طعنة اخراجية لقصيدة أرخت لاوجاع العراق

بقلم: عبدالرزاق عبدالواحد
مبدعو العمل الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد والملحن طالب القره غولي والمغني سعدون جابر والمنفذ حسن حامد

يا أبا الطيب "الفنان سعدون جابر" فرحت كثيرا ًعندما أخبرتني عن رغبتك في غناء بعض أبيات قصيدتي "يا صبر أيوب"... وصرت أسعد حين أبلغتني أن صديقنا الملحن الرائع طالب القرغولي، الذي لي معه أجمل التجارب أيام القادسية المجيدة، وخاصة الأغنية التي لا ينساها العراقيون "لا والله والعباس" هو الذي سيلحنها... وسلمتكما القصيدة كلها لتختارا منها ما تشاءان... ولحّن طالب، وغنيت أنت، وأسمعتماني ما أنجزتما فلم أعترض عليه.

أكثر من عام وأنا أنتظر متى تصوّر الأغنية... وتذكر كيف اتفقنا يا أبا الطيب في مزرعتك في دمشق على أن ألقي أنا أبياتها الثلاثة الأولى، ثم تؤدي أنت الأغنية.. وافترقنا على هذا.

سافرت أنا أبحث عن أولادي وأحفادي المبعثرين في ثلاث قارات، وسافرت أنت إلى أميركا، والتقينا في حفلتك في أريزونا وكان معي ولدي المقيم هناك وعائلته، وسهرنا معا، ولم تخبرني عن الأغنية شيئاً.

وعدت إلى الشام، وإذا برسالة عبر الأنترنيت تصلني من صديق لي في عمان ومعها مرفق ذعرت حين فتحته!.

لن أتحدث عن رسائل وتليفونات الأسف، بل والإستهجان أحيانا، التي وصلتني حتى من أناس لا أعرفهم، حول ما فعلته بالأغنية يا أبا الطيب.. لماذا؟.. لماذا؟؟ لماذا تطعن عملا ًمثل هذا طعنة قاتلة كهذه!!؟.

إن كنت تعتقد أنك قد جعلت الأغنية مقبولة من جميع الأطراف لكي تبثها جميع الفضائيات، فقد جعلتها موضع استخفاف كل الأطراف مع الأسف!.

والآن نتحاسب يا أبا الطيب:

قصيدة "يا صبر أيوب" واحدة من أكبر معلقات الشعر العربي إبداعا وكبرياء وموقفا... فماذا فعلت بها؟ وكيف وافقت هذا الذي أخرجها بهذه الصورة التي تثير الإشفاق، كيف وافقته على فعلته!؟ أم أنك أنت الذي اخترت أن تخرج هكذا؟

أبدأ الآن بسؤالك: كيف ارتضيت لنفسك يا أبا الطيب، وأنت تغني واحدة من أهم قصائد المقاومة في الأدب العربي، بأن تغنيها وعلم الإحتلال يرفرف فوق رأسك!!؟

أبسط العراقيين الآن، وهم يتظاهرون في شوارع بغداد ومدن العراق الأخرى، يحملون أعلام العراق الزاهية بنجومها الثلاث، فكيف وأنت الفنان العراقي المبدع رضيت بموقفك هذا؟ ثم ألم تفكر لحظة واحدة ماذا ستقول لي حين أسألك؟.

جاء مخرجك بمئات الصور، ونثرها فوق خارطة العراق، وبينها حتى صور بعض من دخلوا مع بساطيل الإحتلال... وفق أي معيار اخترتم هذه الصور!؟.

بدأ العرض بصور ملوك العراق ورؤسائه... لا بأس، هذا تأريخ وطننا وعلينا ألا نتنكر له، ولا أن نغالط فيه.

