بعد سقوط الفوضويين في الإمارات، منْ هم فوضويو المستقبل؟

بقلم: حمد الجسمي

تقر العين في هذا الوقت الذي لم نشهد له مثيلا باجتماع أبناء الإمارات ضد الضلال وأهله. فرب ضارة نافعة كانت عندما أراد المغرضون زعزعة الصف فما زادوه إلا رصا ولله الحمد. ولا يخفى على أحد أن الكلمة عند الجميع موحدة "إلا خليفة" وأصوات التنديد كلها واحدة تستنكر انحراف تلك الفئة وتسييرها لتعاليم الدين حسب أغراضها الشخصية، خصوصا في المسائل المتعلقة بعلاقة الولاة مع الرعية.

وإن لهذه التنديدات إيجابيات كثيرة، أعمق من مجرد كونها تظهر حجم الحب والولاء لحكام الإمارات عند أبناء الإمارات، ولكنها أيضا تشير إلى صحوة على الصعيد الفكري والديني إذ أنها لفتت الكثيرين إلى التطلع لفهم منهج أهل السنة والجماعة على نحوه السليم الذي كان عليه السلف دون تمييع وتلبيس. فعُلم اليوم أن {ديننا ليس دين فوضى، ديننا دين انضباط، دين نظام، ودين سكينة} (سماحة مفتي المملكة عبدالعزيز آل شيخ)، وما زال أهل العلم قديما وحديثا يذكّرون بوجوب السمع والطاعة لولي الأمر المسلم، ولا عذر لأحد اليوم فالحجة قد بلغت، يقول تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء 115). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه {لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى ولا في هدى تركه حسبه ضلالا، فقد بُيِّنت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر؛ وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله وتبين للناس، فعلى الناس الإتباع}. ونحن في الإمارات جميعا أظهرنا ولله الحمد أننا متبعون لما عليه أهل السنة والجماعة في علاقتنا مع ولاة أمورنا ولم ينحرف منا إلا تلك الشرذمة التي يقودها هواها.

لذا، فإن من الممكن القول أن الناس ها هنا بين صنفين: سنة منضبطين ومبتدعة فوضويين. وليس بغريب أن تسير كل فئة بمسار مناقض للأخرى، فقد قالها قبلُ السلف: {ما ابتدع قوم بدعة إلا أضاعوا من السنة مثلها}. فسبحان الله تجد أهل السنة لا ينصحون الحاكم الا سرا وفي المقابل تجد أهل البدعة لا ينصحونه الا جهرا. وتجد أهل السنة يأخذون بقول الفضيل بن عياض {لو كان لي دعوةٌ صالحةٌ لصرفتها إلى الإمام} (رواه أبو نعيم في الحلية، 8/91) فيدعون للحاكم، بينما أهل البدعة يدعون على الحاكم، وتجد أهل السنة لا ينازعون الأمر أهله، آخذين بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم: {إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان} (صحيح البخاري)، فيتعاونون مع الأمير تعاونا لا ينبغي لغيره، أما أهل البدعة يتعاونون في ما اتفقوا فيه ويعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه جميعا (حتى مع الكفار أحيانا!) باستثناء الامير (المسلم) الذي يتوجهون بكل تآزراتهم ضده.

ولب الخلل عند هؤلاء المبتدعة هو اتباع الهوى والإعجاب بالرأي، وأحيانا المكابرة على نصوص الشرع. فتجدهم يزنون كل شيء بميزان عقولهم أولا، ولا يروق لهم أن يتبعوا الرسول دون هرج ومرج، ضنا منهم أن في ذلك تعطيل لعقولهم الكبيرة. ولعل تلك العقول - الكبيرة - قد مُلئت بآراء المفكر الفلاني أو بترهات الفيلسوف الفلاني حتى لم تلقَ متسعا لاستيعاب ما أشار إليه علي رضي الله عنه: أن {لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه}، ولعلهم لم يستوعبوا بعد أن الله سيحاسبنا يوم القيامة على قدر اتباعنا لنبيه، سواء وافقت الاحكام أهوائنا ام لم توافق، وانما الناجون حينها هم القائلون: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} آل عمران 53.

وبعد أن أوضحنا الفرق بين كلا الصنفين (السنة المنضبطين والمبتدعة الفوضوين)، نأتي الى أصحاب الصنف الثالث المعنيين في هذا المقال، ألا وهم فئة من الناس تسيرهم أهواهم أيضا ولكنهم لم يحدثوا فوضى بعدُ في الساحة، لأنهم - بتحصيل حاصل - وجدوا أنفسهم متبعين لتعاليم لم تعجبهم إلا بعد ما سبقوها بآرائهم. فأصبحوا متبعين للسنة ليس لاكتراثهم بها على قدر ما أنهم وجدوها متماشية مع رغباتهم. وليست العلة في الرغبات، فقد تكون الرغبات سامية، إلا أن العلة في عدم وجود ضابط. فغياب الضابط عند أهل الأهواء يجعلهم عاجلا أم آجلا يأتون بالفوضى، ونقصد بالفوضى هنا، أي بدعة تحدث خدشا في الصف، سواء كانت معنية بعلاقة الحاكم والمحكوم أو معنية بغيرها من الضوابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولشيخ الاسلام ابن تيمية كلمة ثمينة في هذا الشأن: {البدعة مقرونة بالفُرْقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة} (الاستقامة، 1/42)، معنى هذا أن الانشقاق يحدث عندما تنحرف طائفة من الناس عن منهج أهل السنة والجماعة، ألا وهو الأساس.

بالتالي، فإن أبرز الأعراض التي تشير الى احتمالية انشقاق الصف هي انتشار أهل البدع، فهؤلاء إن ثبتوا اليوم لتوافق المعطيات الحالية مع أهوائهم، فليس ببعيد أن يأتوا بالفوضى في زمن ربما كانت معطياته مخالفة لأهوائهم. ومن التاريخ عندنا شواهد كثيرة على هذه الظاهرة. خذ على سبيل المثال مشهد من مشاهد المبتدعة يرويه أبو موسى الأشعري:

إني رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدّوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح! قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا والله: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا: {إن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية}، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: فرأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. (أخرجه الدارمي وصححه الألباني - السلسلة الصحيحة 5/11).

إن تطور حال المجموعة المذكورة في قصة عبدالله ابن مسعود، من كونهم أصحاب حلقات بدعية وصولا الى مطاعنتهم المسلمين مع الخوارج، مصداق للتدرج الانحرافي الذي حذرنا منه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه {إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} (أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) وإننا لو تتبعنا نشئة أي من الفرق الضالة لوجدنا بدايتها شبيهة بتلك: إحداثٌ مستهانٌ به، ونهايتها ضلال وشق للصف وفوضى. لذا فلينظر كلٌّ منا الى حاله وليتحمل المسؤولية وليسئل نفسه، هل أنا فوضوي المستقبل؟

حمد الجسمي

كاتب إماراتي