النضج والتنوّع في كتاب 'أفكار غيّرت العالم'

الأفكار ليست ملكاً لأحدٍ

إنّهُ الكتاب الأوّلُ من موسوعة الحضارة الإنسانية الذي يُعِدُّ المؤلفُ نفسَهُ لإصدارها. وليسَ الكتابَ الأوّل للمؤلِّف بل سبقته عدّةُ كتبٍ مطبوعة وصلت إلى الثمانية، وفيها الشعر والمقالة والدراسة والتحقيق. وهناك عدَّةُ كتبٍ معدَّةٍ للنشر تباعاً. وهذا يدلُّ على نشاط الكاتب وتنوّع كتاباته.

الكتابُ مجموعةٌ من مقالات قدِّمَتْ للبرنامج الإذاعي "أفكار غيرت العالم"، والكتابُ يقدِّم ثقافة مؤلِّفه ويعكس نشاطه ورؤيته لكثير من القضايا الفكرية التي أغناها بالبحث والمناقشة، ولذلك عرضُ الكتابِ لا يُغْني عن قراءته. والكتاب يطرَحُ جملةً من المقولات الفكرية القديمة التي ما زالت مدارَ بحثٍ ونقاشٍ ومصدَرَ معرفة لا ينضب، وهي أفكار لفلاسفةٍ ورجالِ علمٍ واجتماع استلهم منهم علماءُ الفكر الحديث الكثيرَ وكانوا بين مؤيِّدٍ لها ومعارض، ولكنه يبرز دور الحضارة العربية الإسلامية وإسهاماتها.

في الكتاب نافذة تطل على التاريخ القديم والحضارات القديمة، وفيه الكثيرُ من الفلسفةِ والنظريات والمقولات الأخلاقية والاجتماعية، يأخذ من كلِّ جانب نصيباً للوصولِ إلى فكرتِهِ المرجوّةِ وغايتهِ التي يتوخاها وهي إثبات دور العرب الحضاري على الأمم. فيعتمد على الحدث التاريخي واستبطان الواقع ثمّ الانتقال إلى المقولة المعنيَّةِ بالبحث والدراسة.

يرى المؤلِّفُ أنَّ الأفكار ليست ملكاً لأحدٍ بل عرضةً للرفضِ أو التأييد أو المناقشة وهذا مبعثٌ للنقاش وجسرٌ للتواصل والتجديدِ والحوارِ البنّاء. وإذا كان الكتاب لا يعكس رؤية وتجربة مؤلَّفِهِ وشخصيته فإنه كتاب مشلولٌ، لا فضل لمؤلفه إلاَّ النقل، وهذا ما تجاوزه الدكتور جمال طحان، وساعده على ذلك تكوينٌ ثقافي مُتَنوِّع، واختصاصٌ يصبُّ في صُلْبِ الموضوعِ، وهو دارس مختصٌّ للفلسفة وعلم الاجتماع، ويضاف إلى اختصاصه مَلَكَةُ الإبداع من شعر وقصة، وهذا ما ساعَدَه على إيجاد لغة شائقة معبِّرة ومُكثّفةٍ تقولُ الكثيرَ بإيجاز، فيقول: "ليستْ معرفةُ الأفكارِ المفصليّةِ العظيمةِ في تاريخ البشريّة شيئاً يمكن أن يُصَنَّفَ تحت بندِ أنَّ المرءَ يحشرُ أنفه في ما لا يعنيه، وذلك لأنَّنا ننعم بكثير من المكتسبات التي كانت نتيجة مباشرة لتلك الأفكار، وبالمقابل فإنَّنا نعاني من ويلات كثيرة هي بمنزلة ضرائب ندفعها نتيجة التطور الحاصل ..."

حوى الكتاب ثلاثاً وعشرين مقالة متنوِّعة، تتناوَل عدَّة قضايا فكريّة منها: أوهام الخطيئة والخلاص، سمات المرحلة اليونانيّة، بوادر التفكير في بابل ومصر ..

الزراعة ..، وهناك عرضٌ لأفكارِ فلاسفةٍ وشخصياتٍ لها بصماتُها في تاريخ الفكر الإنساني كـ "سقراط – أفلاطون – أرسطو – الرازي – المعري – ابن سينا – ابن باجة – ابن خلدون - .. وغيرهم".

والمطَّلِعُ على الكتاب يلحظ تنوّع الموضوعات وغناها، وجاءَتْ حَسْبَ اهتمامِ شخصياتها، ولكنَّها في النهاية شخصياتٌ إنسانية، قدَّمَتْ للبشريّة علماً وفكراً وقضايا، استوحى منها الباحثون والمفكرون فاتّكأوا على شمولية الفكر وتعميمِهِ عبرَ التاريخ الممتدِّ من قَبْلِ الميلاد إلى القرون الوسطى. ومن مختلف الجنسيَّات والديانات والأهواء، وهذا يثبت مشاع التفكير بين الأمم، ولكن على الإنسان أن يقرأ ويبحثَ ويحاكمَ ليأخذ منها ما يناسبه. وهناك تنوُّعٌ في مشاربِ الأشخاص ومناهلهم. فالنصوص تقدِّم معلومات غنيَّةً بالمقولات "وما زالت خصوبة الأرض في المجتمعات الزراعية إلى يومنا هذا مقترنةً بخصوبة النساءِ .. وكثيرون يعتقدون أنَّهُ ينبغي أَنْ تقومَ النساءُ بزراعةِ القمح لأنَّ النساء يعرفْنَ كيف يُنْجِبْنَ الأطفالَ، كما يعتقدونَ أنَّ الزوجة العاقرَ مؤذية للحديقة ..".

