حرائق العراق لا يطفئها المختلسون!

بقلم: جمال محمد تقي

حرائق بدخان يعمي العيون، واخرى بدون، حرائق ذكية غبية، معلومة ومجهولة، متواصلة ومتقطعة يتسامر على جمرها المحققون، في عز الظهر او في عز الليل، في البنك المركزي والفرعي، في حقل النفط وعداده او في خزان الحبوب وخزائن الوزارات او على ارصفة الميناء، هناك في حكومة بغداد او اربيل او حكومات المحافظات، للعراق سراق متخصصون، هواة ومحترفون، بريمريون، وطائفيون وعنصريون ومرتزقة من كل شكل ولون، للعراق حكام يحكمون، يتحاصصون، يتغالبون، يتنابزون، لكنهم ساعة الجد يتوافقون، هذا يسرق ثم يحرق، وذاك يحرق ليسرق، مال سائب وصاحبه الحقيقي غائب، منذ ان احتلت البلاد، وهم يختلسون، ويحرقون.

ترتفع معدلات الحرائق في صيف العراق الحارق، لتزيد عليه طين البلايا بلة، تطين الاخضر واليابس في بلاد تشبعت منها حتى اللعنة، ولو ان تلك الحرائق كانت في غابات نخيل او محطات وقود فقط، لكان الامر ربما عاديا، وليس بفعل فاعل كما تؤشر كل الدلائل، لكنها تخصصت بمناسبة ودونها، بالدوائر والوزارات والمخازن والمستودعات الحكومية ذات التحصينات الامنية والكهربائية والصيانية، التي يتبجح بها المتنفذون انفسهم!

خلال الثلاثة اشهر الاخيرة نشب 25 حريقاً كبيراً ومتوسطاً في عدد من المباني والمواقع الحكومية التابعة للوزارات العراقية داخل مركز بغداد وخارجه، كوزارة الصحة، والتعليم العالي، والثقافة، ووزارة التجارة، والداخلية، والنفط، والصناعة، والعمل والشؤون الاجتماعية، والمالية.

والغريب في الامر ان اغلب لجان التحقيق المشكلة فورياً لمعرفة حيثيات تلك الحرائق، تخمن مقدماً بان المسبب هو تماس كهربائي، مع ان التيار الكهربائي مقطوع في اغلب الاوقات التي تشب فيه تلك الحرائق.

والاكثر غرابة، ان اول ما تلتهمه نيران تلك الحرائق هي ملفات العقود وارشيف المستندات وعينات الفحص النوعي بالنسبة للمستوردات، اضافة الى كشوفات العاملين في تلك الوزارات، ومحاضر اجتماعاتها وايضا وثائق درجاتها الخاصة والعامة، مما يعني ان الفاعل هو من نوع واحد في اغلب هذه الحرائق.

وكما يصف البغداديون الحالة الدائرة هذه الايام بانها محسوبة حسبة المقاولة غير المعلنة، بحيث يكون لكل فاسد عملية فاسدة وبالتالي حريق للتغطية عليها، وربما حرائق، لان الوزير او المدير او صاحب الدرجة الخاصة يعتبر حرق الوثائق والمستمسكات الرسمية، والادلة العينية هي انجع الوسائل للتهرب من المسؤولية، ان وجد من يحاسبه عليها!

لقد وضعت حكومة المالكي لنفسها مئة يوم كمهلة لتحسين الاداء الحكومي عموما والخدمي على وجه الخصوص، انتهت المهلة ولم يتحقق شيء، الذي تحقق هو دخول كل الوزارات تقريباً في مهرجان الحرائق الذي يراد من دخانه التغطية على الفشل والشلل والفساد الشامل والحاصل بسبب فساد اساسات البناء برمته، فما بني على فساد لا يمكن ان يعطي غير النتائج الفاسدة، والتي لم يشهد العراق بكل تاريخه مثيلا لها، سرقات بالمليارات، عقود ومقاولات وهمية، عمولات خيالية لتمرير صفقات دون الحد الادنى من المواصفات المطلوبة، استيراد اغذية فاسدة، وادوية فاسدة، والتعاقد مع شركات مفلسة واعتماد درجات علمية وادارية بشهادات اكاديمية مزورة، وبيع وشراء عقارات الدولة وبعض مكونات قطاعها العام بمزادات وهمية واسعار رمزية لصالح المنتفعين من حكام العراق الجديد!

