مصريون: محاكمة مبارك مسرحية هزلية تثير سخطنا

القاهرة



سجن عشرة نجوم

يشكك الكثير من المصريين في مصداقية محاكمة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، حتى بعد ظهوره على شاشة التليفزيون خلف القضبان، وسماعهم الاتهامات التي وجهتها له النيابة ومحامي الشهداء.

الشك له مبررات لا تخرج عن كونها ملاحظات حملتها الكاميرا ومشاعر مرسخة ضده، منها أن الرئيس المخلوع بصحة جيدة على الرغم من أنه منذ تنحيه يتم التلاعب بمشاعر الناس من خلال التقارير الصحية، تقارير متضاربة فشلت في كسب التعاطف، وأيضا ظهوره ممتلئ الوجه، نضر الوجنتين بفضل ماكياج كامل، وشعر مصبوغ بشكل جيد، وصوت يؤكد سلامته وإصراره على العناد.

الشك اتصل بنجلي الرئيس المخلوع اللذين قدما للمحاكمة في سيارة مصفحة مكيفة وتم استقبالهما بحفاوة بالغة من رجال الجيش والشرطة، وهكذا أيضا استقبل حبيب العادلي وزير الداخلية السابق وكبار مساعديه، حتى إذا ميز القاضي بين محامي الشهداء ومحامي المتهمين.

وكشف أحد محامي الشهداء أن ما يزيد عن 130 محاميا عن أسر الشهداء لم يتم الموافقة على دخولهم قاعة المحاكمة، اتسعت دائرة الشك والريبة.

الرأي في الشارع المصري يبدو صادما في كثير من الأحوال حيث تصل نسبة الأمية إلى النصف، لكنه يحمل الكثير من الملامح والمشاعر الحقيقية تكشف عن طبيعة فهمه لما يجري، على الرغم من أنه لا يعتمد على معلومات.

وقبل أن أترك الأمر لآراء الناس، أحب الإشارة إلى أن المحاكمة كانت حصريا للتليفزيون المصري وتناقلتها القنوات الأخرى عنه، ومع ذلك لم يرها أحد عبر التليفزيون المصري أو أي من قنواته، وأن الأغلبية شاهدتها عبر قناة الجزيرة مباشر من القاهرة، و"الأو تي في وسي بي سي والتحرير"، وهو أمر يؤكد ترسخ عدم الثقة والمصدقية لدى جمهور المصريين بنظام الحكم حتى اللحظة!!..

إسماعيل شيكو "سائق ميكروباس الجيزة ـ هرم" الذي تابع المحاكمة من خلال شاشة تليفزيونية ركبها خصيصا لمتابعة المحاكمة، قال لي "تعرف أن المحكمة والقفص والدكك ومنصة القضاء تذكرني بالديكور الذي في مسرحية عادل إمام شاهد ما شفش حاجة"، و"ع الرصيف" لحسن عادين وسهير البابلي، و"دستور يا أسيادنا" لأحمد بدير، حاجة كوميدي لكن محبوكة".

وأضاف شيكو ـ وهو شاب في الثلاثينات ـ "إذا تصورت أن الجيش سيحاكم مبارك محاكمة نزيهة تبقى غلطان، وحتى لو حاكمه، فمحكمة صورية وحكم صوري، ثم هل تعتقد أن السجن الذي يعيش فيه، هو وأولاده والعصابة سجنا؟ هم يعيشون في فندق عشر نجوم وليس خمسة، ويخرجون ويعودون في الوقت الذي يريحهم، أنت دخلت سجنا؟ تعرف السجن أو الحجز سواء هنا أو هناك في أي مكان فيك يا مصر؟ السجن أو حتى الحجز عبارة عن علب أشبه بدورات المياه، يعوم على بركة من القاذورات عمدا".

ويشبه الحاج عبد الراضي الصياد ـ موظف في سكك حديد مصر ـ محاكمة مبارك وعصابته بمسلسل رمضاني، "في ظل انهيار الإنتاج الدرامي، قرروا أن يقدموا لنا مسلسلا في حلقات منفصلة متصلة، تحمل أحزان أمة مات الآلاف من أبنائها في عهد الرئيس المخلوع بالخبز المسرطن والحرائق والغرق وفي أقسام الشرطة، وبيعت فيها مقدرات الأجيال القادمة، باختصار مسلسل من الغم والهم، وأتخيل أن الكثير من الناس ستفطر غير قاصدة الإفطار، ستفطر نتيجة السباب والشتائم التي ستخرج من أفواههم غيظا وكمدا وتعليقا على ما يجري من مهزلة في المحكمة".

السجن المصري مستمر للمصريين

وأضاف الصياد "المجلس العسكري وضع كل إمكانياته لإخراج مسلسل يليق بدوره في إدارة البلاد والاستمرار في إدارتها، لن يقبل أن يدان قائده الأعلى على مدار ثلاثين عاما، انظر خلال الأشهر الماضي يضحكون علينا بحكاية مرضه، وهو وحش، لو طلقته لأكل الجميع أو على الأقل أصابهم إصابات قاتلة".

