ثورة تونس‮.. ‬وجراح ذاكرة‮ المسدي (2)

كتب ـ مصطفى عبدالله
في جمهورية الجور

نواصل اليوم الإبحار مع الدكتور عبدالسلام المسدي،‮ ‬في شهادته على النظام الديكتاتوري السابق في تونس،‮ ‬وذلك في كتابه الذي ينشر خلال أيام: "‬تونس وجراح الذاكرة‮".‬

يقول المسدي‮ (‬ص‮ ‬‮ 92): "‬عندما تجرك الأقدار أن تكون وزيرا مع الحاكم بأمره‮ - ‬ليوم أو لشهر أو لعام‮ - ‬فإنك تفقد شيئا من ذاتك طالما هو على سدة الحكم الجائر،‮ ‬وذلك بصرف النظر عن أسباب مغادرتك المنصب وخاصة إذا كان ذلك ناتجا عن عدم انصياعك المطلق إلي الحاكم المطلق‮. ‬

وطيلة العقد الأخير من جمهورية الرعب هاجرت بكتاباتي السياسية أنشرها خارج الوطن،‮ ‬كنت أقول إن التوزيع هناك أفضل،‮ ‬وهو فعلا أفضل،‮ ‬ولكن المثقف يسعده أن ينشر كتبه في بلاده،‮ ‬على الأقل في طبعتها الأولى، وهو ما كنت أفعله مع كتبي الأخرى،‮ ‬ولكن عناوين الكتب أوشكت أن تصبح لعنة إذا ما اشتمّ‮ ‬منها الرقيب رائحة السياسة،‮ ‬وهكذا سافرت بالكتب وبعناوينها إلي القاهرة وبيروت ودبي‮: ‬العولمة والعولمة المضادة‮ - ‬السياسة وسلطة اللغة‮ - ‬تأملات سياسية‮ - ‬نحو وعي ثقافي جديد"‮.‬

ويستطرد المسدي‮: "‬في جمهورية الجور،‮ ‬إذا راجع المثقف درسه الفلسفي الأول شك في نفسه،‮ ‬واتهم ذاته،‮ ‬وهمس له ضميره الكليم‮: ‬ألا تكون باحثا عن مسوغات الجبن ومبررات الصمت؟ وإذا بك تنتفض صونا لماء الوجه ترى أن الصمت في زمن الجور‮ - ‬وبمعايير النسبية العادلة‮ - ‬قيمة كبرى لدى المثقف،‮ ‬فبالصمت يرفض الاصطفاف في قافلة المهللين بالتزكية،‮ ‬والمتصدقين بالولاء،‮ ‬والمناشدين بالمحبة والفداء"‮.

د. عبدالسلام المسدي
‬ويستشهد المسدي بموقف رواه له الدكتور حسن حنفي عندما سأله عن سبب عدم زيارته لتونس الخضراء منذ زمن،‮ ‬فرد عليه قائلا‮: "‬السبب أني دُعيت يوما إلى تونس،‮ ‬ثم رَتب لي المستضيفون لقاء مع رئيسكم،‮ ‬دخلت عليه وسلمت،‮ ‬فبادرني دون تمهيد‮: ‬أريدك أن تكتب مقالا تشهِّر فيه بفلان فقد خبروني أنك على خلاف معه‮ (‬وفلان هذا هو شخصية تونسية معارضة تعيش في المهجر،‮ ‬تنتمي إلى أحد الاتجاهات الدينية‮) ‬فانتفضت انتفاضا ورددت رافعا صوتي‮: ‬مستحيل،‮ ‬مستحيل،‮ ‬أنا على خلاف معه من الناحية الفكرية ولكني لا أتولي هذه المهمات"‮.

‬ويواصل د‮. ‬حنفي رواية ما حدث معه للمسدي قائلا‮: "‬غضب الرئيس واحتقن وقال‮: ‬انتهت المقابلة‮. ‬رجعت إلى الفندق فوجدت أغراضي وحقائبي كلها مبعثرة،‮ ‬حان وقت السفر فلم يأتني المرافق ولا سيارة المراسم كما كان ساعة الاستقبال"‮.‬

ويروي د‮. ‬المسدي في كتابه قصة دخوله معترك السياسة،‮ ‬قائلا‮: "‬كنت في قلب الأحداث،‮ ‬سابحا في أمواج الدوامة السياسية بامتلاء طافح،‮ ‬ولكن ناظري ظل متقدا،‮ ‬يتابع،‮ ‬يرصد،‮ ‬يتعقب‮. ‬كنت‮ ‬المثقف ‬الذي نادته السياسة رافضا أن يكون المثقف الذي يحترف السياسة،‮ ‬وكان بين جوانحي صوت يهمس‮: ‬لا تخُن نفسك،‮ ‬كُن كما أنت،‮ ‬جامل ولا تهادن،‮ ‬تكلم حين يسكت الآخرون واسكت حين يتكلمون،‮ ‬وظل بصري محدقا ينغص عليّ‮ ‬راحتي،‮ ‬ويدفعني إلى التأمل الحيران الذي يوقظ جذوة الوعي حتى يصيره وعيا شقيا"‮.‬

د. حسن حنفي

ويواصل المسدي اجترار الماضي؛ في إطار شهادته على دولة الجور وجمهورية الرعب،‮ ‬تلك التي بدأت بعد بيان السابع من نوفمبر‮ ‬1987‮ ‬الذي خطَّه زين العابدين بن علي بيديه فيما عرف بالعهد الجديد،‮ ‬أو الثورة الهادئة،‮ ‬أو التحول المبارك،‮ ‬تلك المرحلة التي لم تدُم الفرحة بها طويلا،‮ ‬ومن بين الذين عاشوا‮ "‬انخلاع الفرحة بمرارة‮"‬،‮ ‬الدكتور المسدي نفسه،‮ ‬الذي يبرر مرارته قائلا‮: ‬الذين تيقظوا خارج سياج المسؤولية استمتعوا بيقظتهم،‮ ‬أما أنا فكنت داخل الحصار يمزقني التناقض فأغالبه،‮ ‬يريد إذابة شموع الوعي فأصده وأصر‮.‬

بعد ذلك يقدم المسدي صورة لطبيعة الحاكم الجديدذ وقتها الذي يخطط ليستبد بالحكم،‮ ‬فيقول‮ (‬ص‮ ‬‮ 36): "‬منذ البدايات،‮ ‬وجموع الجموع مندفعون في تفاؤلهم واستبشارهم،‮ ‬طفقت تتدفق في خاطري صور لهذا الزعيم الجديد تتنمق برسوم‮ ‬غريبة فتتثبت عندي قناعات‮: ‬كائن جُبل علي تقلب المزاج بحسب طوارئ المصالح،‮ ‬كائن لا يُؤمَن جانبه،‮ ‬كائن لا تطول عشرته لأحد إلا بشرط واجب هو الامتثال حتي الانصياع والذوبان،‮ ‬ومع ذلك يظل الشرط‮ ‬غير كاف؛ لأن بذور الاستبداد تولِّدُ‮ ‬عند صاحبها نشوة قصوي"‮.‬

ويضيف في موضع آخر‮ (‬ص‮ ‬‮ 17) ‬محاولا كشف أسرار الحكم الاستبدادي‮: "‬للحاكم بأمره صبر عجيب يندرج ضمن استراتيجية طويلة النفس،‮ ‬يعلم علم اليقين المسبق أنه سيظفر في نهاية المطاف بالتحكم الانفرادي المطلق".‬