دروس غير مستفادة من النروج

بقلم: د. خليل حسين

مفارقة ما حصل في النرويج تفتح الباب واسعاً أمام أسئلة كثيرة تصعب الإجابة عنها في مجتمع عرف بالانفتاح والسلام سياسياً، عدا عن رفاهيته المفرطة اجتماعياً واقتصادياً، بل ظل لعقود طويلة مثل المجتمعات الاسكندنافية الأخرى، يمتاز بصفته ملاذاً سياسياً، وحتى اجتماعياً اقتصادياً، للعديد من مجتمعات الشرق وغيره من المناطق المنكوبة سياسياً.

ورغم ما قام به أندرس بريفيك من مجزرة وصفت بالوحشية، إلا أنها ليست سابقة بدلالاتها وأبعادها وتداعياتها. فقبلاً التعرّض للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في الدنمارك، وكثير من الصور الرمزية من بينها إحراق القرآن الكريم في الولايات المتحدة وقبلها بعقود “الآيات الشيطانية”. فلم تعد تلك الصور مسألة عابرة في العقل الباطني لدى بعض الجماعات المتطرفة في الغرب، بل تؤسس لسياقات سلوكية خطرة تؤجج التطرف ليس في بيئة بعينها، بل تنسحب على بيئات كثيرة تعتبر نفسها مظلومة ومقهورة في وسطها.

فعندما يعتقد بريفيك أن الإسلام هو “الأيديولوجيا الرئيسية للإبادة الجماعية”، ويعتبر أنه “قبل البدء بحملتنا الصليبية علينا أن نقوم بواجبنا بالقضاء على الماركسية الثقافية”، فهو يضع نصب عينيه عدوين متناقضين بالرؤية والأيديولوجيا، فهو يجمع محاربة معتقد ديني يدين به أكثر من مليار مسلم، علاوة على معتقد إلحادي يدين به أيضاً ما يربو على هذا الرقم، محاولاً تصوير الأيديولوجيتين على أنهما عدوان للمسيحية. فما هي دلالات هذا المعتقد وعلى أي خلفية يستند سلوكه في التعاطي لمواجهة “أسلمة أوروبا” كما يدّعي؟

في الواقع، ثمة عشرات بل مئات المنظمات التي انتشرت في العالم كما أوروبا، والتي اتسمت بطابع عنصري، وحاولت التلطي وراء شعارات زائفة لا معنى لها في السياقات التاريخية التي نهضت وترعرعت فيها. وبريفيك نفسه يحاول الآن استنهاض مشاعر عابرة تمر بها بعض المجتمعات الأوروبية ولو على نطاق ضيق جداً، ولا يُعتد بها في سياق الحالات الوازنة سياسياً أو اجتماعياً، لكن الجديد فيها هذه المرة، مستوى التعبير عن تلك النوازع في العقل الباطني لبعض الجماعات المعزولة عملياً، والتي تظهر في أداء يوصف في مجتمعه بالوحشي، وهو تعبير عن سلوك نفسي غير سوي، يعتقد منفذه، أنه من خلاله يمكن استنهاض مشاعر مضى عليها أكثر من تسعة قرون خلت، عندما كانت الحملات الصليبية على الشرق تعيث في الأرض قتلاً وتدميراً وتفظيعاً، بعدما كان الإسلام قبل ذلك بعدة قرون ينشر العلم والمعرفة والحضارة في أرض عرفت كل أنواع الفظائع باسم الدين وغيره من الشعارات التي وصفها المفكرون الأوروبيون أنفسهم آنذاك بعصور الظلام.

طبعاً لا ننفي أن ثمة الكثير مما يثير التوجّس والخوف والريبة في مجتمعات اعتادت على مرِّ العصور السماع بلغة واحدة، وتكدرت مكرهة على عدم الإصغاء للرأي الآخر، وتعوّدت أيضاً في ذهنها الباطني على عدم محاولة فهم الآخر والتحاور معه، مما ولّد أفكاراً مسبقة يصعب التخلي عنها بسهولة ويسر، ورسّخت في المقابل معتقدات ترتكز على أيديولوجيات الانتقام والتعصب والقتل من دون وازع أو رادع أخلاقي أو ديني. لا شك أيضاً، في أن ما حدث في 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاه من فعل وردود فعل، ترك آثاراً هائلة في السلوك الجماعي لمختلف المجتمعات في غير دولة، ومن الصعب محوها أو تجاوزها، من دون المضي في استراتيجيات منفتحة قوامها الانفتاح والحوار بين الثقافات والحضارات، باعتبارها مدخلاً واعداً لفهم الآخر. فالإسلام يعتقد أن لا إكراه في الدين.

إن ما جرى في النرويج، يشكل حالة خطرة، إذ إن الفعل توجّه إلى مواطنين غير مسلمين، بل من أبناء جلدته يدينون بدينه وان اختلفوا معه بسياساتهم اليومية المعاشة. وبالتالي فإن حالات الاستنهاض والإثارة المفتعلة وبالأسلوب الذي ظهر، ينبغي تداركها والتعامل معها بمنتهى الجدية، باعتبارها تتوجه إلى بيئات اجتماعية لم تصنف في حياتنا المعاصرة على أنها جماعات متعصبة أو ذات ميول عنفية، وبالتالي عدم التعامل معها على أنها ظاهرة عابرة. فالمجتمعات التي تعيش حالات انفتاح وسلام موصوفين مقارنة بغيرها، هي سريعة التأثر بما يوجه إليها، إن لم تتدارك أبعاده وخلفياته. فخلال العقد المنصرم ثمة حالات وحوادث كثيرة، بعضها مرّ مرور الكرام، وبعضها الآخر ترك ندوباً شوّهت وجوه مجتمعات نضرة، عرفت بسلامها وتسامحها ورقيها، فهل إن ما قام به أندرس بريفيك، سيكون من الدروس المستفادة التي يمكن الاتكاء عليها، أم أنها ستكون مثل بعض الحالات التي أسست لموجات كره وعداء وأفعال وردود أفعال؟ كل ذلك مرهون بكيفية التعاطي الذي من المفترض أن يكون استراتيجياً لا تكتيكياً.

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية