'الراب' أسلوب حياة ونقطة تحول مهمة في حياة رابر يمني

كتب ـ عبدالرزاق العزعزي
لو سمحت

"الراب" فن غنائي جديد على المجتمعات العربية، بيد أنه بدأ في مدينة كينغستون بجاميكا في نهاية الستينيات كنوع موسيقي جديد متفرع عن الدانسهول وانتشر في الولايات المتحدة الأميركية في بداية السبعينيات في حي برونكس، ولاية نيويورك على أيدي الأميركيين الأفارقة أو الزنوج، الذين كانوا يعانون من حياة صعبة وتمييز عنصري فكانوا يعبرون عن حياتهم عبر الراب؛ لكونه وسيلة سهلة للتعبير.

وانتشر "الراب" عالمياً منذ التسعينيات وكان دخوله الدول العربية بشكل أساس من فلسطين عن طريق فرقة "الدام" التي غنت باللغتين العربية والعبرية. ثم بدأ يظهر في دول الخليج. ومنذ نهاية التسعينيات يؤدى "الراب" خارج أميركا الشمالية، وقد وجدت أنواع جديدة فرعية عنه، ويوجد في بعض الدول العربية عدد من مؤدي هذا الأسلوب، سواء باللغة العربية أو اللغة الإنجليزية، كما يمارس في فرنسا واليابان بشكل كبير.

وفي اليمن ظهر الشاب أحمد شيخ عبدالله بازغفيان 22 سنة والملقب بالمافيا؛ كأول مغني راب يظهر على وسائل الإعلام من خلال حفل نظمته منظمة رعاية الأطفال - برنامج سراج، خلال أحد الاحتفالات باليوم العالمي للشباب في محافظة عدن، وقدم ما يقارب 40 أغنية هادفة من كلماته ولم يستفد مادياً إطلاقاً، بل اقتحم مجال التمثيل!

في "الراب" يتحدث المؤدون عادة عن أنفسهم، ولكن يستخدم النوع الموسيقي أحياناً في التعبير عن استيائهم وغضبهم على عدم توفير الخدمات أو فرص العمل، ويتلخص أسلوبه بالإيقاع مع الكلام المقفى السريع.

بطبيعة الحال ينقسم "الراب" إلى نوعين "أندر جراوند" ويعرّف بأنه راب تحت الأرض أي أنه لا ينتشر ولا يظهر على الساحة ولا على وسائل الإعلام ويحوي ألفاظا بذيئة للغاية تعمل على شتم الخصم. والنوع الآخر "كمرشنل" ويعرّف بأنه راب نظيف ولا يحوي أيا من الألفاظ السيئة.

وضمن "الراب" يوجد أسلوب اسمه "ديس رسبكت" وهو أسلوب خاص لشتم الخصم. وعبر الإنترنت يتم عمل بطولات متواصلة لرابات العرب ويتم تقييم الفائزين بالبطولة بحسب معايير محددة أهمها "شتم الخصم، وهذا ما جعل أغاني الشتم تنتشر وتسجل أيضاً؛ ليس لغرض السب والشتم بمعناه الرئيس ولكن للظفر بلقب البطولة.

يصف المجتمع اليمني أغاني الراب بكونها ثقافة أتت من الغرب ولا تمس للمجتمعات العربية بصلة. ولكن في حقيقة الأمر يعد "الراب" بنظر الكثير إدمان؛ سيما أسلوب "الديس" الذي قد يجعل أي رابر ترك دراسته ومستقبله من أجل الظهور والوصول للشهرة!

يقول أحمد: "حين بدأت أغني راب في 2005 انتقدوني كثيراً بقولهم أن الراب سخف وليس له أي علاقة بالفن"!

أحمد شيخ بدأ يغني راب "أندر جراوند" نظيف لكن جمهوره كان منعدماً فلجأ لأسلوب "ديس" ضمن نوع "كمرشنل" ثم عاد مجدداً لـ "أندر جراوند" ليستقر عليه حتى الآن. يقول تعليقاً على ذلك "جمهور الراب النظيف منعدم بعكس الآخر".

نقطة تحول

كان أحمد يحب أغاني الراب الإنجليزية في الوقت الذي لا يعرف أن هناك أغاني راب عربية فتعرف على صديق فلسطيني "حنظلة" وهو مغني راب أيضاً وأعطاه بعض أغانيه، فبدأ "أحمد" يفكر أن يكون مغني راب، خصوصاً أنه يكتب الأشعار، فكان له ذلك في 2005 عندما قدم أول أغنية لفلسطين.

يقول أحمد: "أول أغنية كانت بدائية وتسجيلها ضعيف للغاية، ولم أكن أتوقع أنها ستكون نقطة تحول في حياتي حتى صار الراب ضمن روتين الذي أمشي عليه. أشعر أنه من الواجب عليّ أن أقدم أغنية راب تجاه أي قضية وطنية أو عربية استجدت على الساحة. كما أشعر أن الراب يجعلني أعبر عن رأيي وربما أسهم في تغيير قناعات سلبية لبعض الناس تجاه الموضوع الذي أناقشه".

وفي أحد مواقع الإنترنت نشر أحمد أغانيه الخاصة فظهر اسمه كثيراً. أيضاً من خلال البطولات التي تقام في منتديات الإنترنت شارك بأغان كثيرة. وبدأت الأغاني تنتشر بين الناس.

يقول أحمد: "أعجبني هذا وأصبحت أغني الراب بشكل مستمر، ولكن راباً ليس نظيفاً!"