سؤالي لك يا أبا الطيب: أنهيت أنت ومخرجك رؤساء العراق ـ رحمهم الله جميعا ًـ عند الزعيم عبدالكريم قاسم... لماذا!؟ لو كنتما وضعتما صور الملوك وحدهم لقلنا هذه وجهة نظر، ولكنكما وضعتما عبدالكريم قاسم ـ مع إجلالي له ـ وهو قائد الإنقلاب الذي أباد الأسرة المالكة التي افتتح مخرجك إخراجه بصورها، لماذا ـ وقد عبرتما فترة الملوك إلى فترة الرؤساء ـ لماذا أغفلتما بقية الرؤساء؟

ألم تكن فترة الرئيس أحمد حسن البكرمن أكثر فترات العراق ازدهاراًً؟ ومرورا بعبدالسلام عارف وعبدالرحمن عارف، ألم تكن فترة حكم صدام حسين أطول من فترات حكمهم جميعاً؟ ألم يكن العراق خلالها في أهيب عصوره، ثم صار بعدها في أكثرها مذلة وعذاباًً؟.

لا بأس يا أبا الطيب، بدأت بالملوك وواحد فقط من الرؤساء، فما الذي أدخل نوري السعيد بينهم!؟.

أنا لا أنكر عبقرية هذا الرجل، ولا دوره في تاريخ العراق، ولكنني أنكر إسقاطكم لأسماء مثل جعفر أبو التمن، وعبدالمحسن السعدون اللذين اشتهرا في تاريخ العراق بوطنيتهما.

وأذكرك يا أبا الطيب، وأنت حامل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي، أذكرك بقصيدة الجواهري العظيمة في رثاء جعفر التي مطلعها:

طالت، ولو قصرت يد الأقدار ِ لرمتْ سواك، عظمتَ من مختار ِ!

ثم بدأتما برموز العراق الكبيرة، أنا أعجب يا أبا الطيب، وأنت ابن محافظة ميسان، كيف استطعت أن تنسى إسم واحدٍ من أكبر علماء العالم يقال له عبدالجبار عبدالله، وهو ابن بلدتك!؟

وكيف أسقطتما إسمي طه باقر وعبدالعزيز الدوري وهما من أكبر المؤرخين في حين تذكرتما حتى "فطيمه بسوك الغزل!!؟؟" وأسماء كثيرة أخرى صائب شوكت.. سعد الوتري.. خالد القصاب.. و، و، و ..

هل سمعت يا أبا الطيب باسم مهندسة عراقية إسمها "زها حديد" حصلت على أعظم وسام في العالم لأنها أكثر إنسان أثر في حياة العالم خلال قرن كامل؟. لا أريد أن أذكر بعض الأسماء التي ختمتم بها وجه العراق بدون كبير حق لأنني لا أريد أن أحرج أصحابها ولا أن أحرج نفسي معهم.

وحين يجيء دور الشعراء، أستغرب أن يُنسى، ولا أقول يُهمَل لأنه أجلّ من ذلك، أقول أستغرب أن ينسى إسم الدكتور محمد مهدي البصير شاعر ثورة العشرين ومربي مئات الأدباء في دار المعلمين العالية، وأين عظيم الموشحات السيد محمد سعيد الحبوبي الإمام الذي جرد سيفه ولبس كفنه وأعلن الجهاد في سبيل الله ضد الإستعمار! وأحمد الصافي النجفي، والسيد محسن الكاظمي وأكرم الوتري ورشيد ياسين ومحمود البريكان وحسين مردان... و، و، و...

وأخيراً... من حقي أن أقول لك يا أبا الطيب، وأنت من أعز أصدقائي، وأنا صاحب القصيدة التي تغنيها، أنني أستغرب أن تضع اسم عبدالرزاق عبدالواحد، حامل وسام العالم الذهبي في الشعر ثلاث مرات، تاسعا ً في تسلسل الشعراء!؟.

الآن، يا واحدا ً من أعز أصدقائي وأحبهم إلى نفسي، أكملت عتابي لك راجياً أن تسحب الأغنية من الأسواق، ومن جميع المواقع التي أرسلتها إليها، وأن تطلب من الفضائيات عدم إذاعتها إلا بعد أن يعاد إخراجها، وأن أراه لا أن أفاجأ به هكذا... وسلم لي على المخرج الذي أخرجها!.