أوهام الدولة القبطية

بقلم: فرانسوا باسيلي

طالعتنا جريدة الوفد المصرية في أحد أعداد شهر يوليو الحالي بخبر إعلان قيام "دولة الأقباط المستقلة في مصر" وكان ذلك في نفس يوم الإعلان الرسمي لقيام دولة جنوب السودان بعد انفصاله عن الشمال، وذكرت الصحيفة أنه قد تم "انتخاب" بعض الأشخاص مؤسسين لهذه الدولة القبطية وذكرت أربعة أسماء منهم المستشار موريس صادق، الذي أسقطت الحكومة المصرية عنه الجنسية المصرية قبلها ببضعة أسابيع، وقد اعتاد إرسال مئات الرسائل الإلكترونية على مدى حوالي العامين تحمل "أخبارا" و"أفكارا" وصورا وآراء مليئة بالتناقضات والاتهامات والشتائم والبذاءات الفكرية والعنصرية ضد المسلمين بشكل عام وضد الإسلام نفسه، ثم انضم إلى القس الأميركي المتطرف الذي هدد بحرق نسخ من القرآن في مكان عام وراح يسير معه في مظاهرات في بعض المدن الأميركية واصفا نفسه – دون خجل - بأنه من "زعماء الأقباط" دون أن ينتخبه أو يبايعه أحد على هذه الزعامة التي منحها لنفسه! ثم راح في رسائله يصب المديح والثناء على دولة إسرائيل وزعمائها وسياساتها بشكل غريب إذ ما علاقة إسرائيل بالقضية القبطية التي يقول انه يدافع عنها؟ ومن دلائل تخبط فكره ومواقفه أنه كان قبل الثورة دائم الهجوم والشتيمة للرئيس مبارك ونظامه، لكنه في الأيام الأولى للثورة وبعد أن ترددت الحكومة الأميركية ومعها الحكومة الإسرائيلية في موقفها من مبارك وراحت بعض الأصوات الإسرائيلية تطالب بمساندته لأنه حليف إسرائيل الاستراتيجي إنقلب موقف صادق فجأة وراح في رسائله يساند مبارك ويهاجم الثوار! إلى أن خلع مبارك فلم يعد مجديا مساندته بالطبع.

وكان إعلان قيام الدولة القبطية الوهمية آخر المواقف المتضاربة والمشوهة التي تحفل بها رسائله التي تحمل اسم الجمعية الوطنية القبطية الاميركية وهي المؤسسة التي أسسها، وقبل هذا وبعده تشير رسائله أحيانا إلى تقسيم مصر وأحيانا إلى طلب الحماية الدولية لأقباط مصر، وأحيانا إلى طلب فرض الوصاية الدولية على مصر، وغيرها من خليط مشوه يخلط بين كلمات الحماية والوصاية والتقسيم والإستقلال في نوع من الركاكة الفكرية البالغة والفرقعة الإعلامية الفجة، بجانب التحريض الطائفي العنصري البغيض ضد المسلمين بشكل عام- والشتائم ضد مقدساتهم بما لا يليق من أي إنسان ولا أي مسيحي، فهو يعتبر أن "المسلمين سفاكين لدماء المسيحيين" –"هكذا على الاطلاق"- وهذا الخطاب لا يختلف عن خطاب المتطرفين المسلمين الذين يقولون بنفس الأسلوب العنصري أن المسيحيين سفاكين لدماء المسلمين، وكثيرا ما يعود في خطابه إلى عصر عمرو بن العاص ويقول أن مصر محتلة من جانب المسلمين حتى اليوم، وهذا هو الفكر الأصولي الذي يصر دائما على العودة إلى الماضي السحيق مقيما في أجوائه وأزمنته محاولا ان يلوي عنق التاريخ مغيرا مساره لكي يجيء على هوى أوهامه المتعصبة طائفيا أو دينيا إنها طبيعة المزاج الأصولي والنزعة السلفية لا تختلف من دين لآخر لأنها ظاهرة إنسانية أساسا لذلك تتشابه مواقف وأفكار ولغة الأصوليين من كل دين وتمتلآ كلماتهم دائما بالتشنجات والاتهامات والإدانات الشمولية العنصرية أو الدينية للأخر المختلف، فيما تعيد إنتاج معارك ومآسي الماضي الذي تقيم فيه وجدانيا وفكريا وتجدها مستعدة للدخول في حروب دموية من أجله.

هذا الخطاب المتطرف لا يحمله في الواقع سوى عدد قليل جدا من العاملين – أو الحاشرين لأنفسهم ¬– في مجال القضية القبطية وحقوق الإنسان والمواطنة سواء في مصر أو خارجها، ولكن هذه القلة تستحوذ على فضاء أعلامي كبير لأن الإعلام بطبعه يبحث عن الإثارة - وأحيانا يتعمد البعض منح هذه الأصوات النشاز مساحة أكبر بكثير من حجمها لتشويه صورة الأقباط بشكل عام بنسب ذلك الخطاب المتطرف إليهم كلهم، مما يثير كراهية الكثيرين من المسلمين ردا عليه، فهذا الخطاب الزاعق الأهوج يسبب للأقباط أضرارا كبيرة فيما يدعي الدفاع عن قضيتهم، وهو بذلك مثل ذلك الدب الذي أراد قتل الذبابة على وجه صديقه الإنسان فقذفها بصخرة قتلتها وقتلته معها.