مشاكل متنوعة

يؤكد أحمد أنه بسبب الراب غير النظيف الذي يقدمه فقد خسر كثيرا من الأصدقاء ودخل في مشاكل عدة، وهذا ما جعله يعود للراب الهادف حتى وإن كانت لا تعجب الناس. ومن المشاكل التي تعرض لها يقول أحمد "حدث ذات يوم أن إحدى فرق الراب قدمت أغنية تشتم من خلالها ما وصفوه بـ (أهل الشمال) ولم تكن تربطني بهم أي علاقة ولكنهم استخدموا اسمي لأنه موجود على الساحة، فأمسك بي رجال الأمن وبعد التحقيقات اقتنعوا أنه لا وجود لصوتي ضمن الأصوات التي قدمت الأغنية".

ويمضي في القول: "ذات مرة شتمت أحدهم بأغنية كتحدٍ، وحين عجز عن الرد لجأ لأسلوب الخشونة، وعينك ما تشوف إلا النور يا أحمد".

ويمضي في كلامه: "آخر أغنية قدمتها كانت بعنوان (لو سمحت) ولم تكن لأي هدف سياسي، وجاء إنتاجها لأني شعرت أن الشباب العربي محبط فكان من واجبي رفع معنوياتهم وإعطائهم نوع من الأمل، ولكن تم تسييسها من قبل الأمن في عدن من جهة أخرى، فقالوا "إن كلماتها مناهضة لثورة الشباب العربية وتصعد من عزيمة الشباب اليمني للخروج نحو الشارع!"

قام رجال الأمن بأخذه إلى مكتب صغير ووضعوه تحت تحقيق خاص. يقول أحمد عن أسئلة التحقيق "الأسئلة التي قدمت لي كانت تتمحور حول من دعمك، أيش قصدك، ليش تحرض شباب الوطن على الأمن والاستقرار اليمني".

أحمد من محافظة حضرموت وتقاليد قبيلتهم تقول إنه من العيب أن يصبح أحدهم فناناً أو مغنيا. ونعرف جيداً أن أباه يعارضه كثيراً ويخبره بأنه يمكن أن يكون مؤلف الكلمات أو الملحن لكنه لا يريد أن يكون المغني.

يؤكد أحمد: "كلام أبي صائب ونحن مهما وصل بنا الانفتاح إلا أن أصولنا تتحكم بنا، ومن ليس ماض ليس حاضر". ويستطرد: "أحب أبي كثيراً ومن أجله قللت من ظهوري على المسرح حتى أني رفضت عدداً من العروض التي قدمت لي من أهمها التمثيل في فلم مغربي للمخرج سلطان السعيد من الكويت، ورفضت أيضاً أن أسجل ألبوماً خاصاً بي"

رقص وامكانيات

يملك أحمد شيخ وزميله أكرم وجيه فرقة "ري آكشن لأغاني ورقصات الراب" ويجري حالياً الانضمام للفرقة من قبل عديد من الشباب المغنين والراقصين. وعلى سياق آخر فأنواع رقصات الراب "بريك دانس، هيب هوب، كرنك، جينج نتا، أران بي" والرقصات تجعل الراقص يستمتع ويمتع الجمهور أيضاً.

سابقاً كانت الإمكانيات التي يملكها لتسجيل أغنية راب عبارة عن جهاز "لاب توب" وميكروفون، ومن ثم يعمل على هندسة الصوت وعمل الألحان بنفسه. أما الآن فالأمر تغير تماماً حيث يعمل على تسجيل أغانيه في استديو خاص بالإنشاد بشكل مجاني. يقول أحمد عبدالله حسان، وهو مهندس الصوت في الاستديو وأكبر داعم لي هناك".

مكاسب غير مادية!

نظم أحمد حفلات راب كثيرة في عدن. ودمج أغاني عربية مع الإنجليزية لتجذب انتباه ولو قليل من الناس. كما حصل على لقب سراج شهر أغسطس/آب لعام 2008 من قبل منظمة رعاية الأطفال. ومن خلال الراب أصبح معروفاً لدى الأغلبية. وجعله يتعلم كيفية تصميم الأجهزة الخاصة به كما احترف الهندسة الصوتية وتصميم الألحان وغيره.

يقول أحمد: "الراب أدخلني مجال التمثيل في 2009 أثناء أسبوع الطالب الجامعي حين طلبوا مني أن أقدم أغاني لمسرحية (كيف كنا وكيف صرنا) التي تتحدث عن الشباب القديم والجديد، وقدمت فيها 4 أغاني. ومن ثم دخلت مجال التمثيل فشاركت في مسرحية (مؤهلات) التي تتحدث عن تدهور الفن، وقدمت خلالها 5 أغاني، إضافة إلى مشاركتي في مسرحية "لا تدبشناش" التي عرضت فيها 7 أغاني من كلماتي وألحاني و5 منها من أدائي"

رسالة

يقول أحمد بلسان الجمع: "رسالتنا فقط مناقشة قضايانا بشكل هادئ بعيد عن أي صراع. وأطلب من المجتمع أنه حينما يستمع لأغاني الراب يحاول أن يرمي بكل الأفكار السابقة عن الراب وأن يركز كثيراً على كلماته ليعرف رسالتنا الحقيقة. وإذا وجد ما لا يرضيه وما يتعدى حريات الآخرين فهنا بإمكانه إلقاء اللوم علينا".