على الحكومة أن تدرك حجم العراق

بقلم: صباح علي الشاهر

أول سؤال يتبادر إلى الذهن: هل الكويت بحاجة فعلاً إلى ميناء عملاق كميناء مبارك؟

الإجابة على هكذا سؤال ستكون بنعم ولا.

لا، إذا كانت المسألة تتعلق بحاجة الكويت الفعلية، إذ من المعلوم أن الكويت تحتوي على عدد من الموانئ الكبيرة والحديثة، والتي تعد وفق التصنفيات الدولية من الموانئ المتوفرة على الشروط الدولية للملاحة، ومنها ميناء الشويخ، وميناء الدوحة، وميناء الشعيبة، وهي موانئ اعتمدت على إعادة التصدير أكثر من إعتمادها على إحتياجات الكويت تصديراً واستيراداً، إذ من المعلوم أن تصدير الكويت يعتمد أساساً على النفط الذي تتكفل به موانئ الكويت العملاقة مثل ميناء الأحمدي، وميناء عبد الله، أما حاجة الكويت الفعلية فيلبيها ميناء الكويت "الفرضة" الذي تحول في زمن ما إلى أكبر مركز لإعادة التصدير في منطقة الخليج.

ونعم، إذا كانت المسألة تتعلق بغايات أخرى، من هذه الغايات الإستفادة من عملية أعادة إعمار العراق، وهي عملية ستكون هائلة بكل المقاييس، وإيجاد موارد أخرى غير مورد النفط الذي تثار الشكوك حول استمراريته لأمد بعيد، وبهذا الصدد يمكن إدراج مشروع ميناء مبارك الكبير ضمن ما يمكن تسميته "صندوق الأجيال"، إذ يضمن مردودية مستدامة عبر إحتكار، أو شبه احتكار، إعادة التصدير للمواد الهائلة، بالغة التنوع، التي تحتاجها عملية إعادة الإعمار، واستمرار بقاء الكويت الممر الأهم والأفضل والأقرب للعراق، ولعل أختيار الكويت لهذا الموقع بالذات لتشييد مينائها الكبير، رغم أنه ليس الموقع الأنسب، ولا الأقل ضرراً بالجار، إذ أنه وبأقل تقدير، سيخنق تماماً موانئ العراق الحالية، ويحيلها إلى موانئ نهرية أكثر منها موانئ بحرية، يُشير بوضوح إلى إحدى أهم الغايات المبتغاة من بناء هذا الميناء، وبالمكان والكيفية والوقت.

إن اقدام الكويت على هذا العمل من دونما مراعاة لمصلحة العراق موصوف رغم كل الإدعاءات بالإضرار المتعمد بالجار الذي يروم المشروع خدمته، إذ من المعروف أن الجدوى الإقتصادية لإنشاء المشروع تعتمد أساساً على أن 80% من البضائع الداخلة إليه سيتم إعادة تصديرها إلى العراق، والعشرين بالمائة الباقية سيتم نقلها عبره لأماكن أخرى، ليست بالتأكيد تلك الدول التي لها موانئ نشطة، وبهذا يبدو مشروع الميناء عراقياً بتسمية كويته، والسؤال هنا: لماذا تتصور الكويت أن العراق يمكن أن يرهن تجارته، وتطوره بميناء يستطيع هو إنشاء مثله، لا بل أفضل منه على مياهه؟ خصوصاً وأن لديه كامل الإمكانات والمبررات التي تستوجب إنشاء مثل هكذا مشروع؟

يتذرع الكويتيون في بناء هذا المشروع على أنهم يبنونه على أرض كويتية، ولا أحد يناقشهم في هذا، ولكن هل يحق لصاحب الدار أن يفعل ما يشاء بداره، دون مراعاة لمصلحة وحقوق الجار، أو أخذ موافقته على الأقل؟ هل يستطيع مثلاً رفع البناء على أرضه أكثر مما هو مسموح به، وهل يستطيع البناء في حديقة الدار بالشكل الذي يؤثر على جاره؟، وهل يستطيع التأثير على الطرق المشتركة والممرات المشتركة؟ هل من حقك أن تحجب الشمس أو الهواء عني بحجة أنك تبني في أرضك؟

ما يصدق بين الأفراد من قوانين وأعراف الجورة، يصدق أيضاً بين الدول، ربما تستطيع بعض الدول تجاوز هذه الأعراف، مُعتمدة ومُستندة إلى قوتها التي لا تُقهر، فهل الكويت من ضمن هذه الدول؟

يرى البعض أن الكويت التي نهجت نهج الاستفادة من نكبة العراق بتعزيز وإدامة هذه النكبة، تنشد أيضاً الإستفادة من تعافي العراق عبر إلحاق المزيد من الأضرار به.