ومن المعلومات الغنيَّة تلك الواردة في مقالة "بوادر التفكير في بابل ومصر": "وتسيرُ طرق الحساب التي كانت تُعَلَّمُ في مِصْرَ إلى المستوى العالمي الذي بلغَتْه المعرفةُ في بلاد وادي النيل حيثُ حدَّد المصريّون طولَ السنة بـ 365 يوماً وربع اليوم، كما أحرزوا نجاحات هامة في مجال الرياضيات...".

ويقول في نهاية المقال: "وقد استفاد الإغريق مِنْ بابل وإيران ومصر وفينيقيا بمجالات مختلفة، منها الرياضيات والفلك والجغرافيا والقياس والتقويم ...".

كثيراً ما كان الكاتب يطرح السؤالَ في آخرِ مقالِهِ، يطرحُهُ ليَنْفُذَ إلينا ويثيرَ فينا التفكير وبذلك يدفعنا للتأمُّلِ والمحاكمة. وكأنه يريد أن يترك للآخرين شيئاً يفكِّرون به ويتدبَّرونه، وبذلك يهرِّبُ لنا ما يودُّ قولَهُ من مقولات وقضايا يُسْقِطها على الواقع الراهن.

في عَرْضِهِ عن سقراط ومعاناته والذي اعتبرَهُ أوَّل شهيد للفلسفةِ يقول: "كان سقراطُ واحداً مِنْ أعظم الذين التزموا بهدف تحرير الإنسان مِنْ عبوديته للآخرين ولشهواتِهِ الدنيئة، ويَتَحَتَّمُ علينا الاقتداء بإرادته في تصميمها على المضيِّ في طريق المعرفةِ المكرَّسةِ لأجل الإنسان. إنَّ سقراطَ لو كان حيّاً الآن لكان وقف بعنفٍ تجاه سوء استخدام العلم في العصر الحديثِ وإساءة التصرّف بالمخترعات التكنولوجية المعاصرة. أليس كذلك؟".

هذه الفقرة تبدو غنيَّةً بالتساؤلات والتوصيفِ والربط وهي تقول الكثيرَ للحاضرِ الذي نعيشه، وعندما توقَّفَ عند ابن النفيس أبرز جوانبَ علميَّة طبيَّة اتَّسَمَ بها وله فيها الريادةُ والسَّبْقُ، فذكرَ "واهتمَّ ابن النفيس بدراسةِ تشريحِ القلبِ والحَنْجَرَة من خلال دراسةِ وظيفة التنفّس داخل الرئة وانتقال الدم من الرئة إلى القلب ومن القلب إلى

الرئة .."، ثم يتابع "وبقي إنتاج ابن النفيس مطروحاً في مكتبات العالم طوال مئات السنين، ولمْ يعِ علماءُ الطبِّ قيمة إنتاج ابن النفيس إلاَّ في السنين الأخيرة ..".

وكأنَّ المؤلِّفَ يريدُ إنصافَ العبقرية العربية التي تتعرَّضُ للإجحافِ واللَّمزِ من الآخرين وربَّما من بعض أبنائها العاقِّينَ. وفي ذكره لابن خلدون أبرزَ الكاتبُ أهميَّة بحثِهِ في علمِ التاريخ والاجتماع واعتبره واحداً من الذين رسَّخوا علم التاريخ فيقول:

"هذا النظرُ الجديد إلى حوادث التاريخ من جهة عِلَلها، وباعتبارِ عواقبها، أعطاهُ مفهوماً جديداً للتاريخ، إذْ لم يعد في جوهره جدولاً من الأحداث، ومساقاً من الأخبار؛ بل أصبح درساً للحياة الإنسانية، وما تلْقاهُ من دواعي الازدهار، وعوامل التطور، وأسباب الانحلال، ..".

وإذا كان الكتابُ مُعَدَّةً فقراتُهُ للإذاعة، فإنه يكشف صعوبة البحث والتحرِّي في تقديم مادَّةٍ غنيَّةٍ ووجبةٍ دسمةٍ، وهذه الفقرات تبدو في الكتابِ أكثرَ عمقاً وتوثيقاً في الذهن، وفي الكتاب فائدةٌ للآخرين ونوافذُ متعدِّدةٌ لاستقطاب الفكرةِ وامتدادِها الزمني وخلودِها. والكتاب صادر مع مطلع عام 2001 وعدد صفحاته مئتان وأربع وخمسون صفحة. ويبقى مرجعاً خفيف الظلِّ، يقدِّمُ وجبتَهُ بعفويَّةٍ ودون تكلُّفٍ، يأخذك إلى ما يريد عبرَ الزمنِ الممتدِّ وعبرَ المواقفِ المتفاوتةِ دون إكراه. ويحقِّق بتنوعِّهِ وحدة الفكرِ الإنسانيِّ عبرَ العصورِ ويتجاوز الحدودَ التي تزرعها الدولُ والأنظمة. فيرسِّخ مقولة الخير والحبّ للبحثِ والعطاء عبر التاريخ وينصف العبقرية العربية الإسلامية.