'العاطل' قطعة من الحياة بين القاهرة ودبي

كتب ـ أحمد فضل شبلول
الكتابة هي الحل الوحيد

لم يقم منصور عبدالعليم ابن خالة السارد بإعادة صياغة الجملة الأولى في رواية "العاطل" لناصر عراق، والتي هي في الوقت نفسه الجملة الأخيرة في الرواية والتي يقول فيها: "نعم .. أنا لم أتمكن من تقبيل أي فتاة طوال حياتي، على الرغم من أنني سأكمل ثلاثين عاما بعد شهر واحد فقط من الآن".

وما بين الجملتين الأولى والأخيرة، تدور أحداث رواية "العاطل" بين القاهرة ودبي والشارقة، في 328 صفحة، لتقدم لنا تلك الشخصية المصرية العادية البسيطة قليلة الحيلة المقهورة من الأب والأخ الأكبر حسن، في إطار اجتماعي ونفسي وبوليسي ورومانسي وجنسي وسياسي أيضا.

لقد استطاع ناصر عراق أن يقدم لنا شخصية الشاب محمد عبدالقوي الزبال، السلبية والعاطلة عن العمل في معظم أيامها، والعاجزة عن ممارسة الجنس مع فتيات من جنسيات عدة (مغربية وروسية وصينية ومصرية) فأصبح أيضا عاطلا عن الجنس، بسبب عقدة نفسية سبَّبها الأب بتسلطه وجبروته، ولكن يكشف الكاتب الصحفي صلاح الغندور بعد تحليل نفسي عميق على عدة جلسات، سبب هذا العجز القابع في الكهوف النفسية الغائرة تحت طبقات النسيان لدى السارد، منذ حادثة بريئة مع جارته الصغيرة أيام الطفولة أفزعت محمد وتسببت في عدم انتصاب عضوه كلما حاول مع أي أنثى، رغم نجاحه اليومي في ممارسة العادة السرية منذ سن البلوغ وحتى نهاية الرواية.

وكانت الكتابة هي الحل الوحيد لمحمد للشفاء والتطهر، والإقلاع عن الممارسة اليومية المرذولة، والعودة إلى ممارسة الحياة الطبيعية، فكانت رواية "العاطل" التي سكب فيها السارد سنين عمره وأيام شقائه ومدى كراهيته للأب على (نحو أوديبي)، وحبه للأم، وهيامه بزميلته عزة سليمان التي ستصبح زوجته فيما بعد، ووقوفها بجانبه في محنته الجنسية، وصبرها على عجزه.

لم يكن السارد قارئا أو مثقفا أو مفكرا أو ناجحا في أي عمل يمارسه، بل كان شخصية خائفة دوما مترددة وتابعة لغيرها في معظم تصرفاتها، تكره القراءة والاستماع إلى أغاني أم كلثوم وعبدالحليم حافظ والأفلام القديمة، على العكس تماما من شخصية ابن خالته منصور عبدالعليم الكاتب الصحفي والمثقف الليبرالي والذي أقنعه مع صلاح الغندور أن يبدأ في كتابة قصة حياته ويسرد فيها كل الأحداث التي مر بها حتى يتحقق له الشفاء والتطهير، ويستطيع أن يسعد زوجته، عزة سليمان، التي لم تزل عذراء.

بعد تردد وخوف وقلق يقرر السارد أن يمسك القلم ويكتب واثقا أن ابن خالته سيساعده في إعادة الصياغة بلغة أكثر فصاحة وإشراقا حتى يجعل الكتابة أكثر تشويقا، وهو ما يبدو أنه حدث بالفعل لأننا أمام رواية مشوقة وممتعة وصافية لغويا، وعلى درجة عالية من التقنية الروائية قوامها ثلاثون فصلا استطاع خلالها السارد أن يفتح الأبواب والمتاريس النفسية وينهل من الكنز الإنساني المخبَّأ في كهوفه، فيكشف بكل صراحة ووضوح الكثير والكثير، ليتضح لنا أننا أمام شخصية درامية بامتياز، مرت بتحولات ومسارات عدة، لتصل إلى ما وصلت إليه في نهاية الرواية.

