مقاييس الديمقراطية في البرلمان العراقي

بقلم: جواد كاظم الخالصي

كان واضحاً أن البعد الديمقراطي وممارسته فعلاً على الأرض تحت قبة البرلمان غير مجدٍ ولم يصل الى المستوى الحقيقي والفعلي حتى نقول إننا خرجنا حقا من جلباب الماضي المؤلم المغلف بروح البطش والقتل وقطع الألسن الى عالم التسامح وروح فهم الآخر وهو يتحدث بلغة الحرية الصحيحة الغير المنفلتة والغير الخاضعة لحسابات شخصية وفئوية وحزبية ضيقة، أنا أعتقد أن الصورة لا زالت غائمة أمام أعيننا كمواطنين وعامة من هذا الشعب المظلوم طيلة فترات الحكم التي تجمهرت على رقابه منذ عقود كثيرة من الزمن.

ما حصل يوم 28/7/2011 تحت قبة البرلمان العراقي من طبخة سياسية - ولا يمكن أن نسميها أكثر من ذلك ولا أبعد من هذا المفهوم - هو من دواعي التعكز على الماضي ومفهوم الانزواء والتكتل بعيدا عن روح النظام الديمقراطي الحر وهم يقفون ضد سحب الثقة من مفوضية الانتخابات التي امتلأت الى أخمص قدميها بالفساد المالي والاداري (للبعض منهم) كما كان واضحاً من الاستجواب، مع يقين وعلم هؤلاء النواب الممتنعين بتلك المفاسد الخطيرة ومع ذلك كان الوقوف الى جانب الفساد واضحاً وجلياً بحجج واهية يحاولون تمريرها على الشعب العراقي بقولهم ان الفراغ الذي سيحصل باقالة المفوضية سيجلب الكارثة على البلد لأننا سنكون بدون مفوضية (أمينة وحريصة على ادارة العملية الانتخابية!) وقد نسي جميع المدافعين عنهم بأن الفساد طغى على عملهم كما أشارت الى ذلك وأكدته جلسات التحقيق البرلمانية وكذلك اعتراضاتهم هم (الكتل السياسية) أنفسهم بالسابق وأن المفوضية غير عادلة وغير مهنية في عملها حيث كان الصراخ عاليا بذلك عندما تهبط ارقام نتائج انتخاباتهم وذلك ما سمعناه فعلا في انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات البرلمانية الأخيرة ـ فما حدا مما بدا لتكون المفوضية ملاكا في حساباتهم السياسية ـ وهنا على الفرد العراقي ان يتوقف كثيرا ويتأمل الطريق الذي يسلكه في السير خلف هذه الكتلة او الحزب السياسي ويتساءل بصوت عالٍ هل كان اختياره صحيحاً ام انه مغلوب على امره بتمرير الكثير من الأجندات المخادعة والوعود الكاذبة في الحملات الانتخابية التي مورست في مراحل انتخابية متعددة.

هنا لا أريد التشكيك بالوطنيين منهم فهناك الكثير من الذين يريدون العمل بكل جدية واخلاص ولكن العوائق التي تواجههم من كتلهم السياسية هي من تصيبهم بالاحباط وتجعلهم يتذمرون ولذلك نلاحظ أن نائبا هنا ونائبا هناك يخرج من كتلته مستقيلا نتيجة تهميشه وعدم اشراكه بالقرارات وهذا غير مقتصر على كتلة بعينها وانما في أغلب الكتل النيابية وهو ما يدعو الى الخروج من جلباب التبعية للكتلة او الحزب السياسي داخل البرلمان وهو يمثل من انتخبه وأعطاه الثقة لنكون بعيدين عن المحسوبيات الشخصية والحسابات السياسية الحزبية الضيقة.

أتمنى أن تكون الأعذار التي قدمتها الجهات الرافضة لسحب الثقة عن مفوضية الانتخابات أعذارا نابعة من الحس الوطني والحرص والخوف على العراق بما يخدم العملية السياسية والمواطن العراقي لا أن نتسابق من أجل الحصول على السبق السياسي وترسيخ صراع الارادات ونجعل من هذا الموضوع آلية لإفراغ كل انواع التحامل والاحتقان الموجود بين المكونات السياسية.

عليه لا بد من أن ننتظر نتائج التحقيقات التي بين يدي هيئة النزاهة والرقابة المالية كي لا نغبن حق النائبة التي بذلت جهدا كبيرا من أجل ايصال الحقيقة الى الجمهور العراقي حتى يتمكن من فهم الحقيقة بكل تجلياتها وتكون شاهدا حيا على تزوير الخطاب الانتخابي الذي مارسه الكثير من السياسيين خلال الحملة الانتخابية الأخيرة وتكون أداة لقطع الطريق عليهم بعدم العودة مرة أخرى للدخول تحت قبة البرلمان العراقي حتى نتمكن من ترسيخ مقاييس الديمقراطية الحقيقية وليس الديمقراطية المدججة بمفاهيم المحاصصة والمحسوبية الحزبية.

جواد كاظم الخالصي