تجاهل عربي وضعف في المستوى الفني: الدراما السورية تعيد حساباتها

الإنتاج الدرامي السوري غير محصّن ضد الأزمات

دمشق - مجموعة من التساؤلات تطرح على أبواب الموسم الدرامي الرمضاني القادم كما تثار الإشاعات حول تأثر الدراما بما تمر به سوريا لاسيما من حيث عرض المسلسلات على الشاشات العربية التي عادةً ما تكون متخمةً بالأعمال السورية وخاصة في أوقات ذروة المشاهدة.

وعلى الرغم من أن الواقع لم يفرض حتى الآن تضييقاً واضحاً على الإنتاج الدرامي السوري وما زالت المسلسلات تجد لها مكاناً في الفضائيات العربية إلا أن ذلك عائد إلى القائمين على هذه الأعمال الذين يرسمون خطط تسويق وإنتاج جديدة ويرون ملامح المستقبل بشكل أكثر موضوعية يجعلهم يجدون الحلول في حال تأثرت الدراما بشكل كبير.

ويذكر مروان ناصح المستشار الدرامي لشركة "عاج" للإنتاج الفني مجموعة من الأسباب التي أدت إلى ضعف تسويق العمل السوري أهمها حجب المعلنين الكبار في العالم العربي إعلاناتهم عن المحطات الفضائية الرئيسية وهذا أثر بدوره على قدرة المحطات على شراء الأعمال الدرامية الجديدة السورية وغير السورية.

والسبب الآخر برأيه هو غزارة الإنتاج الدرامي الخليجي الذي يصل إلى حوالي 60 عملا للموسم الحالي وتفضيل المحطات الخليجية لهذا الإنتاج على المنتج السوري والمصري، إضافة إلى ضعف عام في مستوى الأعمال الدرامية المنتجة لهذه السنة رغم وجود حماس ضمني غير معلن للإنتاج السوري عند بعض المحطات العربية.

ويرى ناصح أنه نتيجة الظروف التي تمر بها سوريا لا بد من إعادة نظر من قبل القائمين على الدراما السورية في مجمل وضع هذه الصناعة لتشخيص أبعاد المشكلة وكيفية الخروج بحلول ناجعة.

ويقول "لعلنا لا نرى الحل الأمثل في أن تقوم القنوات التابعة للتلفزيون السوري بشراء الأعمال المنتجة فالعبرة في النتيجة هي في مستوى التعويض المادي الذي يستطيع أن يتحمله القطاع العام بالنسبة إلى التكاليف الباهظة التي يدفعها المنتجون لإنجاز هذه الأعمال".

وترى الفنانة لورا أبو اسعد مديرة شركة "فردوس" للإنتاج الفني أن القائمين على الإنتاج الدرامي السوري غير محصنين ضد الأزمات لعدم توفر محطات سورية كافية للعرض فضلاً عن أن سوق الإعلانات غير كافية لضمان استمرار هذه المحطات، لافتةً إلى أن هذه المشكلة قديمة وتجعل المحطات غير السورية تفرض شروطها على شركات الإنتاج المحلية سواء في الأسعار أم المضمون الفني.

وتجد أبو أسعد أن هناك مشكلة أخرى نتجت عن تصرفات بعض المنتجين السوريين الذين لم يعملوا على التنسيق أو حماية المنافسة فيما بينهم أو إرساء تقاليد للعمل الدرامي موجودة في مصر ومختلف دول العالم لذا فهذه الأزمة بحسب لورا هي فرصة ليعيد الجميع ترتيب أوراقهم وبالتالي العمل على حماية قطاع تعبوا كثيرا حتى أوصلوه إلى الحالة الفريدة التي وصل إليها.

وحول وضع شركتها تقول "لقد أوقفنا مشاريعنا التلفزيونية لهذا العام لأننا لم نصل إلى اتفاق مادي جيد مع أي محطة لذلك آثرنا التأجيل لحين استتباب الأمور".

وتتساءل أبو أسعد "لماذا نستحدث قطاعاً للإنتاج طالما أننا لم نصل بعد إلى مرحلة تعدد القنوات المحلية وإنعاش سوق الإعلانات".

وتضيف "نحن لا نعاني نقصاً في التمويل أو الإنتاج بل في التصريف فلو خصصت أموال المؤسسة العامة للإنتاج لشراء مسلسلات القطاعين العام والخاص بأسعار أعلى مقابل أسعار تشجيعية للمعلنين لكان ذلك أفضل بكثير من أن يتحول هذا القطاع من مساعد إلى منافس".

ويرى هاني مخلوف مدير شركة "الهاني" للإنتاج الفني أنه لا يوجد أي قرار علني بمقاطعة المسلسلات السورية إلا أن بعض الشركات الخاصة لمست بروداً وتلكؤاً في طلب الأعمال السورية.