دعاوى تقسيم مصر أو طلب الوصاية الدولية عليها تفتقر إلى المعرفة العميقة بطبيعة مصر وتاريخها وشخصيتها ودورها في المنطقة وعلاقاتها الدولية، فمصر منذ قام الملك مينا بتوحيد قطريها الجنوبي والشمالي حوالي 3200 قبل الميلاد كانت وستظل دولة واحدة بها شعب واحد لم يتغير منذ الاف السنين رغم تغير ديانات افراده فتغير ألدين لا يغير الشعب ولا الوطن. والمسيحيون اليوم يقيمون في كافة أنحاء مصر فالحديث عن تقسيم مصر كلام في الهواء ولا يمت للواقع بصلة ويستحيل تحقيقه عمليا حتى لو افترضنا أن هناك إرادة غالبة ستطالب بهذا، أما الحديث عن حماية أو وصاية دولية فهو أيضاً حديث متطرف يفتقر إلى الاحساس بالمسؤلية، وحتى إذا افترضنا جدلا أنها نجحت مثلا في فرض الوصاية أو الحماية بقرار دولي فهل يحمي هذا الاقباط داخل مصر؟ وكيف؟ لقد احتلت العراق من قبل الجيش الأميركي بكل عتاده وترساناته وأسلحته الشاملة وقنابله الذكية وآلياته المدربة على الترويع والتدمير ومع ذلك لم يستطيعوا حماية الأقلية المسيحية في العراق التي قاربت على الإنقراض، فأنت لا تستطيع أن تفرض حماية من خارج أو من فوق – وإنما تكمن الحماية الحقيقية في العلاقة القوية الطبيعية بين أبناء الوطن الواحد، عن طريق نبذ الخطاب المتطرف الكاره للآخر، وتعميق مفاهيم المواطنة والمشاركة في دولة مدنية ديمقراطية يسود فيها القانون على الجميع سواسية، وكان قادة الأقباط من المدنيين ورجال الدين على السواء على وعي بهذه الحقيقة ولذلك إلتحموا دائما مع أخوتهم المسلمين في كافة الملاحم الوطنية على مدى تاريخ مصر، من ثورة عرابي إلى ثورة سعد زغلول إلى ثورة 23 يوليو وحروبها في 56 و67، و73 حيث شاركوا في انتصار العبور العظيم، وأخيرا في ثورة يناير الباهرة حيث شاهدنا بأعيننا كيف تشابكت الأيادي الممهورة بوشم الصليب معا في دائرة لحماية ظهور إخوانهم المسلمين في صلاتهم، وشاهدنا الشيخ والقسيس جنبا إلى جنب يحملان المصحف والصليب، وفي هذا الإخاء وهذه المشاركة الباهرة وحدها سيجد كل مصري الحماية في حضن أخيه المصري.

يحمل لنا التاريخ الحديث قصة بالغة الدلالة هنا - عندما خشيت روسيا القيصرية من نفوذ محمد علي الذي يمنع تغلغل نفوذها في الشرق، فخططت أن تستعين بالأقليات في المنطقة، فأرسلت مبعوثا ليفاوض بطريرك الأقباط – البابا بطرس الجاولي - عارضا عليه وضع الأقباط تحت حماية قيصر روسيا العظيم، فسأله البابا – وهل قيصركم يحيا إلى الأبد؟ فأجاب المبعوث الروسي: لا يا سيدي إنه يموت مثل كل البشر، فقال البابا: ولماذا إذن أطلب حماية ملك يموت، بينما نحن في حماية الملك الإله الذي لا يموت!

في مقابل هذا الموقف المؤسف لقلة من الأقباط خارج مصر التي تطالب بالتقسيم أو الوصاية مازلنا نذكر الموقف المؤسف للمرشد السابق لجماعة الاخوان المسلمين الذي قال "طز في مصر" وصرح أنه يقبل أن يحكم مصر مسلم من ماليزيا الذي يراه أقرب إليه من مصري قبطي! ومع ذلك لم يسحبوا منه الجنسية المصرية! كما شاهدنا أيضا ذلك المشهد المخزي الذي رأينا فيه بعض السلفيين في قنا يرفعون علم السعودية وهم يتظاهرون ضد تعيين محافظ قبطي! هذه كلها مواقف تدل على تطرف ديني وتشوش في الرؤية بشكل عام.

لهذا كله علينا رفض خطاب ودعاوي التقسيم والوصاية والحماية والتبعية وغيرها، ورفض الاستماع إلى الأصوات المتطرفة التي تنادي بها، وأملنا في ثورة مصر أن تنجح في نبذ الفكر الطائفي الأصولي السلفي المتشدد الذي يتصاعد على الجانبيين من تيار الاسلاميين ومن بعض الأصوات القبطية اليوم- والخلاص الوحيد للمسلمين والأقباط هو في التحرر من عبوديتهم للخطاب الديني المتطرف والإلتحام معا في عمل سياسي جاد ونظيف يسعي إلى تحديث مصر ووضعها على طريق التقدم الحضاري الذي سبقتنا إليه دول الأرض وهو طريق الفكر العلمي العقلاني والديمقراطية السليمة ودولة القانون وحقوق الإنسان بعيداً عن أوهام التقسيم والانعزالية الدينية الضيقة.

فرانسوا باسيلي