جرش: إنانا تختزل الحضارة العربية في لوحات راقصة

جرش (الاردن) - من فوزي باكير
لوحة فسيفسائية كبيرة

عندما يجتمع الرّقص والمسرح معا، لكي يقدّما تاريخا عربيّا متنوّعا، يحاكي عمق الروح والأصالة والقومية العروبية، مستدعيا بلاد الرّافدين بنخيلها وأساطيرها، وبلاد الشام بياسمينها وكنعانيّتها، ومصر بأهراماتها وقدمائها، ومارّا على حضارة الأندلس بمعمارها وفنّها، فلن يستطيع أن يجمع كلّ هذا سوى "إنانا"، الهة الجمال والفن.

هكذا كان عرض فرقة "إنانا" السورية الجمعة على منصّة المسرح الجنوبيّ في جرش، لوحة كبيرة فسيفسائية، كلّ حجر منها يختزل بحركات جسدية إيمائية تاريخ منطقة معينة، بدءا بشرق آسيا مرورا على الهند وتركيا، عابرين العراق والخليج والشام والأردن وفلسطين ومصر، ذاهبين حتى المغرب العربي وإسبانيا، بعرض متميّز حدّق فيه الجمهور، الذي كان عدده حوالي 2000 شخص، بأعين متّسعة ومفتوحة بذهول مما يرون.

ولعلّ التسلسل الدرامي الذي قام عليه العرض، من أهم ميّزاته، فكل قطعة راقصة كانت ذات ارتباط بسابقتها، وتمهّد للتي تليها، في حوارات ملفوظة أو جسدية مسرحية أو راقصة، إذ بدأ العرض باستعراض تاريخ الصين والهند، وتواجد العرب فيهما، ثم سار باتجاه العراق متناولا مسألة جنكيزخان والكتب التي ألقيت في دجلة والفرات.

ثمّ مرّوا على بلاد الشام، ورحلة الشتاء والصيف، والخليج، وذهبوا إلى مصر، عادوا فيها لتاريخ الفراعنة القديم، وأفردوا لكلّ بلد خصوصيّته، التي كانت تجمع بين الفنّ والجمال، والطقوس التي تخص كل بلد بحزنه وفرحه وتعبيره عنهما من خلال الحروب والأعراس والمناظرات الشعرية، حتى وصلوا المغرب العربي والأندلس.

ورغم إفراد الخصوصية لكل بلد بثيابها وعاداتها وتقاليدها، إلا أن روح العروبة الواحدة، كانت ظاهرة في ملامح العرض، فهذا الاختلاف يصبّ كله في منطقة التنوع الثقافي الضروري، الذي يسمو بالحراك العقلي العربيّ والإنساني، فهو ليس اختلافا بقدر ما هو حالة تكاملية تمنح الهُويّة القومية خصوصيتها، والذي يدل على هذا، هو خلط بعض هذه الحضارات ضمن لوحات صغيرة واحدة، ففي اللوحة نفسها، يظهر عرب الرافدين مع عرب مصر والأندلس مثلا، وكلّ منهم يكمّل الآخر فيما يُقدّم من فنون وميزات، علاقة تكاملية فذّة استطاعت "إنانا" أن تظهرها في عرضها في اليوم قبل الختاميّ لمهرجان جرش.

يذكر أن "إنانا" تأسست في العام 1999 على يد مؤسسها جهاد مفلح، الذي يعد أحد أهم الأسماء السورية في مجال المسرح الراقص. قام مفلح بتأسيس هذه الفرقة بعد عودته متخرجا من معهد (Body wave).

وقدمت الفرقة، التي تضم 100 راقص وراقصة من جنسيات سورية وعربية وعدد من الجنسيات الأجنبية أيضا، عملها الأوّل في العام 2000.

ومرّت "إنانا" بأكثر من مرحلة مهمة في تاريخها، فبدأت بلوحتها الأولى "هواجس الشام"، بمشاركة 27 راقصا وراقصة وعرضت في دمشق، واستغرق التدريب عليها أكثر من سنتين، ويعد ذلك الوقت والجهد المبذولين خلال تلك الفترة العاملين الأساسيين اللذين جعلا انطلاقة الفرقة مميزة وذات بصمة.

وتعتمد "إنانا" اليوم على تراث عربي عريق، وعلى خبراء أجانب منهم الراقصة الروسية ألبينا بيلوفا، زوجة مدير الفرقة، إلى جانب عدد من الخبراء في الرقص الشعبي السوري بمختلف أنواعه، ويراعى أثناء التدريب كلّ من المستويات والميول المختلفة للراقصين.

وحققت "إنانا" بصمة في تاريخ الرقص السوري والشرقي بصورة عامة، حيث يتحدّى الراقصون فيها القيود الاجتماعية لهم كراقصين في مجتمع شرقي يضع العديد من الحواجز أمام إناثه وإشارات التعجب على شبابه الذين يمارسون الرقص المسرحي أمام جمهور يصفّق لهم وينقدهم في آن معا.

ومن المهرجانات التي شاركت فيها "إنانا"، مهرجان المسرح العالمي في كييف بأوكرانيا، مهرجان الموسيقى الدولي العاشر في الكويت، مهرجان قرطاج في تونس، إضافة إلى عدد من المهرجانات المهمة في الصين والهند وتركيا ولبنان والإمارات ومصر والمغرب العربي. (الغد الأردنية)