ويرى أحمد عزت ـ كنفاني بمنطقة بولاق الدكرور ـ أن المجلس العسكري جاد في محاكمة مبارك وسيحكم عليه على الأقل بالسجن ولو لمدة عام ولكن "ليس من أجل عيون الشهداء ولا الشعب الغلبان ولا مصر ولا الثورة ولا العدالة، بل من أجل مصالحه في استكمال سيطرته على البلاد بتأكيد صدقه ووقوفه مع الثورة والشعب، أعضاء المجلس يريدون أن يحكموا، لأنه إذا لم يحكم واحد منهم سيصبحون مثل مبارك غدا في قفص الاتهام".

ويلفت الحاج عزت إلى أن من كانوا يخرجون لتأييد مبارك أيام الثورة الأولى لم يكونوا من الأهالي، "هم إما مؤجرين بالنفر أو مخبرين وموظفين في أقسام الشرطة، لذا لا تصدق من يقول لك أن هناك من يؤيدونه، والله كذب، لا فلول ولا حزب وطني ولا غيره، هؤلاء رجال أمن في زي ملكي".

الحاجة زينب خليل ـ مديرة مدرسة سابقا ـ تؤمن بأن لا محكمة إلا محكمة الله ولا قصاص إلا قصاص الله، وأن هؤلاء القتلة ومن يتسترون عليهم ويدافعون عنهم ويحمونهم، جميعا لن يهربوا من حكم لله، وقالت "أتمنى لو يريحونا ويطلقون سراحهم ويبرأونهم، فالله كفيل بهم وسوف ينتقم من هؤلاء وهؤلاء، قد يستطيعون الهروب من محكمة البشر بالألاعيب لكن لن يستطيعوا الهروب من محكمة الله وحكمه عليهم في الدنيا ثم الآخرة".

ورأت الحاجة زينب أن الجيش والشرطة يعاملون أولاد مبارك ورجال العادلي معاملة فيها حذر وخوف "ضباط الجيش والشرطة كادوا يؤدون التحية لجمال وعلاء مبارك والعادلي ورجاله، شيء مخجل أن يخاف رجال الجيش بهذا الشكل، كأن هؤلاء لا زالوا في السلطة وليسوا مسجونين على ذمة قضايا قتل عمد".

ويؤكد عبد الرحمن السبع ـ محاسب ببنك مصر ـ أن المحاكمة كانت استفزازية، طريقة استقبال مبارك ونجليه والعادلي ورجاله، "ما كل هذا الكبر والغرور والإجرام، هل منظر هؤلاء منظر أناس يحاكمون لأنهم قتلوا ما يزيد عن 1000 مصري وأصابوا ما يزيد عن 5000 آلاف مصاب إصابات تشكل عاهات، والراجل الكبير نائم على سرير رغم أن صحته تسمح له بالوقوف كما يؤكد الأطباء، وطوال الوقت "يزغر بعينيه"، ويكشر بملامح وحش، حيلته ذكرتني بحيلة كوميدية هزلية لفريد شوقي في فيلم "الرجل الذي فقد عقله" حيث جاء فريد شوقي إلى المحكمة في هيئة رجل عجوز يسير متحاملا على عكازه ليخدع المحكمة ويكسب القضية من أبنائه الذين رفعوا عليه قضية حجر لأنه كان فاسدا وزير نساء ومزواج ".

ويرى السبع أن الشعب المصري طيب وحنون وعطوف وتتحكم عاطفته في الكثير من قراراته، "لكنه أمس تحديدا حيلة مبارك لم تفلح، لأنه لم يكن فيها ابتكار، حيلة قديمة استخدمت في عشرات السيناريوهات".

ورغم إيمانه بأن الجيش لن يترك حكم البلاد لكنه يرفض حكم العسكر "ليس لدي أمل في أن يتركوا الحكم لسلطة مدنية، والشعب لا يدرك في ظل جهل وأمية نسبة كبيرة منه حتمية وضرورة مدنية الدولة وعودة العسكر لأداء دورهم الأساسي في حماية أمن البلاد من الأخطار الخارجية"

وصرخ مبرمج الكمبيوتر أحمد زكريا فيّ عندما شك أن مشهد مبارك قد أثار شفقتي "فكر بعقلك يا أستاذ"، فهدأته وأفهمته أنني أجري استطلاعا حول المحكمة وأنني لست متعاطفا مع الرئيس المخلوع ولا أي من أفراد عصابته سواء داخل السجن أو خارجه.

سألني "هل تثق في عدالة الله"، قلت "طبعا"، قال "لن يفلتوا من العقاب الإلهي وسترى هذا العقاب على حياة عينك".

وأضاف "ما يجري استهزاء بالشعب المصري، وهذه هي الرسالة التي وصلت للمصريين، أن المحكمة تستهزأ بهم وبعقولهم وأن هناك تواطأ واضح من الجيش والشرطة مع مبارك ورجاله، وأخشى ما أخشاه أن تنقلب الأمور رأسا على عقب وتطيح بالجميع، خاصة وأن رجال الجيش والشرطة يتبادلان نغمة واحدة وإن تعددت صياغتها مضمونها "نحن نعمل وفقا للإرادة الشعبية"، صدقني لم يعد أحد يقبل الاستخفاف به وهم يدركون أن الشعب وصلته رسالة مفادها أنهم يستخفون بل يستهزأون به، يا راجل هل هذا شكل محكمة وشكل قاضي وشكل متهمين، حاجة تشلّ".