ويقول مخلوف "عانت الشركات الخاصة منذ زمن من واقع عصيب في استرداد الأموال المنتج بها فكان هناك أزمة حقيقية في التسويق ما انعكس سلباً على عدد الأعمال المنتجة لذلك تم الاتجاه للبحث عن المشروع الدرامي الذي يحقق معادلة السوية الفنية مع الربح المضمون"، لافتاً إلى أن القليل من النصوص حققت المطلوب وبالتالي بات الإنتاج الدرامي مغامرة استثمارية إلا في حال ضمان قنوات تسويقية ذات طابع إنتاجي تشاركي.

وتوقع مخلوف أن تتجه المواضيع الدرامية الجديدة إلى مراعاة المزاج الجديد المتمثل في غلبة الجانب السياسي والذوق الشعبي الوطني على الأعمال الدرامية، مبيناً أنه بات من الخطر على الدراما السورية أن تبقى مرتبطة المصير بالرأسمال الخليجي رغم أن التشاركية في الإنتاج ضرورية برأيه لكن لا بد من الاعتماد أكثر على الذات وعلى الرأسمال الوطني كي لا تنجرف نصوصنا نحو تصوير واقعنا حسب روءية غيرنا فيه.

ولا يحمل مخلوف القطاع العام كل العبء مبيناً ضرورة دعم مشروع تعدد الفضائيات الوطنية ومساندة الشركات الخاصة ذات الإنتاج والمزاج والرأسمال الوطني بامتياز.

ويعتبر المخرج محمد الشيخ نجيب أن الاحداث الراهنة في سوريا لم تؤثر على الدراما السورية لاسيما أنه تم إنتاج حوالي 30 مسلسلاً أي أقل مما تم إنتاجه العام الماضي بخمس مسلسلات فقط.

ويرى أنه من الطبيعي أن يتم محاربة الدراما السورية خلال هذه الأزمة "لاسيما أن سوريا دولة ممانعة وصمود أثبتت عروبتها على مدى قرون".

وهناك من يرى أن مشاكل التسويق هي انعكاس لما تتعرض له سوريا من صعوبات مركبة ومنهم الفنان فراس إبراهيم الذي يوضح أن الفن والثقافة دخلا ضمن الحرب الشاملة التي تتعرض لها سورية لافتاً إلى أن بعض الجهات أو القنوات تحاول تغييب المشهد الدرامي السوري لأن هذا المشهد الواسع الانتشار يقدم سورية كما نحب أن تقدم من ناحية الشكل والمضمون.

ويقول صاحب شركة "فراس إبراهيم" للإنتاج الفني "عانينا من محاولة التغييب هذه طوال العام لكن في الأشهر الأخيرة تم تحديد سعر مهين ومخجل جداً للساعة التلفزيونية وهذا ما يدفعنا للاعتذار".

وبالنسبة لتقييمه لوضع الدراما حالياً يوضح إبراهيم أن المرحلة فرضت نفسها على الجميع وهناك أعمال أجلها المنتجون للعام القادم لأنهم وجدوا أن الوقت غير مناسب لتسويقها أو عرضها لكن من المؤكد انه في العام القادم سيتم طرح أعمال تتوافق مع الفكر الجديد.

وعما تمر به الدراما السورية يقول المخرج باسل الخطيب إن الجمهور مشتت بسبب التغيرات الكبيرة على مساحة العالم العربي "كما أن هناك من يحاول أن يشوه صورة المقاومة لذلك أحاول من خلال مسلسل 'الغالبون' الذي أصور من خلاله المقاومة اللبنانية العفوية أن ألتزم المصداقية حتى فيما يتعلق بأماكن التصوير التي اشتملت على بيروت والجنوب اللبناني لأن الموضوع لا يزال ماثلاً في ذاكرة الناس".

وأضاف أنه في هذا المسلسل يجسد تاريخاً ما زال حديثاً وتفاصيله لا تزال تحتل جزءاً من وجدان الكثير لكنها المرة الأولى التي يتم التعاطي معه درامياً بهذا الإشباع ولذلك دافعت عنه بحيث لا يكون مثقلا بصبغة دينية أو طائفية بل أتحدث من خلاله عن لبنان وشعبه الذي وجد نفسه محتلاً فتشكل إثر ذلك لحمة وطنية بين أفراد الشعب شكلت فيما بعد مقاومة وطنية عفوية دون أي اعتبارات طائفية.

ولفت الخطيب إلى أن ما يحدث الآن سيحفز الكتاب لالتقاط تفاصيل ما يحدث وسيدفعهم للتدقيق أكثر من أجل تكوين رؤى فكرية تقودهم لكتابة تتمتع بالحساسية العالية والمسوءولية عن هذه المرحلة التي تمر بها سورية مبيناً أن الصورة لم تكتمل بعد عند الأغلبية وما زالت بحاجة للمزيد من المتابعة.

وقال صاحب "أنا القدس": "يمكن تناول الأزمة من زوايا مختلفة مثل ما نقوم به في الغالبون عبر إعادة إحياء ما يختزنه وجدان الناس الذين عايشوا نهوض المقاومة العفوية في لبنان والتي استطاعت أن ترفع رأس العرب ما يجعل من هذا العمل بمثابة دفاع عن المقاومة في مواجهة ما تتعرض له من تشويه إعلامي.(سانا)