ويرى البعض أنه ليس من المناسب، ولا المعقول إلقاء اللوم على الكويت، فالكويت أولا وأخيراً تعمل على ضمان مصالحها، من دون الإلتفات إلى مصالح لآخرين، الذين ينبغي عليهم هم أنفسهم مراعاة مصالحهم أولاً وأخيراً.

يقولون إن التفكير بمشروع ميناء الفاو الكبير والحوض الجاف يعود إلى 2005، فلماذا ركن هذا المشروع في الأدراج؟

لماذا لم يتفطن المسؤولون العراقيون إلى أهمية هذا المشروع إلا بعد أن باشر الكويتيون في بناء مشروعهم؟

ولماذا لم يعطوا الآن هذا المشروع الأولوية القصوى؟، لمذا لا يبدأون بتنفيذه منذ الآن، دونما تأخير؟

لماذا الجعجعة من دونما طحن؟

ليس ميناء مبارك هو القضية، فما هو إلا مشروع فاشل وخاسر مُسبقاً لو كان المسؤول العراقي يُحسن اللعب والمناورة، ليس سوى قرار يتخذه العراق بوضع ميناء مبارك الكبير على القائمة السوداء، وينتهي أمر هذا الميناء.

إلى من سيعيد ميناء مبارك التصدير إذا إمتنع العراق عن التعامل معه؟

إلى السعودية، وهي التي تمتد موانئها على الخليج شرقاً وعلى البحر الأحمر غرباً؟ أم إلى أردن العقبة، وسوريا بانياس وطرطوس واللاذقية؟ أم إلى تركيا وأوروبا، وفي هذه الحالة تكون الكويت مُلزمة بالمرور عبر العراق، الذي سيتحكم ليس بحجم ما سيمرعبر أراضيه، وإنما بقيمة الضريبة التي سيتم فرضها.

من سيفكّر بإقامة مشروع مبني أساساً على الإعتماد بثمانين بالمائة من طاقته على من يمتنع منذ الآن على التعامل معه؟

تخيلوا ما سيكون عليه مستقبل ميناء مبارك الكبير بعد الانتهاء منه، وبعد أن يكون ميناء الفاو الكبير قد اكتمل أيضاً، وارتبط بالقناة الجافة التي ستبدأ من الرصيف العراقي، والتحميل العراقي، والمرور عبر خطوط سكك عراقية بالغة السرعة.

سيعمل أكثر من نصف مليون عراقي على جسم الميناء العملاق، حيث لا يسمع سوى ضوضاء الرافعات العملاقة، وصفير انطلاق ورسو البواخر من كل لون وصنف، وتوقف وإنطلاق القطارات السريعة على الأرصفة، بالإضافة إلى آلاف الشاحنات التي تذهب في كل صوب وحدب.

هل لأحد تصور ما سيكون عليه ميناء مبارك الكبير حينئذ؟

ربما لا يعدم رسو باخرة ما في رصيف ما من الأرصفة الكثيرة التي سيلفها الصمت، وربما سيجد صيادو الأسماك بالسنارة ضالتهم في الوقوف على الأرصفة الفارغة لمزاولة متعة الصيد، ربما سيكون الصمت والملل سيد الموقف، وهذا وحده سيكون أبلغ درس لأولئك الذين لا ينظرون أبعد من أنوفهم، ولا يختبرون الأرض التي تحت أقدامهم.

هل تُدرك الحكومة العراقية حجم العراق، وتتصرف وفق هذا الإدراك، أم تظل تنهج نهجاً يثير الشفقة.

صباح علي الشاهر