ان الرقم القياسي الذي سبق وان حققته حكومة الاحتلال الاخيرة هو في عدد وزرائها الخرافي، 46 وزيراً، وايضا في مضاعفة عدد اللجان والدوائر والجهات المسؤولة عن النزاهة ومحاربة الفساد والرشوة والتربح من المنصب العام، فهناك المفتش العام ومكاتبه العامة والفرعية، وهو يعين بدوره شبكة من المفتشين في اغلب الوزارات العراقية، وهناك لجان ومفوضيات حكومية وبرلمانية للنزاهة، وهناك اجهزة الرقابة البرلمانية والحكومية، ومن اللافت انه كلما ارتفع عدد هذه الجهات ارتفعت معدلات الفساد والتهافت عليه بين المسؤولين انفسهم!

المسؤول المباشر عن ارتفاع معدلات الحرائق الحكومية الكبيرة والصغيرة والتفجيرات المروعة الاخيرة في العراق، هم ازلام القوات الاميركية وسفارتها في بغداد، لارعاب الناس وجعلهم لا يفكرون بغير سلامتهم وسلامة دوائرهم، فهؤلاء هم من يمسك بتلابيب السلطة في العراق المستباح، وفضائح سرقاتهم وتزويراتهم وعمولاتهم وتربحهم غير المشروع من المناصب التي يتولونها صار يعرف بها القاصي والداني.

لقد دخل زخم الحرائق الجديدة والتفجيرات المدنية الاخيرة، متماهياً مع دخان التجاذب السياسي والامني المستحث اميركياً وايرانياً بسبب صراع الارادات الجاري بينهما، حول استحقاق الانسحاب الاميركي ومقتضيات تأجيله، والضغط الايراني باتجاه ابتزاز مساعي هذا التاجيل لتحقيق المزيد من المكاسب داخل العراق وخارجه!

ان التلكؤ في تسمية الوزراء الامنيين، والعودة مجدداً لنغمة الفدراليات، وتصاعد حدة الملاسنات السياسية بين اطراف العملية السياسية المتصارعة على نسب غنائمها، كلها مؤشرات على مخاض قادم بترتيبات سياسية وعسكرية وامنية يتوافق عليها المتحاصصون، فتمريرات الحزمة الواحدة بانتظار الضوء الاخضر الاميركي والايراني اي بانتظار تفاهم جديد بينهما، حيث سيستقر في النهاية على تمديد البقاء للاميركان، وتنازل المالكي عن بعض صلاحياته مقابل استمراره برئاسة الحكومة القائمة بعد ترشيقها، الى جانب التاكيد على التعهد الاميركي الاستهلاكي بمساعدة العراق على تجاوز مشاكله القائمة مع الكويت وايضاً بمسألة خروج العراق من وصاية البند السابع، وارخاء حبل الضغوط الاميركية على ايران بخصوص ملفها النووي وقضايا اقليمية اخرى!

لقد بدأت حرائق العراق الكبيرة منذ ان شنت عليه الحرب الاميركية المجرمة، ومنذ ان احتل اصبح طعامها شعب العراق وكل مقومات وجوده المادي والروحي، اراد المحتلون من دخانها ان يعمي عيون الناس حتى لا ترى ما يجري حقيقة، لتبقى اسيرة للظنون، واما هذه الحرائق الحكومية التي يراد لها ان تكون ذكية، فهي حرائق تسمسر للحريق الكبير، الذي لن يطفئه المختلسون وسراق قوت الشعب مهما تمسحوا بعبارات النزاهة والمحاسبة والتقوى، ولن يطفأ الحريق الكبير الا بتحرير العراق من محتليه وناهبي خيراته ومتحاصصي حكمه.

جمال محمد تقي