الثورة المصرية إذ أشهرت إسلامها!

بقلم: جواد البشيتي

في الجمعة الأخيرة قبل رمضان، أشهرت الثورة المصرية إسلامها، وبدت مصر، في عهدها الانتقالي الذي ينتهي بالانتخابات البرلمانية والرئاسية، دولةً يُحْكِم "المجلس العسكري الأعلى" قبضته عليها، وشارعاً يُحْكِم "الإسلاميون"، وفي مقدَّمهم جماعة "الإخوان المسلمين"، قبضتهم عليه؛ وبات "التوقُّع الأكثر واقعية" هو أنْ تكون "الدولة المدنية" المقبلة، ولجهة محتواها المتناقِض مع الشكل، أو التسمية، "دولةً عسكرية ـ دينية"؛ كيف لا و"الأسْلَمَة" أتت على الثورة نفسها؟!

في تجربة الثورة المصرية التي لم تنتهِ بعد، عَرَفْنا ثلاثة أشياء: "صانع (ومُفَجِّر) الثورة"، وهو "شباب الفيسبوك" الحالمين، بغالبيتهم، بدولة مدنية ديمقراطية من النمط الغربي على وجه العموم، و"حامي الثورة" وهو الجيش ممثَّلاً بـ "المجلس العسكري الأعلى"، و"المُغْتَصِب (بـ"الحلال") للثورة"، وهو "الإسلاميون" ولا سيِّما منهم جماعة "الإخوان المسلمين"، والتي تشجَّعت كثيراً بما أبدته إدارة الرئيس أوباما من رغبة في الحوار معها فقرَّرت إشهار قوَّتها السياسية والتنظيمية والشعبية.

وهذا الخيار لإدارة الرئيس أوباما هو وحده الخيار السياسي (والإستراتيجي) الواقعي الآن، والذي تَسْتَصْلِحه مصالحها الإستراتيجية في مصر، وعلى المستوى الإقليمي أيضاً؛ فإنَّ المؤسَّسة العسكرية المصرية، والتي هي لنفوذ الولايات المتحدة في مصر ممرَّاً ومستقرَّاً، تحتاج الآن، أي بعد إنهاء عهد حكم مبارك، إلى شارع عريض يسندها ويؤازرها؛ ولقد كان هذا الشارع هو الذي يقوده ويوجِّهه "الإسلاميون".

الجمهور (الشبابي ـ الشعبي) الذي صَنَع الثورة بجرأته وإقدامه وبأحلامه الثورية والديمقراطية، وبحرصه الواضح الجلي على الوقوف ضد كل سعي إلى "تديين"، أو "أسْلَمَة"، الثورة، لم يكن، إذا ما أردنا وَزْنِه بـ "الميزان الديمغرافي" الصرف، إلاَّ "الأقلية الشعبية الثورية المُبْدِعة الخلاَّقة الناشِطة الحيوية"، التي تمخَّضت ضغوطها الشعبية والثورية عن إرغام "المجلس العسكري الأعلى" على خَلْع الدكتاتور حسني مبارك.

هذا الجمهور، غير المنظَّم حزبياً، والذي أتى بما فاجأ الأحزاب السياسية جميعاً، وجماعة "الإخوان المسلمين" على وجه الخصوص، هو الذي يحاولون الآن إغراقه في بحرٍ شعبي، كان في أيَّام الثورة، ولجهة فعله الثوري، كالصحراء القاحلة.

إنَّ الشعب الذي رأيْناه في الجمعة الأخيرة قبل رمضان يتجمَّع ويحتشد من أجل "أسْلَمَة" الثورة ليس (في غالبيته) هو نفسه الشعب الذي أشعل فتيل الثورة، واعتصم في ميدان التحرير، وصارع، حتى أرغم المؤسَّسة العسكرية على خلع الدكتاتور مبارك؛ فشتَّان ما بين الشعب الذي ينزل إلى الشارع ويصنع الثورة بنفسه والشعب الذي يُنْزِلونه إلى الشارع في الزمن العادي والآمِن.

لقد بَثُّوا، وعن عمد، في نفوس الغالبية الشعبية العامَّة خَوْفاً يَصْلُح لإنجاح جهود ومساعي جماعة "الإخوان المسلمين"، وسائر الإسلاميين، لزيادة ثقلهم الشعبي والسياسي، فالملايين من العامة من الشعب نزلوا إلى الشوارع، واحتشدوا في الميادين، ليُعْلِنوا وقوفهم ضد "ما يُبْذَل من مساعٍ" لإضعاف "إسلامية" الدستور المصري.

في "الهدم"، وإذا ما كان المراد هدمه هو نظام حكم دكتاتوري فاسد معادٍ للشعب بمصالحه وحقوقه الأساسية كنظام حكم مبارك، يتَّحِد الشعب باختلاف قواه وفئاته وميوله ونزعاته؛ أمَّا عند "البناء"، الذي يبدأ بإجابة سؤال "أيُّ مصر جديدة نريد؟"، فينقسم المتَّحدون، ويختلفون ويتباينون في "الإجابة"، وفي "الهدف" و"الوسيلة" من ثمَّ.

"المجلس العسكري الأعلى"، وبدعوى التزامه "حماية الثورة"، عَرَف كيف يَجْعَل "الهدم" طريقاً إلى "إعادة بناء نظام الحكم نفسه (من حيث الجوهر والأساس)"؛ فإنَّه لم يهدم (أي لم يسمح بهدم) غير بعض الأجزاء والجوانب من مبنى نظام الحكم والتي ليست من أساسه.

إنَّه، والحقُّ يقال، لم يحمِ الثورة؛ لكنَّه حمى نفسه، وحمى أساس نظام الحكم نفسه، من الثورة التي تُسيَّر الآن في اتِّجاه توطيد التحالف الجديد بين "المجلس" و"الإخوان".

تاريخياً، نشأ نظام الحكم الديمقراطي، وتطوَّر، في الغرب بصفة كونه (بقيمه ومبادئه ووسائله وطرائقه) الشكل السياسي للنظام الاقتصادي والاجتماعي الرأسمالي؛ ولأسباب تاريخية ما كان له أنْ ينشأ ويتطوَّر إلاَّ في الصراع، وبالصراع، ضدَّ الكنيسة وحكم رجال الدين، فنظام الحكم القديم هناك لم يكن أُوتوقراطياً فحسب، وإنَّما ثيوقراطياً؛ وهذا ما جعل العلمانية والديمقراطية في الغرب صنوان.

ونحن في الشرق لم نأخذ من الديمقراطية في الغرب إلاَّ ما يشبه ما أخذناه من الرأسمالية فيه؛ وهذا الذي أخَذْنا إنَّما هو المسيخ من الرأسمالية الغربية، ثمَّ المسيخ من الديمقراطية الغربية.

والآن، يسعى "الإسلاميون" إلى إقامة الدليل على أنَّ هذا "المسيخ من الديمقراطية الغربية" هو تأسيس لديمقراطية جديدة، تشبه شكلاً الديمقراطية في الغرب، وتختلف عنها في المحتوى، أي في كثيرٍ من القيم والمبادئ، وكأنَّ أخْذ مصر بالنظام الديمقراطي لا يتعارض، ويجب ألاَّ يتعارض، مع نبذها للعلمانية، ولبعضٍ من قيم ومبادئ الديمقراطية الغربية!

جواد البشيتي