عراق التقسيم والأقاليم

بقلم: جواد العطار

اخفت المادة 112 من الدستور؛ في نصها بان النظام في العراق يتكون من عاصمة واقاليم ومحافظات لا مركزية وادارات محلية؛ كثيرا من الغموض في موضوع صورة وشكل نظام الحكم حين جعلته مختلطا بين اقاليم مستقلة وادارات محلية تتمتع بنوع من اللامركزية. ورغم ان المادة 115 حاولت استكمال صورة وطريقة تشكيل تلك الاقاليم من خلال منح الحق لكل محافظة او اكثر بتكوين اقليم بناء على طلب الاستفتاء عليه، على ان يقوم بأحدى طريقتين؛ الاولى تقضي بطلب ثلث الاعضاء في مجلس المحافظة، اما الثانية فتقوم على طلب عشر عدد الناخبين المسجلين في كل محافظة؛ الا انها لم تستوفِ الفصل المطلوب او تعطِ شكلا جديدا لاسلوب الحكم.

ومن نظرة اولية للمادتين الدستوريتين يتأكد ان ما تجري من دعوات لتشكيل اقاليم في بعض المحافظات هي دعوات دستورية تستند الى فقرات قانونية، فما الاشكال حولها! ولماذا الرفض لدى البعض؟ ولماذا الخوف على وحدة العراق اذا كان الدستور هو الضامن والكفيل لها؟

ان الخوف والقلق من دعوات الاقاليم المتصاعدة ينطلق من مستويين:

الاول: تأكيد الدستور على عاصمة واقاليم ومحافظات لا مركزية وادارات محلية، وبالتالي فان الدعوات الحالية لتشكيل الاقاليم التي تنطلق من توجهات ذات اسس طائفية او مناطقية او حتى مذهبية تارة؛ وانفصالية تارة اخرى... تنسف المادة الدستورية وتتجاوز حدودها... وهذا ما يثير القلق والشك - ابتداء - حيالها.

الثاني: ان مجالس المحافظات الحالية ليست المخولة باتخاذ مثل هذا القرار في هذا الوقت على اقل تقدير، لسببين: قرب انتهاء مهام دورتها الانتخابية التي لم يتبق عليها سوى سنة او اكثر بقليل؛ اولا. وثانيا؛ فقدان معظم تلك المجالس للشرعية المطلوبة امام جماهيرها بعد اخفاجها الذي لا يختلف عليه اثنان في كافة المجالات وخصوصا الخدمية منها. لذا فان دعوات الاقاليم؛ من قبلها؛ تثير الريبة لانها قد تخفي وراءها رغبة بتعطيل مدد واستحقاقات دستورية وانتخابية قادمة او الاستمرار بالسلطة والبقاء فيها لاطول فترة ممكنة.

اذن الخلاف ليس على المبدأ الذي يقر الاقاليم نظاما للادارة اللامركزية او الادارات المحلية (المحافظات غير المنتظمة باقليم)، ولكن الخلاف حول طريقة التفكير التي ترى في الموضوع تقسيما للعراق او تشتيتا لاوصاله. وليعلم نواب مجلس محافظة البصرة عن دولة القانون ان دعواتهم وطريقة تفكيرهم لاعلان اقليم البصرة غير شرعية لانهم جزء من الحكومة الحالية ويتحملون مسؤولية الاخفاقات الحاصلة على كافة الصعد... كما يجب ان يعلم نواب مجلس محافظة الانبار ان دعواتهم لاعلان اقليم مستقل كمن يغرد خارج السرب؛ لانهم مرفوضين اصلا من اهالي الانبار الى درجة انهم لم يتمكنوا من الحصول على اي مقعد في الانتخابات التشريعية الاخيرة لهم او لائتلافاتهم، لذا فان الحل الامثل لفرز الاوراق والابتعاد عن خلطها يكون في اعلان انتخابات مبكرة لمجالس محافظات تحسم الجدل الحالي وتترك الخيار للشعب وتسحب البساط من تحت اقدام من يريد التلاعب بوحدة العراق لمصلحة شخصية او حزبية دون وجه حق، في الوقت الذي يقف فيه العراق امام تحدٍ خطير يتمثل بقرب خروج القوات الاميركية نهاية العام الجاري... وعزاءنا في هذا الوقت ان قانون الاجراءات التنفيذية الخاصة بالاقاليم والتي اقرها مجلس النواب في عام 2006 يقضي بموافقة خمسين بالمئة من سكان المحافظات في استفتاء عام.

واذا لم نجافي الحقيقة فان الخوف على وحدة العراق مشروع في هذا الوقت بالذات لاسباب منها:

1. ان الديمقراطية الناشئة في العراق تحتاج الى التدرج في اتخاذ القرارات المصيرية حفاظا عليها اولا؛ واستمرارا لمنجزاتها ثانيا.

2. ان الوعي العام على مستوى النخب والمجتمع والكتل السياسية؛ على حد سواء؛ لم يصل لحد اللحظة الى المستوى المطلوب والناضج والمتقبل لثقافة الحكم غير المركزي (الاقاليم) الذي يضمن وحدة وتماسك العراق.

لذا فان الفيدرالية او اعلان الاقاليم يحتاج الى ازالة الخوف، الناجم عن عودة الحكم الشمولي مرة اخرى، حتى لا يكون قرارها رد فعل لفوبيا الديكتاتورية التي تخيم على اهلنا في الجنوب او الرغبة الجامحة باستنساخ تجربة كردستان؛ او النظرة الانفصالية في الغرب نتيجة غبن مفترض في عقول سياسييها، لانها قد تخلق لنا ديكتاتوريات صغيرة في الاقاليم الجديدة. ويومذاك لن ينفع من يفكر بالتصويت للاقاليم؛ لا الدستور ولا الفيدرالية ولا حتى مجرد التفكير في حينها باعادة عقارب الساعة الى الوضع الحالي.

جواد العطار