تداعيات عن محاكمات الرؤساء في ربيع العرب

بقلم: حسن الصفدي

بداية الرؤساء معرّفون لكونهم مارسوا فعلياً رئاستهم، أما ربيع العرب، باعتبار ما يجري، وما سيكون، فلا يزال غير معرِّفٍ بذاته، إذ أنه لا يزال في المطالع، ويبدو من العسير وصف الصورة الحالية بأكثر من أنها تحرّك، بالغ الشدّة، وتوق عارم، إلى الحرية والديمقراطية، وأشياء أخرى.

هزتني محاكمتان لرئيسين عربيين، جرت واحدة وتجري الثانية الآن، في بلاد العرب. وقول بلاد العرب، نابع من إشكال، واقعية هل نحن مواطنون – كما المواطنة - في وطن عربي، يخامر الذهن باستمرار، أم لعلنا نراوح بين رعايا وسكان، وأحيانا أهالي أحياء ومدن، وبعضنا – مع التأكيد على بعض- يطيب لهم ترداد أنهم أبناء عشائر أو طوائف. أليس يحكم المواطنين قانون وطني واحد، يفصل في مخالفاته – دستوريته - ومخالفته قضاء مستقل بذاته. وهنا مربط الفرس.

لم أكن، ولست، لا من مؤيدي صدام ولا مبارك، فقط أيدت الملك محمد الخامس في بداية حكمه، في مقالة بعنوان: "رجلان وموقفان" استشرفت فيها أن يتمتع الحاكم المغربي بشجاعة وإقدام الملك الاسباني كارلوس في إحباط العسكر= الرجعية، وتحييدهم. وكنت أنقم على الرئيسين السابقين أفعالهما المخزية في التلاعب بعواطف الشعب المتدين، لكن يبقى احترامهما واجب بالضرورة عندما كانا رئيسان عربيان قائمان. والاحترام لا يمنع انتقاداً ولا شجباً.

ما نقدته في محاكمة صدام، وأنتقده الآن في محاكمة مبارك، كون المحاكمة مدنية تعتمد القانون المعمول به - آنفاً ولاحقاً – في حين من المعروف أن الرؤساء يحاكمون، وحدهم، وفق قانون بعينه، ولا يُحشرون مع آخرين. فهل ترانا نحاكمهم على أفعال قاموا بها عندما كانوا رؤساء، أم كأشخاص عاديين؟

أليست تأخذ المحاكمة طابعاً غير جدّي عندما يحاكم رئيس أخطأ، غلط، أقترف جرماً، جنباً إلى جنب، مع ابنين – شخصين عاديين أمام القانون - استغلا ظرف والدهما. من غير المحتمل أن القضاة لا يعرفون هذا، لكن هيمنة الشارع وتواني المجلس، أمران ليسا هينان في تأثيرهما على استقلال القضاء.

وإذا كان الناس يصنعون تاريخهم، فنحن الآن لسنا بصدد كتابة التاريخ، وإنما في همّ معالجة واقع قائم. ولنتذكر الثورة الفرنسية، فما يرد على الخاطر حالياً مبادئها وإنجازاتها. أما مجريات محاكماتها فيقرؤها المهتم والمختص والباحث. كما أن نفي رئاسة مبارك – الواقعية - السابقة، مسألة يبدو أنها ناجمة عن عبء موروث التاريخي مازال يفعل فعله.

في حالة صدّام، لقد خسر حرباً، فكان من الواجب محاكمته أمام محكمة عسكرية، بحكم الظرف القائم، بالتالي إعدامه رمياً بالرصاص فيما لو تم الحكم عليه بذلك. والتناقض الذي حصل أنه حوكم مع آخرين، - وليس منفرداً كرئيس مهزوم - بموجب قانون هو الذي أنفذه بتوقيعه، وكان ينبغي محاكمته وفق قانون محاكمة الرؤساء، أو القانون الذي أسقطه، أو قانون الذين أسقطوه. ولو تم ذلك لقلّ عدد الآسفين على إعدامه إلى حد كبير. كذا الحال في محاكمة مبارك، إذ ليس من المعقول التعجيل بمحاكمته أمام محكمة مدنية رضوخاً لضغط الشارع - فهذا ينفي عن القضاء المصري استقلاله.

مع افتراض ما جرى في مصر ثورة – وصف مازال أبكر من أن يكون كذلك – كان من الواجب محاكمته أمام محكمة ثورية. ولما كان ذلك لم يحصل، فذلك يحيل إلى تصوّر أن المحاكمة الجارية غير صائبة أو ليست عادلة. علماً أن المجلس العسكري قد عيّن أصلاً من قبل مبارك بالذات - حسبما أُعلن – بالتالي، عندما يقرر المجلس محاكمته عليه أن يحاكمه كرئيس، ومفهوم بالتبعية أن رئيساً سابقاً هو الذي يحاكم لا الرئيس القائم.

في جميع الأحوال من المفترض أن تكون المحاكمات بغية إقامة العدل وإحقاق الحق، لا أن يكون القصد منها التشفي أو الانتقام (الملطّف).

وإذا كان الفوز في تحقيق إزاحة قمة هرم النظام، يمكن أن يغدو ثورة تالياً، فذلك يتضمن إحقاقاً للحق في حد ذاته، وهذا يجِبّ كثيراً من الأخطاء بحكم كينونته. في مثل هذه الحالة ينبغي التأسي {بالأخ الكبير وابن الأخ الكبير} أو على الأقل كما يقول المثل العربي [العفو عند المقدرة] فليس للعاجز أن يعفو، ولا للذليل أن يصفح.

في ملاحظة جانبية، مازال مجتمعنا مجتمعاً ذكورياً – أبوياً، فلا نكونن أولئك الأبناء الذين يقتلون آباءهم بتأثير إحدى فاعليتين تحدث عنهما فرويد.

حسن الصفدي