التاريخ لن يعيد نفسه في حماة

بقلم: بوزيدي يحيى

تصدرت مدينة حماة من جديد المشهد السوري بعدما شن الجيش والقوى الأمنية التابعة لنظام حملة واسعة على الكثير من المدن السورية وفي مقدمتها حماة التي سجل فيها أكبر عدد من الضحايا والجرحى الذين اكتظت بهم المستشفيات، هذا التصعيد الأخير الذي أقدم عليه النظام قبل يوم واحد من دخول شهر رمضان طرح الكثير من التساؤلات عن أهدافه من هذه الحملة وأثار في نفس الوقت المخاوف من تكرار الأسد الابن لجريمة والده في الثمانينيات التي راح ضحيتها آلاف القتلى.

ورغم أنه ليس من المستبعد أن ترتكب جريمة حرب في حماة مشابهة للأولى خاصة في ظل التعتيم الإعلامي الذي يمارسه النظام إلا أن المتابعة الإعلامية لتطورات الأحداث وجرائم النظام التي ترافقت مع حراك سياسي ودبلوماسي دولي أدان فيه مجلس الأمن السلطات السورية وإضافة أسماء جديدة في قائمة العقوبات التي فرضتها الدول الأوربية والولايات المتحدة على قيادات النظام لثنيه عن مواصلة جرائمه، إلى جانب تغير لهجة الخطاب الروسي الذي اعتبره الكثير من المراقبين مؤشر على بداية تحول في موقف موسكو قد تمنع الأسد الابن من مواصلة حملته على المدينة.

وما يدفعنا للقول أيضاً بأن التاريخ لن يعيد نفسه مرة أخرى في حماة حتى وإن أبيدت المدينة عن آخرها هو أن المظاهرات والاحتجاجات لم تقتصر على مدينة وحدها وإنما شملت كل المدن السورية وأي جريمة ترتكب في مدينة تكون سببا لخروج مظاهرات تأييد لها في مدن أخرى، وهذا ما يحدث هذه الأيام بالفعل إذ تشهد كل المدن السورية تقريبا مظاهرات ليلية تأييداً لحماة ودير الزور والبوكمال وغيرها من المدن، كما أن حيل النظام وأكاذيبه وشماعة الإسلاميين والمتطرفين لم تعد تنطلي على أحد وليس السفيران الأميركي والفرنسي اللذان زارا حماة أول ولا آخر من يدرك هذه الحقيقة.

غير أنه مع كل هذه المعطيات المنطقية قد يستعصي فهم الأهداف الحقيقية لنظام من خلال شنه حملة أمنية واسعة نتائجها ليست في صالحه إطلاقاً، ولكن إذا أدركنا أن النظام الذي تعود على الأسلوب الأمني في تسيير وتنظيم الحياة السياسية لا يستطيع تغيير هذا الأسلوب كما أنه لما حاول طرح بعض البرامج الإصلاحية من قوانين للأحزاب والإعلام وحق التظاهر وغيرها فإنه تعاطى معها بشكل أمني إذ جعلها مجرد غطاء لعملياته الأمنية لإلهاء الإعلام الخارجي بها ولتوفير مادة إعلامية أيضا لإعلام حزب الله وإيران لتبرير ممارساته والدفاع عنه لكسب الرأي العام العربي وتجنب المزيد من الضغوط الدولية.

من هنا فإن النظام لا شك سيستمر في محاولة قمع الثورة أمنياً وتركيزه على حماة ربما لخشيته من أن يتكرر سيناريو بنغازي في ليبيا بأن تصبح المدينة مركزاً لثورة الشعبية الآخذ في التطور والتنظيم ليفاجأ النظام ذات صباح بإعلان حكومة أو مجلس انتقالي منها، وللمفارقة فإنه للمدينتين (بنغازي وحماة ) تاريخ مع النظامين حيث كانتا مركز لمحاولة تغييرهما في السابق، لذلك فإن النظام فرض تواجده الأمني القوي داخل المدينة بعدما غاب عنها في فترات سابقة بشكل شبه كامل واكتفى بمحاصرتها فقط الأمر الذي سمح بتجمع أكبر الحشود المطالبة بإسقاط النظام كل جمعة في ساحة العاصي التي خلت من المتظاهرين في الجمعة الأخيرة بعدما دخلتها القوى الأمنية لتطهيرها من المسلحين أم أن لممارسي التشبيح الإعلامي تفسيراً آخر؟

بوزيدي يحيى

كاتب جزائري