الظلم - سنوات العذاب: ليبيا بين السينما وعقدة الذنب العربية...

بقلم: إيمان سعيد
14 دقيقة انجزت من الفيلم.. البقية يمكن مشاهدتها نقلا حيا من سماء طرابلس على أية قناة فضائية اليوم

حلم سينمائي غازل قائد الجماهيرية الليبية يوما فقرر أن يحوله فيلماً (الظلم - سنوات العذاب). أحداثه كان لها أن تدور عن الاحتلال الإيطالي لليبيا وعذابات الليبيين في ظل ذلك الاحتلال على امتداد سنوات من 1911 - 1944.. في اتصال لم أنتظره، من مخرج العمل، تقرر لي كتابة نص سيناريو الفيلم وتبعته زيارات متعددة لليبيا. أقمت في بعض مناطقها، طرابلس – مصراته – نالوت – بنغازي – سرت – صبراته... وغيرها من المدن التي تتداول أسماءها، مسبوقة بحصاد الموت، أكثر الفضائيات العربية والأجنبية مشاهدة..

ليبيا كانت لي بقعة على خارطة العالم العربي، وكأنها ليست من لحم وجسد. احتمال جغرافي لا قوام له في الواقع. لم يقيض لنا، نحن الغرباء، أن نلامس أكثر من فتات معلومات سلت من ذاكرة تلميذ كسول يسترجع بعض ما حفظه في مادة التاريخ.. أرض زاخرة بالنفط وسيف ساحلي يستعير من الأبيض المتوسط جبهة من الفي كيلومتر، تشتهيها وكلات السياحة والسفر.. أو بعض ابتساماتنا على طرائف العقيد في القمم العربية وفلسفاته السياسية التي تبدو أشبه بالفانتازيا.. وترتقي صورة البلد في عيوننا كلما شاهدنا رائعة مصطفى العقاد في فيلمه عمر المختار، من دونه لم يكن لنا لنحزر وجودها.. وقد يعبر اسم ليبيا همساً بيننا أحياناً في مسألة الاختفاء الغامض للإمام موسى الصدر بعد دعوته رسمياً لزيارتها وما نتج عن ذلك من أزمة في العلاقات الدبلوماسية اللبنانية الليبية بقيت تداعياتها حتى وقت قريب... ويتسلل أحيانا أخرى عبر نكايات المسيسين وتعريضهم بمن يقوته المال الليبي من الفصائل الفلسطينية في ذلك الوقت، والتي تعتبر من أكثر الفصائل ثقلا في ضمير القضية الفلسطينية في رأيي.. ثم فضيحة الإيدز المرتكبة من قبل الممرضات البلغاريات بحق الأطفال في بنغازي.. وتفجير طائرة لوكربي المشؤومة، في عناوين الصحف العربية والأجنبية بين فترة وأخرى.. لم يجر فضولنا كعرب خليجيين أو شوام أو أفارقة أبعد مما يقدمه الإعلام من ذلك عن ذلك البلد، وهو جزءا لا يستهان به في جسم الخارطة العربية على مستوى المساحة الجغرافية على أقل تقدير،هذا إذا ما أردنا تجاهل واقعه التاريخي والمشهد الثقافي والاجتماعي فيه..

وفي تبادل سريع لأوراق المصالحة التعويضية بين عميد القادة العرب وملك ملوك أفريقيا وبين الصديق بيرلسكوني رئيس وزراء ايطاليا.. اعتذرت فيه ايطاليا للشعب الليبي عن سنوات الاحتلال وتقرر دفع تعويضات مالية عن تلك الفترة ومخلفاتها.. عندها توقف تمويل الفيلم السينمائي حفاظاً على سمعة الأصدقاء الجدد.. فذلك الفيلم الذي يدور حول أحداث الاحتلال من قصف للمدنيين ومعسكرات الاعتقال الجماعية والترحيل الجماعي لمنافي الجزر الإيطالية وزرع الصحراء الليبية بالألغام وقرارات الإعدام الاعتباطية.. كل تلك الحقائق التاريخية المتجاهلة بضمير العالم تم صياغتها في حبكة درامية واقعية تترابط قصصها من خلال عيون طفل شهد وكبر على هذه الوقائع ضمن سيناريو فني..

وكان للفيلم لو إستكملت صناعته، بكل هذه الحقائق والتفاصيل، أن يشكل تذكيرا فاضحا بجرائم ايطاليا. وكنا نحلم أن يوقظ شيئا من إحساس تاريخي متكلس، بجرائم الأمس. وان تعمل فيها مشاهد عمليات الإبادة المنظمة للليبين في معسكرات الموت الصحراوية، ما فعلته بألمانيا، الهزيمة أمام جيوش الحلفاء، وصور مصانع المحرقة وافرانها في المخيمات النازية، كنا نود أن نطوق عنق الإيطاليين، بعقدة ذنب مشابهة، لما يطحن الضمير الألماني منذ نصف قرن، تحت رحى صور الهولوكست. وآملنا أن ننتزع للعرب، للعرب الليبيين أول إعتذار عن جريمة إستعمارية بحقهم... ولكن ضمن الحسابات الجديدة في المشهد السياسي الجديد بين البلدين ليبيا وإيطاليا سيعتبر ذلك إساءة غير لائقة لإيطاليا بعد أن أتبع الكرم العربي المثل الشعبي القائل "لا تاخذ الصديق إلاّ من بعد عداوة".

