشعب السوري البطل أمامها نزهة ورحلة استجمام.

وأخيرا، إذا حصل وسقط حكم الأحزاب الشيعية الحاكمة اليوم في العراق فلن تقوم لها قائمة، من الآن ولألف سنة قادمة. وسوف يكون هذا السقوط نهائيا وأبديا للإسلام السياسي الإيراني، على وجه التخصيص، وسقوطا مؤكدا أيضا لكل سلطة فاسدة ظالمة أخرى، عربية أو غير عربية، تتستر بالدين الإسلامي لتسرق شعبها وتذبح أبناءه من معارضيها باسمه، وهو منها ومن غشها وخداعها وجهلها وغبائها بريء.

إبراهيم الزبيدي