وقوع أحداث الرواية ما بين القاهرة ودبي والشارقة كان سببا رئيسيا في تعرفنا على جنسيات عربية وأجنبية مختلفة مرت في حياة السارد، بعضها مرَّ مرور الكرام، وبعضها ترك أثرا نفسيا عميقا، وأسهم عمل الكاتب نفسه (ناصر عراق) في دبي سنوات عدة، في انفتاح عالم الرواية على أوضاع العمالة العربية والأجنبية في منطقة الخليج بعامة، والصراع الخفي بينها، بما فيه الصراع بين المصريين أنفسهم، و"العاطل" ـ في هذه الجزئية ـ تعد امتدادا لرواية عراق السابقة "من فرط الغرام" والتي بسببها فقد عمله في إحدى المجلات الإماراتية الشهيرة.

لقد استخدم عراق في رواية "العاطل" البناء الدائري نفسه الذي استخدمه في رواية "من فرط الغرام"، وهو بدء الرواية بما تنتهي به، وكأن الرواية "فلاش باك" أو استرجاع واستدعاء لكل أحداثها وشخوصها ووقائعها من مخزون الذاكرة الحديدية للسارد أو البطل الرئيسي محمد عبدالقوي الزبال.

وجود شخصية الإنسان الثوري في الرواية أعطى لها بعدا تنبؤيا بما ستصير إليه الأحداث في مصر بعد ذلك، فشخصية الكاتب الصحفي المثقف والشاعر منصور عبدالعليم (ابن خالة السارد)، ورئيس التحرير بالجريدة الإماراتية الكاتب والفنان صلاح الغندور، سبب رئيسي في إكساب الرواية بعدا سياسيا تلقائيا، ففي عام 2000 يقول منصور للسارد الذي لم يصدق كلامه وقتها: "إن نظام الحكم في مصر قد فرغ من مضمونه، ووصل إلى نهايته، وإنه في حاجة إلى ثورة، قبل أن يحدث لنا مثلما حدث في سوريا". ولسذاجة السارد وبساطته وطيبته لم يتخيل أن أحدا تحدث في هذه الأمور قبل منصور. بل إنه لا يدري من أين توصل منصور إلى هذه الآراء الجريئة والحاسمة، ويتساءل: "هل لأنه يتمتع بحدس سياسي، نظرا لانخراطه في منظمات ثورية سرية منذ التحاقه بكلية الإعلام؟". لقد كان منصور يرى في نفسه قائدا ثوريا قادرا على إحداث التحول الجبار في مصر. ومن هنا يأتي سر انبهار السارد بتلك الشخصية التي قدمت العون الكثير له ووقفت بجانبه في الكثير من أزماته في الغربة، وخاصة في قضية مقتل إيرينا الروسية، وفي التخلص من حقيبة المخدرات التي أودعتها لديه هند المغربية قبل القبض عليها دون أن يعرف محتويات الحقيبة.

ملمح آخر من ثورية الرواية يتجسد في مخاطبة بدر المنياوي (أحد المسرحيين الشهداء في مسرح بني سويف سبتمبر 2005) لضابط أمن الدولة الذي اعتقل المنياوي: "عاملونا برفق، حتى نحميكم من غضب الشعب عندما تقوم الثورة، فنقول للجماهير التي تريد أن تقطعكم إربا: إنكم كنتم مجرد موظفين تنفذون أوامر سادتكم .. فعسى ولعل يتركونكم وشأنكم!".

ولعلنا نعرف الآن ـ بعد قيام ثورة 52 يناير ـ مدلول الرقم 30 وما يرمز إليه من زمن حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك للبلاد، وما جره على الشعب المصري من مررات وخيبات، والمدهش في رواية "العاطل" ليس فقط الدلالة السياسية لهذا العنوان، ولكن أيضا هذا المونولج الحميم للسارد الذي يقول فيه: "ثلاثون عاما لم أحصد فيها سوى مرارات خيبة جنسية مزعجة ومخجلة .. ثلاثون عاما لم أكتب فيها جملة عشق واحدة تقربا لأي فتاة كما يفعل المحبون على مر العصور .. ثلاثون عاما لم أنتظر بشغف مقدم فتاة على أول الطريق .. ثلاثون عاما لم أضبط نفسي فيها شاردا، أفكر في ملامح حبيبة أو معشوقة". إنه تيار الوعي الذي يسري في مناطق كثيرة من رواية "العاطل"، خاصة عندما يختلي السارد بنفسه ليعري أمامنا خيباته وانكساراته وهزائمه منذ كان طفلا صغيرا وحتى اللحظة التي قرر فيها أن يكتب ويحكي ويتذكر ويسرد.