وهنا أدون على هامش هذه المقالة ملاحظة صغيرة أعتبر نفسي مسؤولة أخلاقياً بإعلانها بأن ما فعله الطليان في تلك الحقبة تاريخياً بحق الليبيين كان أقرب ما يكون للهولوكست دون أي مبالغة عاطفية في هذا التصريح الذي بنيته بعد قراءة وبحث منهجي لمدة سنة كاملة حول الموضوع باعتماد المرجعيات التاريخية الموثقة والمترجمة.. لكننا لطالما فقدنا أساليبنا وحماستنا في الدفاع عن قضايانا ومظالمنا أمام الرأي العام العالمي..

لذلك كله وغيره لم يتحقق من ذلك الحلم السينمائي إلاّ أربعة عشر دقيقة عرضت على إحدى شاشات العرض في دار سينمائية عند افتتاح مهرجان دمشق السينمائي العام الماضي. تحدثت الصورة المسقطة فوق الشاشة يومها عن مشهد نفي الليبيين من قبل قوات الاحتلال الإيطالية وترحيلهم لجزيرة تريمتي الإيطالية غير المأهولة..

أما باقي السيناريو فيبدو أنه تقرر أن يتم استكماله واقعياً بصياغة جديدة مختلفة كلياً على الأرض الليبية، مع تبديل بسيط للأدوار حيث يغيب الفاشي الإيطالي هذه المرة عن مسرح جريمته، ولا يبقى منه غير تقنياته وأساليبه التي تركها لنا في كتب المؤرخين فأجيد استخدامها بحق أبناء البلد الواحد.. ولم يستغنِ الإيطالي عن كامل دوره في هذا المشهد المعاصر لتسجيليّة الحدث شديد الواقعية بحيث لا يمكن للكاميرات التقاط كل تفاصيله على أرض الواقع.. فاصطف مشكوراً هذه المرّة في حملات إنقاذية تستقبل بعض لاجئين وهاربين من رمال الصحراء الحارقة حيث تلقي بهم الرياح عن قصد أو عن فوق الشواطئ الإيطالية هاربين من الموت خناجر مواطنيهم ووطنهم، وليسوا منفيين منه هذه المرة.. يحمل إليهم الطلياني بطانيات قماشية لا تطوي فيهم غير بعض البرد وبعض الذاكرة القريبة التي لم يعد تجاوزها بالأمر الهين حين ينزف الدم الواحد في البلد الواحد..

وكأن مقولة كل الحق على الطليان لا تجد مكاناً مناسباً لها في هذا الحدث لتقال فيه..

ها أنا وبمرارة استبدل المشاهد التاريخية للفيلم الذي كتبت بمشاهد شديدة المباشرة يغيب عنها خيال الكاتب لتحضر يومياً في استعراض لقسوة الواقع عبر شاشات التلفزة ومواقع الإنترنت.. ووفق لعبة مونتاجية مفتوحة الأفق لا يبدو أن خط النهاية فيها واضح.. بين كل هذه المرارة في المشهد الليبي اليوم وبعيداً عن الاصطفاف في المواقف المؤيدة أو المعارضة أو التداعيات الخطيرة للتدخل الأجنبي والأوروبي منه على وجه التحديد.. وعنجهية السلطة والبارانويا المرضية لتضخم الذات الحاكمة.. ومنطق الثورة وسرعة تسليحها ودفعها للمعارك في حراك من الأخذ والرد أشبه ما تكون بلعبة على البلاي ستيشن.. وبعيداً عن ضجيج النشرات الإخبارية ولعبة الميديا.. وتنظيراتنا الكثيرة حول الثورات العربية.. بعيداً عن كل ذلك ولكن على مسافة اقرب من ضميرنا...

لليبيا مناّ اليوم الاعتذار الأكبر لأننا تجاهلناها طويلاً من قبل واكتفينا باختصارها ببعض ملامح وعناوين.. بعد أن استيقظنا جميعنا في تاريخ السابع عشر من فبراير يوم اندلاع الثورة هناك على عقدة ذنب عربية تجاه الشعب الليبي لحظة نظرنا في سحنات أبناء ذلك البلد فاكتشفنا أنهم يشبهوننا لهذا الحد.. وسمعنا لهجاتهم المحكية فبدت مرسومة بذات الحرف العربي الذي نفهم.. وكان لمدنهم أسماء مملوءة بالذاكرة ولطبيعتهم الجغرافية تنوع وتضاريس ولطبيعتهم النفسية أنفة العربي الأصيل فبعض نقرات فوق أنف الليبي كانت كفيلة بترك أثر الإهانة في نفسه واعتبارها أقسى أنواع التعذيب الذي واجهه من الطليان قديماً فهو حتى اليوم العربي الذي لا يزال يرى في أنفه رمزاً للعزة والكرامة.. فأصبحنا نمر بأسماء مثقفين وعلماء وروائيين بوزن إبراهيم الكوني وسحر رواياته في الأسطورة والسحرة والمجوس.. وتعبر الكاميرا آثار رومانية ترتمي على شواطئ البحر لتمثل أهم الآثار التي خلفها الرومان في تاريخ المنطقة.. فمن منا نحن العرب مثقفين أو غير مثقفين كان يعلم أن لزرقة الساحل الليبي شديد النظافة سحر يوازي سحر الصحراء فيها.. من مناّ قرأ في الشعر المحكي الليبي ذو القافية الموزونة والفصاحة التي توازي الشعر النبطي بجمالياته.. وتعرف على عليّ فهمي خشيم الباحث في علوم اللغة وامتداد اللغة العربية في اللغات العالمية وأصولها..

وكأننا استيقظنا جميعنا من غيبوبة التقصير هذه فجأة بشيء من عقدة الذنب تجاه ليبيا لندرك بأن ليبيا لم تكن الكتاب الأخضر وحسب وفي ذلك ليس كل الحق على الطليان..

ولليبيا من قلبي سلام..

إيمان سعيد

Emansaied2000@yahoo.com