ناصر عراق

وقد نتساءل: هل كانت الثلاثون عاما (وهي مدة حكم الرئيس السابق أو الرئيس المخلوع 1981 ـ 2011) هي سبب العجز الجنسي لدى السارد، وسبب عطله عن العمل إلا من أعمال لا تتناسب مع مؤهله الجامعي (بكالوريوس تجارة) فاضطر لأن يعمل في مقهى شعبي بالقاهرة يقدم المشروبات والشيشة لرواد المقهى من العاطلين الآخرين، ثم حصوله على فرصة عمل في دبي بائعا للموبايلات في محلات "كارفور" تتطلب مهارة التحدث بالإنجليزية التي لا يجيدها، بدون مساعدة أحد زملائه أو زميلاته، فكأنه أيضا عاطل عن العمل.

إن استخدام الرمز الجنسي للتعبير عما هو واقع سياسي في رواية "العاطل" لناصر عراق، يذكرنا باستخدام الرمز نفسه في رواية "أجنحة الفراشة" لمحمد سلماوي حيث مدحت الصفتي زوج ضحى الكناني الذي كان مصابا بضعف جنسي وعدم صلاحية أدت إلى عدم الإنجاب فهو على الرغم من كل النفوذ والسلطة والمنصب الحزبي العريض سريع القذف والإنزال لا يستطيع أن يتحكم في نفسه ولا أن يمتع زوجته.

لقد اتكأ عراق على أسماء واقعية في حياتنا الثقافية والسياسية والحزبية متخذا منصور ـ الشخصية الثانية في الرواية ـ سلما لذكر أسماء مثل إبراهيم عيسى في "الدستور"، وعبدالله السناوي في "العربي"، وعبدالحليم قنديل في "الكرامة" وغيرها للدلالة على الحالة الثورية أو الزخم الثوري الذي تتمتع به مصر خلال الزمن الفني للرواية، ولكن ـ من وجهة نظر السارد ـ أن ابن خالته سبقهم جميعا في فضح سيناريو التوريث والتحذير من قدومه.

أما الجانب البوليسي الذي تتمتع به رواية "العاطل" فهو ذاك المتعلق بمقتل الروسية إيرينا، حيث اتُّهمَ السارد وصديقه أمجد صفوان (صاحب الرائحة النتنة) بقتلها، لأنهما كانا موجودين في شقتها بعد ارتكاب الجريمة، فتم القبض عليهما وإيداعهما السجن، ولكن مع البحث والتحري من قبل شرطة دبي، يتم القبض على القاتل الحقيقي، ويتم الإفراج عن السارد، وحبس صديقه الذي اتضح أنه كان يتاجر في المخدرات مع القتيلة.

لقد كانت ايرينا الروسية إحدى المحطات التي كان يجرب فيها السارد صلاحيته الجنسية، وفي كل مرة يفشل في إثباتها، بعد أن اكتشف عدم صلاحيته للمرة الأولى مع زميلته المغربية هند التي دعته لهذا الأمر، ثم حاولت استغلاله بعد ذلك في عملها بتجارة المخدرات بأن سلمته حقيبة يحفظها في حجرته لحين تطلبها ودون أن يسألها عن محتوى الحقيبة.

لقد اجتمعت شخصيات عدة من جنسيات مختلفة في الرواية، وكنا نتساءل ـ ومعظم أحداث الرواية تدور في دبي والشارقة: أين الإنسان الإماراتي أو ابن البلد نفسه الذي تجري الأحداث فيها، ضمن هذا المشهد الروائي الكبير، إلى أن ظهر عبدالله راشد في المشهد، وهو مثقف إماراتي وشاعر واعد، وصديق كل من صلاح الغندور ومنصور عبدالعليم، وكان لوجوده تأثير كبير في حياة السارد حيث استطاع ان يلحقه بوظيفة جيدة وبراتب أفضل مندوبا للمبيعات في شركة سيارات "الحبتور" بعد الاستغناء عنه في "كارفور"، وأن يهديه في ليلة زواجه مبلغا كبيرا من المال، وكانت المفارقة أنه وحتى ثلثي الرواية تقريبا لم تكن شخصية إماراتية واحدة قد ظهرت في فضاء الرواية، ففي صفحة 194 يقول السارد: "كانت هذه المرة الأولى في حياتي التي أجلس فيها مع مواطن إماراتي، على الرغم من أنني قضيت أكثر من عامين في دبي، كنت أرى خلالها الإماراتيين، وهم يتسوقون في سيتي سنتر، خاصة الشباب منهم الذين يطلقون شعورهم لتصل حتى الكتفين، كانوا يرتدون زيهم المحلي المعتاد والمكون من جلباب أبيض يقال له (كندورة) وغترة بيضاء أيضا وعقال. أما أقدامهم فتستقر داخل (شبشب) جلد ونادرا ما كنت أرى أيا من هؤلاء الإماراتيين ـ كبارا وصغارا ـ ينتعلون حذاء من أي نوع!".

هكذا تقوم الرواية على الوصف الخارجي مثلما قامت على الوصف الداخلي والتحليل النفسي العميق في فصول أخرى، غير أن عبدالله راشد يظل الشخصية الإماراتية الوحيدة التي ظهر في فضاء الرواية، كشخصية طيبة تقدم العون للآخرين، وتتفاعل مع الآخرين في لحظات حزنهم (عندما مات والد السارد) أو لحظات فرحهم (عند زواج السارد) أو عند وقوع مصيبة ما (عندما تم القبض على السارد متهما بقتل إيرينا الروسية). وقد تم كل هذا عن طريق علاقة منصور وصلاح الغندور بالشاب الإماراتي الشهم.

وأعتقد أن وجود منصور ومن بعده الغندور في فضاء الرواية كان وجودا أساسيا، وقد تنهار الرواية من أساسها في حالة عدم وجودهما. وعلى العكس من ذلك هناك شخصيات لو تم حذفها لما تأثر البناء الروائي، مثل شخصية حسن شقيق السارد، على الرغم من أنه هو الذي سعى لقدوم أخيه إلى دبي، بعد أن ذهب قبله إلى هناك، وأخذ المقابل المادي من أخيه كنسبة من راتبه الشهري الضئيل، متعللا أنه دفع رشوة للمدير الفلسطيني موسى الوحش كي يوافق على إلحاق محمد بالعمل في "كارفور".

لقد أضفى وجود منصور في حياة السارد ومن بعده الغندور جوا من الحيوية والألفة والود والطمأنينة والحميمية التي يستشعرها القارئ في علاقات المصريين وبعضهم البعض في الغربة، على الرغم من وجود مشاهد أخرى بالرواية تؤكد عكس ذلك مع شخصيات أخرى.

وتذكرني العلاقة الصحفية والإنسانية بين منصور وصلاح الغندور في رواية "العاطل" لناصر عراق، بتلك العلاقة الحميمة بين الصحفي الشاب واثق وأستاذه الصحفي الكبير مراد، في رواية "استربتيز" للكاتب والشاعر مختار عيسى. وربما يعود ذلك التشابه لكون الكاتبين عراق وعيسى يعملان في الصحافة والإعلام، ويلاحظ أن الشخصيات الأربعة في الروايتين شخصيات مثقفة ومؤثرة وثائرة تطمح إلى الحرية والتغيير وترفض التوريث والفساد والطغيان والظلم والإهانة.

وفي كل الأحوال فإن رواية "العاطل" لناصر عراق ـ الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة 2011 ـ قطعة من الحياة، فيها الكثير من الضعف الإنساني، والشجن النبيل، والتكاتف والتعاضد لعبور الأزمات التي يمر بها الإنسان العادي البسيط الذي لا حول له ولا قوة، رغم أنه كان البطل الرئيسي في تلك الرواية الصادقة التي تجعلك تتعاطف مع بطلها محمد عبدالقوي الزبال الذي كان يتحدث أو يكتب روايته بضمير المتكلم، فلا تملك إلا أن تصدقه وتصادقه.